مقارنة التفاسير
هود · الآية 2
أَلَّا إِلَّا ٱللَّهَۚ مِّنۡهُ ﴿٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
هود · الآية 2
أَلَّا إِلَّا ٱللَّهَۚ مِّنۡهُ ﴿٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
وإنزال القرآن وبيان أحكامه وتفصيلها وإحكامها؛ لأجل أن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له. إنني لكم -أيها الناس- من عند الله نذير ينذركم عقابه، وبشير يبشِّركم بثوابه.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
} فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير، فلا تسأل بعد هذا، عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة، وسعة الرحمة . وإنما أنزل الله كتابه لـ ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: لأجل إخلاص الدين كله لله، وأن لا يشرك به أحد من خلقه. ﴿إِنَّنِي لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿مِنْهُ﴾ أي: من الله ربكم ﴿نَذِيرٍ﴾ لمن تجرأ على المعاصي بعقاب الدنيا والآخرة، ﴿وَبَشِيرٌ﴾ للمطيعين لله بثواب الدنيا والآخرة.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 1 إلى 4 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 1.
تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ
[وَهِيَ مَكِّيَّةٌ] [زيادة من ت، أ.] .
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ عِكْرِمة قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَا شَيّبك؟ قَالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ " [مسند أبي يعلى (١/١٠٢) وهو منقطع وقد تكلم عليه والذي بعده، الحافظ الدارقطني في العلل (٣/١٩٣ - ٢١١) بما يكفي.] .
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شِبْتَ؟ قَالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ " [سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) وقال التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه".] وَفِي رِوَايَةٍ: " هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا ".
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ [جميع النسخ: "حجاج" والتصويب من المعجم الكبير.] بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا: الْوَاقِعَةُ، وَالْحَاقَّةُ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ " وَفِي رِوَايَةٍ: " هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا " [المعجم الكبير (٦/١٨٣) ورواه الدارقطني في العلل (١/٢١٠) من طريق أحمد بن طارق به، وقال الهيثمي في المجمع (٣/١٩٢) : "عمر بن صهبان متروك" وسعيد بن سلام كذاب.] .
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَارِقٍ الرَّائِشِيُّ [في ت، أ، والمعجم الكبير: "الوابشي" ولم أجد ترجمته.] ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَيَّبَكَ؟ قَالَ: " هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ " [المعجم الكبير (١٠/١٢٥، ١٢٦) وهو عنده من طريق عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ ابن مسعود فلعله سقط من نسخة ابن كثير والله أعلم. وللاستزادة في أحاديث الباب: فقد توسع الفاضل محمد طرهوني في تتبعها انظر كتابه: موسوعة فضائل القرآن _١/٢٩٥ - ٣٠٨) .] .
عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ مَتْرُوكٌ، وَأَبُو إِسْحَاقَ لَمْ يُدْرِكْ ابْنَ مَسْعُودٍ. وَاللَّهُ أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أَيْ: هِيَ مُحْكَمَةٌ فِي لَفْظِهَا، مُفَصَّلَةٌ فِي مَعْنَاهَا، فَهُوَ كَامِلٌ صُورَةً وَمَعْنًى. هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أَيْ: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْحَكِيمِ فِي أَقْوَالِهِ، وَأَحْكَامِهِ، الْخَبِيرِ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ.
﴿أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ أَيْ: نَزَّلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْمُحْكَمَ الْمُفَصِّلَ لِعِبَادَةِ [في ت، أ: "بعباده".] اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:٢٥] ، قَالَ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْلِ:٣٦] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [في ت، أ: "إني".] أَيْ: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مِنَ الْعَذَابِ إِنْ خَالَفْتُمُوهُ، وَبَشِيرٌ بِالثَّوَابِ إِنْ أَطَعْتُمُوهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَعِدَ الصَّفَا، فَدَعَا بُطُونَ قُرَيْشٍ الْأَقْرَبَ ثُمَّ الْأَقْرَبَ، فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ [في ت: "فقالوا".] يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تُصَبِّحُكُمْ [في ت: "تصحبكم".] ، أَلَسْتُمْ مُصَدِّقِيَ؟ " فَقَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ [في أ: "من".] يَدَيْ عَذَابٌ شَدِيدٌ" [رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٩٧١) من حديث ابن عباس، رضي الله عنه.] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أَيْ: وَآمُرُكُمْ [في ت، أ: "يأمركم".] بِالِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ السَّالِفَةِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَهُ، وَأَنْ تَسْتَمِرُّوا [في ت، أ: "يستقبلونه وأن يستمروا".] عَلَى ذَلِكَ، ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، قَالَهُ قَتَادَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] ، [في ت، "فليحيينه".] [في ت: "بأحسن الذي كانوا".] وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِسَعْدٍ: "وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا أجِرْت بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي [في ت، أ: "في فم".] امْرَأَتِكَ" [صحيح البخاري برقم (٦٣٧٣) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٨) .] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حُدِّثْتُ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ قَالَ: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ، وَمَنْ عَمِلَ حَسَنَةً كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ. فَإِنْ عُوقِبَ بِالسَّيِّئَةِ الَّتِي كَانَ عَمِلَهَا فِي الدُّنْيَا بَقِيَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ لَمْ يُعَاقَبْ بِهَا فِي الدُّنْيَا أُخِذَ مِنَ الْحَسَنَاتِ الْعَشْرِ وَاحِدَةٌ وَبَقِيَتْ لَهُ تِسْعُ حَسَنَاتٍ. ثُمَّ يَقُولُ: هَلَكَ مَنْ غَلَبَ آحَادُهُ أَعْشَارَهُ [تفسير الطبري (١٥/٢٣١) .] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ تَوَلَّى عَنْ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، فَإِنَّ الْعَذَابَ يَنَالُهُ يَوْمَ مَعَادِهِ [في ت: "معاذه".] لَا مَحَالَةَ، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أَيْ: مَعَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَيْ: وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ، وَانْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَإِعَادَةِ [في ت، أ: "وإعادته".] الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا مَقَامُ التَّرْهِيبِ، كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ مَقَامُ تَرْغِيبٍ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم فُصّلت بأن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له، وتخلعوا الآلهة والأنداد. ثم قال تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، للناس ﴿إنني لكم﴾ ، من عند الله = ﴿نذير﴾ ينذركم عقابه على معاصيه وعبادة الأصنام = ﴿وبشير﴾ ، يبشركم بالجزيل من الثواب على طاعته وإخلاص العبادة والألُوهَةِ له. [انظر تفسير " النذير " فيما سلف ص: ٢١٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك. = وتفسير " البشير " فيما سلف من فهارس اللغة (بشر) .]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 1 إلى 4 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 1.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ: إِلَّا آيَةً، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ [راجع ص ١٠٩ من هذا الجزء. وفى رواية عن ابن عباس أنها مكية كلها وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد وابن زيد وقتادة.] " [هود: ١١٤]. وَأَسْنَدَ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "اقْرَءُوا سُورَةَ هُودٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ". وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ! قَالَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وعَمَّ يَتَساءَلُونَ وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". قَالَ: هذا حديث حسن غريب، وقد روي شي مِنْ هَذَا مُرْسَلًا. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي "نَوَادِرِ الْأُصُولِ": حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَاكَ قَدْ شِبْتَ! قَالَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَالْفَزَعُ يُورِثُ الشَّيْبَ وَذَلِكَ أَنَّ الْفَزَعَ يُذْهِلُ النَّفْسَ فَيُنَشِّفُ رُطُوبَةَ الْجَسَدِ، وَتَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ مَنْبَعٌ، وَمِنْهُ يَعْرَقُ، فَإِذَا انْتَشَفَ الْفَزَعُ رُطُوبَتَهُ يَبِسَتِ الْمَنَابِعُ فَيَبِسَ الشَّعْرُ وَابْيَضَّ، كَمَا تَرَى الزَّرْعَ الْأَخْضَرَ بسقاية، فَإِذَا ذَهَبَ سِقَاؤُهُ يَبِسَ فَابْيَضَّ، وَإِنَّمَا يَبْيَضُّ شَعْرُ الشَّيْخِ لِذَهَابِ رُطُوبَتِهِ وَيُبْسِ جِلْدِهِ، فَالنَّفْسُ تَذْهَلُ بِوَعِيدِ اللَّهِ، وَأَهْوَالِ مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ عَنِ اللَّهِ، فَتَذْبُلُ، وَيُنَشِّفُ مَاءَهَا ذَلِكَ الْوَعِيدُ وَالْهَوْلُ [في و: خوف.] الَّذِي جَاءَ بِهِ، فَمِنْهُ تَشِيبُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً [راجع ج ١٩ ص ٤٨.] " [المزمل: ١٧] فَإِنَّمَا شَابُوا مِنَ الْفَزَعِ. وَأَمَّا سُورَةُ "هُودٍ" فَلَمَّا ذَكَرَ الْأُمَمَ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ عَاجِلِ بَأْسِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَهْلُ الْيَقِينِ إِذَا تَلَوْهَا تَرَاءَى عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَلَحَظَاتِهِ الْبَطْشُ بِأَعْدَائِهِ، فَلَوْ مَاتُوا مِنَ الْفَزَعِ لَحَقَّ لَهُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسْمُهُ يَلْطُفُ [في ع وو: تلطف.] بِهِمْ فِي تِلْكَ الْأَحَايِينِ حَتَّى يَقْرَءُوا كَلَامَهُ. وَأَمَّا أَخَوَاتُهَا فَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ السُّوَرِ، مثل ﴿الحاقة﴾ [الحاقة: ١] و ﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾ [المعارج: ١] و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] و "القارعة" [الْقَارِعَةُ: ١ [، فَفِي تِلَاوَةِ هَذِهِ السُّوَرِ مَا يَكْشِفُ لِقُلُوبِ الْعَارِفِينَ سُلْطَانَهُ وَبَطْشَهُ فَتَذْهَلُ مِنْهُ النُّفُوسُ، وتشيب منه الرؤوس. [قُلْتُ [من ع.] ] وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الَّذِي شَيَّبَ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ سُورَةِ "هُودٍ" قول: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [راجع ص ١٠٧ من هذا الجزء.] [هود: ١١٢] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبَانَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ "هُودٍ" فَلَمَّا خَتَمْتُهَا قَالَ: (يَا يَزِيدُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ فَأَيْنَ الْبُكَاءُ). قَالَ عُلَمَاؤُنَا: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: يُقَالُ هَذِهِ هُودُ فَاعْلَمْ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، لِأَنَّكَ لَوْ سَمَّيْتَ امْرَأَةً بِزَيْدٍ. لَمْ تَصْرِفْ، وهذا قول الخليل وسيبويه. وعيسى ابن عُمَرَ يَقُولُ: هَذِهِ هُودٌ بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وَكَذَا إِنْ سَمَّى امْرَأَةً بِزَيْدٍ، لِأَنَّهُ لَمَّا سَكَنَ وَسَطُهُ خَفَّ فَصُرِفَ، فَإِنْ أَرَدْتَ الْحَذْفَ صَرَفْتَ عَلَى قَوْلِ الْجَمِيعِ، فَقُلْتَ: هَذِهِ هُودٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ سُورَةَ هُودٍ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّكَ تَقُولُ هَذِهِ الرَّحْمَنُ، فَلَوْلَا أَنَّكَ تُرِيدُ هَذِهِ سُورَةُ الرَّحْمَنِ ما قلت هذه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الر﴾. تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ [راجع ج ٨ ص ٣٠٤.] .
(كِتابٌ) بِمَعْنَى هَذَا كِتَابٌ. "(أُحْكِمَتْ آياتُهُ) " في موضع رفع نعت لكتاب. وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى "أُحْكِمَتْ آياتُهُ" قَوْلُ قَتَادَةَ، أَيْ جُعِلَتْ مُحْكَمَةً كُلَّهَا لَا خَلَلَ فِيهَا وَلَا بَاطِلَ. وَالْإِحْكَامُ مَنْعُ الْقَوْلِ مِنَ الْفَسَادِ، أَيْ نُظِمَتْ نَظْمًا مُحْكَمًا لَا يَلْحَقُهَا تَنَاقُضٌ وَلَا خَلَلٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَمْ يَنْسَخْهَا كِتَابٌ، بِخِلَافِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وعلى هذا المعنى، أَحْكَمَ بَعْضَ آيَاتِهِ بِأَنْ جُعِلَ نَاسِخًا غَيْرَ منسوخ. وقد تقدم القول فيه [راجع ج ٤ ص ١٠.] .
وَقَدْ يَقَعُ اسْمُ الْجِنْسِ عَلَى النَّوْعِ، فَيُقَالُ: أَكَلْتُ طَعَامَ زَيْدٍ، أَيْ بَعْضَ طَعَامِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: "أُحْكِمَتْ آياتُهُ" بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
(ثُمَّ فُصِّلَتْ) بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَحْكَمَهَا اللَّهُ مِنَ الْبَاطِلِ، ثُمَّ فَصَّلَهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. مُجَاهِدٌ: أُحْكِمَتْ جُمْلَةً، ثُمَّ بُيِّنَتْ بِذِكْرِ آيَةٍ آيَةٍ بِجَمِيعِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْبَعْثِ وَغَيْرِهَا. وَقِيلَ: جُمِعَتْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، ثُمَّ فُصِّلَتْ فِي التَّنْزِيلِ. وَقِيلَ: "فُصِّلَتْ" أُنْزِلَتْ نَجْمًا نَجْمًا لِتُتَدَبَّرَ. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ "فُصِلَتْ" مُخَفَّفًا أَيْ حُكِمَتْ بِالْحَقِّ. "(مِنْ لَدُنْ) " أَيْ مِنْ عِنْدِ. "(حَكِيمٍ) " أَيْ مُحْكِمٌ لِلْأُمُورِ.
(خَبِيرٍ) بِكُلِّ كَائِنٍ وَغَيْرِ كائن. قوله تعالى (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: أَيْ بِأَلَّا، أَيْ أُحْكِمَتْ ثُمَّ فُصِّلَتْ بِأَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لِئَلَّا، أَيْ أُحْكِمَتْ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِئَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. قِيلَ: أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ.
(إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ) أَيْ مِنَ اللَّهِ.
(نَذِيرٌ) أَيْ مُخَوِّفٌ مِنْ عَذَابِهِ وَسَطْوَتِهِ لِمَنْ عَصَاهُ.
(وَبَشِيرٌ) بِالرِّضْوَانِ وَالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، أَيْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ، أَيِ اللَّهُ نَذِيرٌ لَكُمْ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [راجع ج ٤ ص ٥٨ وص ٢١٠.] [آل عمران: ٢٨].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَى الْأَوَّلِ.
(ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أَيِ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: "ثُمَّ" هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ هُوَ التَّوْبَةُ، وَالتَّوْبَةَ هِيَ الِاسْتِغْفَارُ. وَقِيلَ: اسْتَغْفِرُوهُ مِنْ سَالِفِ ذُنُوبِكُمْ، وَتُوبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْمُسْتَأْنَفِ مَتَى وَقَعَتْ مِنْكُمْ. قَالَ بَعْضُ الصُّلَحَاءِ: الِاسْتِغْفَارُ بِلَا إِقْلَاعٍ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [راجع ج ٤ ص ٥٨ وص ٢١٠.] مُسْتَوْفًى. وَفِي "الْبَقَرَةِ" [راجع ج ٣ ص ١٥٦] عِنْدَ قوله: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً﴾ [البقرة: ٢٣١]. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ الِاسْتِغْفَارِ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ هِيَ الْغَرَضُ الْمَطْلُوبُ، وَالتَّوْبَةَ هِيَ السَّبَبُ إِلَيْهَا، فَالْمَغْفِرَةُ أَوَّلٌ فِي الْمَطْلُوبِ وَآخِرٌ فِي السَّبَبِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى اسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَتُوبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْكَبَائِرِ.
(يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً) هَذِهِ ثَمَرَةُ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ، أَيْ يُمَتِّعُكُمْ بِالْمَنَافِعِ من سَعَةِ الرِّزْقِ وَرَغَدِ الْعَيْشِ، وَلَا يَسْتَأْصِلُكُمْ بِالْعَذَابِ كَمَا فَعَلَ بِمَنْ أَهْلَكَ قَبْلَكُمْ. وَقِيلَ: يُمَتِّعُكُمْ يُعَمِّرُكُمْ، وَأَصْلُ الْإِمْتَاعِ الْإِطَالَةُ، وَمِنْهُ أَمْتَعَ اللَّهُ بِكَ وَمَتَّعَ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْمَتَاعُ الْحَسَنُ تَرْكُ الْخَلْقِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْحَقِّ. وَقِيلَ: هُوَ الْقَنَاعَةُ بِالْمَوْجُودِ، وَتَرْكُ الْحُزْنِ عَلَى الْمَفْقُودِ.
(إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) قِيلَ: هُوَ الْمَوْتُ. وَقِيلَ: الْقِيَامَةُ. وَقِيلَ: دُخُولُ الْجَنَّةِ. وَالْمَتَاعُ الْحَسَنُ عَلَى هَذَا وِقَايَةُ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَأَمْرٍ مَخُوفٍ، مِمَّا يَكُونُ فِي الْقَبْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَكَرْبِهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ﴾ [راجع ص ٥٠ فما بعد من هذا الجزء.] [هود: ٥٢] وَهَذَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ الْأَجَلُ الْمُسَمَّى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: فَأَبَوْا فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَابْتُلُوا بِالْقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ الْمُحْرِقَةَ وَالْقَذَرَ وَالْجِيَفَ وَالْكِلَابَ.
(وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) أَيْ يُؤْتِ كُلَّ ذِي عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ جَزَاءَ عَمَلِهِ. وَقِيلَ: وَيُؤْتِ كُلَّ مَنْ فَضُلَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ "فَضْلَهُ" أَيِ الْجَنَّةَ، وَهِيَ فَضْلُ اللَّهِ، فَالْكِنَايَةُ فِي قَوْلِهِ: "فَضْلَهُ" تَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ مَا يَحْتَسِبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ كَلَامٍ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ، أَوْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ، أَوْ مَا تَطَوَّعَ بِهِ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ، يُؤْتِيهِ ذَلِكَ إِذَا آمَنَ، وَلَا يَتَقَبَّلُهُ مِنْهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا.
(وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ كَبِيرٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ. وَقِيلَ: الْيَوْمُ الْكَبِيرُ هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ وَغَيْرُهُ: وَ "تَوَلَّوْا" يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا وَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهُمْ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا حُذِفَتْ مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَالْمَعْنَى: قُلْ لَهُمْ إِنْ تَتَوَلَّوْا فإني أخاف عليكم. قوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ) أَيْ بَعْدَ الْمَوْتِ.
(وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 1 إلى 3 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 1.
سُورَةِ هُودٍ
مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ وَهِيَ مِائَةٌ وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ آيَةً. ﷽
* *
﴿الر كِتَابٌ﴾ أَيْ: هَذَا كِتَابٌ، ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يُنْسَخْ بِكِتَابٍ كَمَا نُسِخَتِ الْكُتُبُ وَالشَّرَائِعُ بِهِ، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بُيِّنَتْ بِالْأَحْكَامِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَحُكِمَتْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، ثُمَّ فُصِّلَتْ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. قَالَ قَتَادَةُ: أُحْكِمَتْ أَحْكَمَهَا اللَّهُ فَلَيْسَ فِيهَا اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فُصِّلَتْ أَيْ: فُسِّرَتْ. وَقِيلَ: فُصِّلَتْ أَيْ: أُنْزِلَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا، ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أَيْ: وَفِي ذَلِكَ الْكِتَابِ: أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَيَكُونُ مَحَلُّ "أَنْ" رَفْعًا. وَقِيلَ: مَحَلُّهُ خَفْضٌ، تَقْدِيرُهُ: بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾ أَيْ: مِنَ اللَّهِ ﴿نَذِيرٌ﴾ لِلْعَاصِينَ، ﴿وَبَشِيرٌ﴾ لِلْمُطِيعِينَ.
﴿وَأَنْ﴾ عَطْفٌ عَلَى الْأَوَّلِ، ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أَيِ: ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: "ثُمَّ" هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ: وَتُوبُوا إِلَيْهِ، لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ هُوَ التَّوْبَةُ، وَالتَّوْبَةُ هِيَ الِاسْتِغْفَارُ.
وَقِيلَ: أَنِ اسْتَغْفِرُوا [رَبَّكُمْ مِنَ الْمَعَاصِي ثُمَّ تُوبُوا] [زيادة من "ب".] إِلَيْهِ فِي الْمُسْتَأْنَفِ [في "ب": (المستقبل) .] .
﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ يُعَيِّشْكُمْ عَيْشًا [حَسَنًا فِي خَفْضٍ وَدَعَةٍ وَأَمْنٍ وَسَعَةٍ] [في "ب" (في سعة ودعة وأمن) .] . قَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَيْشُ الْحَسَنُ هُوَ الرِّضَا بِالْمَيْسُورِ وَالصَّبْرُ عَلَى الْمَقْدُورِ.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إِلَى حِينِ الْمَوْتِ، ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أَيْ: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي عَمَلٍ صَالِحٍ فِي الدُّنْيَا أَجْرَهُ وَثَوَابَهُ فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَنْ كَثُرَتْ طَاعَتُهُ فِي الدُّنْيَا زَادَتْ دَرَجَاتُهُ فِي الْآخِرَةِ [فِي الْجَنَّةِ] [ساقط من "ب".] ، لِأَنَّ الدَّرَجَاتِ تَكُونُ بِالْأَعْمَالِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ زَادَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ دَخَلَ النَّارَ، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ [زيادة من "ب".] الْأَعْرَافِ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَعْدُ.
وَقِيلَ: يُؤْتِ كُلَّ ذِي فضل فضله ١٧٣/أيَعْنِي: مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفَّقَهُ اللَّهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ عَلَى طَاعَتِهِ.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَعْرَضُوا، ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
وقوله : ( أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله ) جملة تعليلية ، أى : أنه - سبحانه - فعل ما فعل من إحكام الكتاب وتفصيله وتنزيله من لدن حكيم خبير ، لكى تخلصوا له العبادة والطاعة ، وتتركوا عبادة غيره؛ لأن من أنزل هذا الكتاب المعجز ، من حقه أن يفرد بالخضوع والاستعانة .وقوله : ( إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) بيان لوظيفة الرسول - ﷺ - .والضمير المجرور فى " منه " يعود على الله - تعالى - .أى : عليكم - أيها الناس - أن تخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة ، فإنه - سبحانه - قد أرسلني إليكم لكى أنذر الذين فسقوا عن أمره بسوء العاقبة ، وأبشر الذين استجابوا لدعوته بحسن المثوبة .وقدم - سبحانه - الإِنذار على التبشير؛ لأن الخطاب موجه إلى الكافرين ، الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى .قال بعضهم : " والجمع بين النذارة والبشارة ، لمقابلة ما نضمته الجملة الأولى من طلب ترك عبادة غير الله . بطريق النهى ، وطلب عبادة الله بطريق الاستثناء ، فالنذارة ترجع إلى الجزء الأول ، والبشارة ترجع إلى الجزء الثاني " .