مقارنة التفاسير
هود · الآية 21
ٱلَّذِينَ مَّا ﴿٢١﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
هود · الآية 21
ٱلَّذِينَ مَّا ﴿٢١﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
أولئك الذين خسروا أنفسهم بافترائهم على الله، وذهب عنهم ما كانوا يفترون من الآلهة التي يدَّعون أنها تشفع لهم.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ حيث فوتوها أعظم الثواب، واستحقوا أشد العذاب، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: اضمحل دينهم الذي يدعون إليه ويحسنونه، ولم تغن عنهم آلهتهم التي يعبدون من دون الله لما جاء أمر ربك.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 18 إلى 22 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 18.
يُبَيِّنُ تَعَالَى حَالَ الْمُفْتَرِينَ عَلَيْهِ وَفَضِيحَتَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ؛ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالرُّسُلِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَسَائِرِ الْبَشَرِ وَالْجَانِّ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا بَهْز وَعَفَّانُ قَالَا أَخْبَرَنَا هَمَّام، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِز قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِيَدِ ابْنِ عُمَرَ، إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ قَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كنَفَه، وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا [في أ: "كذا وكذا".] ؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا [في أ: "كذا وكذا".] ؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا [في أ: "كذا وكذا".] ؟ حَتَّى إِذَا قَرَّره بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ: ﴿الأشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بِهِ [المسند (٢/٧٤) وصحيح البخاري برقم (٤٦٨٥) وصحيح مسلم برقم (١٧٦٨) .] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أَيْ يردُّون الناسَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَسُلُوكِ طَرِيقِ [في ت: "طرق".] الْهُدَى الْمُوَصِّلَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيُجَنِّبُونَهُمُ [في ت: "وبحبحة".] الْجَنَّةَ، ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أَيْ: وَيُرِيدُونَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقُهُمْ [في ت، أ: "طريق الحق".] عِوَجًا غَيْرَ مُعْتَدِلَةٍ، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ أَيْ: جَاحِدُونَ بِهَا مُكَذِّبُونَ بِوُقُوعِهَا وَكَوْنِهَا.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أَيْ: بَلْ كَانُوا تَحْتَ قَهْرِهِ وَغَلَبَتِهِ، وَفِي قَبْضَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَلَكِنْ ﴿يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٢] ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: "إِنَّ اللَّهَ ليُملي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أخذَه لَمْ يُفْلته"؛ [صحيح البخاري برقم "٤٠٨٦" وصحيح مسلم برقم "٢٥٨٣" مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه.] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أَيْ: يُضَاعَفُ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ [مِنْ شَيْءٍ] [زيادة من أ.] ، بَلْ كَانُوا صُمَّا عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ، عُميا عَنِ اتِّبَاعِهِ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ حِينَ دُخُولِهِمُ النَّارَ: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٨٨] ؛ وَلِهَذَا يُعَذَّبُونَ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ تَرَكُوهُ، وَعَلَى كُلِّ نَهْيٍ ارْتَكَبُوهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ أصحَّ الْأَقْوَالِ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِفُرُوعِ الشَّرَائِعِ أَمْرِهَا وَنَهْيِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أَيْ: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا [في ت: "أدخلوا".] نَارًا حَامِيَةً، فَهُمْ مُعَذَّبُونَ فِيهَا لَا يُفَتَّر عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٧] .
وَ ﴿ضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: ذَهَبَ عَنْهُمْ ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَصْنَامِ، فَلَمْ تُجْد عَنْهُمْ شَيْئًا، بَلْ ضَرَّتْهُمْ كُلَّ الضَّرَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] ، [في ت: "ويكونوا".] وَقَالَ الْخَلِيلُ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٥] ، [في ت: "ويوم".] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] ؛ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى خُسْرِهِمْ [في ت، أ: "خسارهم".] وَدَمَارِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ أَخْسَرُ النَّاسِ صَفْقَةً فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا بِالدَّرَكَاتِ عَنِ الدَّرَجَاتِ، وَاعْتَاضُوا عَنْ نَعِيمِ الْجِنَانِ بِحَمِيمٍ آنٍ، وَعَنْ شُرْبِ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، بَسمُوم وَحَمِيمٍ، وظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، وَعَنِ الْحُورِ الْعَيْنِ بِطَعَامٍ مِنْ غِسْلين، وَعَنِ الْقُصُورِ الْعَالِيَةِ بِالْهَاوِيَةِ، وَعَنْ قُرْبِ الرَّحْمَنِ، وَرُؤْيَتِهِ بِغَضَبِ الدَّيَّانِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 21 إلى 22 معاً في نص واحد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله [انظر تفسير " الخسران " فيما سلف من فهارس اللغة (خسر) .] = ﴿وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ ، وبطل كذبهم وإفكهم وفريتهم على الله، [انظر تفسير " الضلال " و " الافتراء " فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) ، (فرى) .] بادعائهم له شركاء، فسلك ما كانوا يدعونه إلهًا من دون الله غير مسلكهم، وأخذ طريقًا غير طريقهم، فضَلّ عنهم، لأنه سلك بهم إلى جهنم، وصارت آلتهم عدمًا لا شيء، لأنها كانت في الدنيا حجارة أو خشبًا أو نحاسًا = أو كان لله وليًّا، فسلك به إلى الجنة، وذلك أيضًا غير مسلكهم، وذلك أيضًا ضلالٌ عنهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ (٢٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: حقا أن هؤلاء القوم الذين هذه صفتهم في الدنيا وفي الآخرة هم الأخسرون الذين قد باعوا منازلهم من الجنان بمنازل أهل الجنة من النار ؛ وذلك هو الخسران المبين.
* *
وقد بينا فيما مضى أن معنى قولهم: "جَرمتُ"، كسبت الذنب و"جرمته"، [انظر ما سلف ٩: ٤٨٣ - ٤٨٥ / ١٠: ٩٥، وكان في المطبوعة: " جرمت "، " أجرمته " بالألف، والصواب ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في معاني القرآن.] وأن العرب كثر استعمالها إياه في مواضع الأيمان، [انظر ما سلف ٩: ٤٨٣، ولكني لم أجد هناك هذا التفصيل الذي ذكره بعد، ولا أظنه مر شيء منه، إلا أن يكون فاتني تقييده. وأخشى أن يكون سهوًا من أبي جعفر.] وفي مواضع "لا بد" كقولهم: "لا جرم أنك ذاهب"، بمعنى: "لا بد"، حتى استعملوا ذلك في مواضع التحقيق، فقالوا: "لا جَرَم لتقومن"، بمعنى: حَقًّا لتقومن. [انظر معاني القرآن للفراء في تفسير هذه الآية، وهذا بعض كلامه.] فمعنى الكلام: لا منع عن أنهم، ولا صدّ عن أنهم.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 21 إلى 22 معاً في نص واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾
ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.
(وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ) أَيْ ضَاعَ عَنْهُمُ افْتِرَاؤُهُمْ وَتَلِفَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا جَرَمَ﴾ لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا أَقْوَالٌ، فَقَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ: "لَا جَرَمَ" بِمَعْنَى حَقٍّ، فَ "لَا" وَ "جَرَمَ" عِنْدَهُمَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَ "أَنَّ" عِنْدَهُمَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، حَكَاهُ النَّحَّاسُ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَعَنِ الخليل أيضا أن معناها لأبد وَلَا مَحَالَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، ذَكَرَهُ الثعلبي. وقال الزجاج: "لا" ها هنا نَفْيٌ وَهُوَ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْأَصْنَامَ تَنْفَعُهُمْ، كَأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، وَجَرَمَ بِمَعْنَى كَسَبَ، أَيْ كَسَبَ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَهُمُ الْخُسْرَانَ، وفاعل كسب مضمر، و "أن" منصوبة بجرم، كَمَا تَقُولُ كَسَبَ جَفَاؤُكَ زَيْدًا غَضَبَهُ عَلَيْكَ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
نَصَبْنَا رَأْسَهُ فِي جِذْعِ نَخْلٍ [في ع وووى: في رأس جذع.] ... بِمَا جَرَمَتْ يَدَاهُ وَمَا اعْتَدَيْنَا
أَيْ بِمَا كَسَبَتْ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَى "لَا جَرَمَ" لَا صَدَّ وَلَا مَنْعَ عَنْ أَنَّهُمْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا قَطَعَ قَاطِعٌ، فَحُذِفَ الْفَاعِلُ حِينَ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ، وَالْجَرْمُ الْقَطْعُ، وَقَدْ جَرَمَ النَّخْلَ وَاجْتَرَمَهُ أي صرمه فهو جارم، وقوم وجرم وَجُرَّامٌ وَهَذَا زَمَنُ الْجَرَامِ وَالْجِرَامِ، وَجَرَمْتُ صُوفَ الشَّاةِ أَيْ جَزَزْتُهُ، وَقَدْ جَرَمْتُ مِنْهُ أَيْ أَخَذْتُ مِنْهُ، مِثْلُ جَلَمْتُ الشَّيْءَ جَلْمًا أَيْ قطعت، وَجَلَمْتُ الْجَزُورَ أَجْلِمُهَا جَلْمًا إِذَا أَخَذْتُ مَا عَلَى عِظَامِهَا مِنَ اللَّحْمِ، وَأَخَذْتُ الشَّيْءَ بِجِلْمَتِهِ- ساكنة اللام- إذا أخذته أجمع، وهذه جملة الْجَزُورِ- بِالتَّحْرِيكِ- أَيْ لَحْمُهَا أَجْمَعُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَزَعَمَ الْكِسَائِيُّ أَنَّ فِيهَا أَرْبَعَ لُغَاتٍ: لَا جَرَمَ، وَلَا عَنْ ذَا جَرَمَ، وَلَا أَنْ ذَا جَرَمَ، قَالَ: وَنَاسٌ مِنْ فَزَارَةَ يَقُولُونَ: لَا جَرَ أَنَّهُمْ بِغَيْرِ مِيمٍ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ فِيهِ [في ع: فيها.] لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ قَالَ: بَنُو عَامِرٍ يَقُولُونَ لَا ذَا جَرَمَ، قَالَ: وَنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ. يَقُولُونَ: لَا جُرْمَ بِضَمِّ الْجِيمِ.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 19 إلى 22 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 19.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَمْنَعُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ .
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَابِقِينَ. قَالَ قَتَادَةُ: هَارِبِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فَائِتِينَ.
﴿فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ يَعْنِي أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا يَحْفَظُونَهُمْ مِنْ عَذَابِنَا، ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ أَيْ: يُزَادُ فِي عَذَابِهِمْ. قِيلَ: يُضَاعَفُ الْعَذَابُ عَلَيْهِمْ لِإِضْلَالِهِمُ الْغَيْرَ وَاقْتِدَاءِ الْأَتْبَاعِ بِهِمْ.
﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: صُمٌّ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ فَلَا يَسْمَعُونَهُ، وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ الْهُدَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ حَالَ بَيْنَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَبَيْنَ طَاعَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا قَالَ: " مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ " وَهُوَ طَاعَتُهُ، وَفِي الْآخِرَةِ قَالَ: " فَلَا يَسْتَطِيعُونَ "، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غَبَنُوا أَنْفُسَهُمْ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَزْعُمُونَ من شفاعة ١٧٤/أالْمَلَائِكَةِ وَالْأَصْنَامِ.
﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: حَقًّا. وَقِيلَ: بَلَى. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا مَحَالَةَ، ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ يَعْنِي: مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ فِي الْخَسَارِ [في "ب": (الخسارة) .] .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم أكد - سبحانه - سوء مصيرهم فقال : ( أولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ )أى : أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ، هم الذين خسروا أنفسهم وأوردوها المهالك بسبب تعمدهم الكذاب على الله ، ( وَضَلَّ عَنْهُمْ ) أى : وغاب عنهم ما كانوا يفترونه فى الدنيا من اعتقادات باطلة وادعاءات فاسدة .