مقارنة التفاسير
هود · الآية 41
۞وَقَالَ فِيهَا ٱللَّهِ إِنَّ ﴿٤١﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
هود · الآية 41
۞وَقَالَ فِيهَا ٱللَّهِ إِنَّ ﴿٤١﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
وقال نوح لمن آمن معه: اركبوا في السفينة، باسم الله يكون جريها على وجه الماء، وباسم الله يكون منتهى سيرها ورُسوُّها. إن ربي لَغفور ذنوبَ من تاب وأناب إليه من عباده، رحيم بهم أن يعذبهم بعد التوبة.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
﴿وَقَالَ﴾ نوح لمن أمره الله أن يحملهم: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أي: تجري على اسم الله، وترسو على اسم الله، وتجري بتسخيره وأمره. ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث غفر لنا ورحمنا، ونجانا من القوم الظالمين.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 41 إلى 43 معاً في نص واحد.
يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِينِ أُمِرَ بِحَمْلِهِمْ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أَيْ: بِسْمِ اللَّهِ يَكُونُ جَرْيُها عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، وَبِسْمِ اللَّهِ يَكُونُ مُنْتَهَى سَيْرِهَا، وَهُوَ رُسُوها.
وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ العَطاردي: "بسْمِ اللهِ مُجْرِيَها ومُرْسِيهَا".
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى [في أ: "عز وجل".] : ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:٢٨، ٢٩] ؛ [في ت، "وإذا" وهو خطأ.] ؛ وَلِهَذَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ فِي ابْتِدَاءِ الْأُمُورِ: عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلَى السَّفِينَةِ وَعَلَى الدَّابَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ:١٢ -١٤] ، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ بِالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ، وَالنَّدْبِ إِلَيْهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي سُورَةِ "الزُّخْرُفِ"، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ -وَحَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الحَرشي -قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ الْحَسَنِ الْهِلَالِيُّ، عَنْ نَهْشل بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَمَانُ أُمَّتِي مِنَ الْغَرَقِ إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم اللَّهِ الْمَلِكِ، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٧] ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المعجم الكبير (١٢/١٢٤) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٣٢) : "فيه نهشل بن سعيد وهو متروك".] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مُنَاسِبٌ عِنْدَ [في ت، أ: "عندما".] ذِكْرِ الِانْتِقَامِ مِنَ الْكَافِرِينَ بِإِغْرَاقِهِمْ أَجْمَعِينَ ذكْرُ أَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٦٧] ، وَقَالَ: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٦] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي يَقْرِنُ فِيهَا بَيْنَ انْتِقَامِهِ وَرَحْمَتِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ أَيِ: السَّفِينَةُ سَائِرَةٌ بِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، الَّذِي قَدْ طَبَّق [في ت: "طبق به".] جَمِيعَ الْأَرْضِ، حَتَّى طَفَتْ [في أ: "طفف"] عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَارْتَفَعَ عَلَيْهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَقِيلَ: بِثَمَانِينَ مِيلًا وَهَذِهِ السَّفِينَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ سَائِرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَحْتَ كَنَفه وَعِنَايَتِهِ [في ت: "وغايته"، وفي أ: "ورعايته".] وَحِرَاسَتِهِ وَامْتِنَانِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١١، ١٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [الْقَمَرِ: ١٣ -١٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ هَذَا هُوَ الِابْنُ الرَّابِعُ، وَاسْمُهُ "يَامٌ"، وَكَانَ كَافِرًا، دَعَاهُ أَبُوهُ عِنْدَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ أَنْ يُؤْمِنَ وَيَرْكَبَ مَعَهُمْ وَلَا يَغْرَقَ مِثْلَ مَا يَغْرَقُ الْكَافِرُونَ، ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ وَقِيلَ: إِنَّهُ اتَّخَذَ لَهُ مَرْكَبًا مِنْ زُجاج، وَهَذَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ اعْتَقَدَ بِجَهْلِهِ أَنَّ الطُّوفَانَ لَا يَبْلُغُ إِلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَأَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ لَنَجَّاهُ ذَلِكَ مِنَ الْغَرَقِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ أَيْ: لَيْسَ شَيْءٌ يَعْصِمُ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَقِيلَ: إِنَّ عَاصِمًا بِمَعْنَى مَعْصُومٍ، كَمَا يُقَالُ: "طَاعِمٌ وَكَاسٍ"، بِمَعْنَى مَطْعُومٍ ومكسُوّ، ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ .
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال نوح: اركبوا في الفلك، "بسم الله مجراها ومرساها".
* *
وفي الكلام محذوف قد استغني بدلالة ما ذكر من الخبر عليه عنه، وهو قوله: ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل﴾ = فحملهم نوح فيها = "وقال" لهم، " اركبوا فيها". فاستغني بدلالة قوله: ﴿وقال اركبوا فيها﴾ ، عن حمله إياهم فيها، فتُرك ذكره.
* *
واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿بسم الله مجراها ومرساها﴾ ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿بِسْمِ اللهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ ، بضم الميم في الحرفين كليهما. وإذا قرئ كذلك كان من "أجرى" و"أرسى"، وكان فيه وجهان من الإعراب: أحدهما: الرفع بمعنى: بسم الله إجراؤها وإرساؤها = فيكون "المجرى" و"المرسى" مرفوعين حينئذ بالباء التي في قوله: ﴿بسم الله﴾ .
والآخر: النصب، بمعنى: بسم الله عند إجرائها وإرسائها، أو وقت إجرائها وإرسائها = فيكون قوله: ﴿بسم الله﴾ ، كلامًا مكتفيًا بنفسه، كقول القائل عند ابتدائه في عمل يعمله: "بسم الله"، ثم يكون "المجرى" و"المرسى" منصوبين على ما نصبت العرب قولهم: "الحمد لله سِرارَك وإهلالك"، يعنون الهلال أوّله وآخره، كأنهم قالوا: "الحمد لله أوّل الهلال وآخره"، ومسموع منهم أيضا: "الحمدُ لله ما إهلالك إلى سِرارِك". [قال الفراء في معاني القرآن، بعد ذلك: " يريدون: ما بين إهلالك إلى سرارك ".]
* *
وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ ، بفتح الميم من "مجراها"، وضمها من "مرساها"، فجعلوا "مجراها" مصدرًا من "جري يجري مَجْرَى"، و"مرساها" من "أرسَى يُرْسي إرساء". [انظر تفسير " الإرساء " فيما سلف ١٣: ٢٩٣.]
وإذا قرئ ذلك كذلك، كانَ في إعرابهما من الوجهين، نحو الذي فيهما إذا قرئا: ﴿مُجراها ومُرساها﴾ ، بضم الميم فيهما، على ما بيَّنتُ.
* *
وروي عن أبي رجاء العطاردي أنه كان يقرأ ذلك: ﴿بِسْمِ اللهِ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا﴾ ، بضم الميم فيهما، ويصيرهما نعتًا لله. وإذا قرئا كذلك، كان فيهما أيضًا وجهان من الإعراب، غير أن أحدهما الخفضُ، وهو الأغلب عليهما من وجهي الإعراب، لأن معنى الكلام على هذه القراءة: بسم الله مُجْرى الفلك ومرسيها = ف"المجرى" نعت لاسم الله. وقد يحتمل أن يكون نصبًا، وهو الوجه الثاني، لأنه يحسن دخول الألف واللام في "المجري" و"المرسي"، كقولك: "بسم الله المجريها والمرسيها"، وإذا حذفتا نصبتا على الحال، إذ كان فيهما معنى النكرة، وإن كانا مضافين إلى المعرفة.
* *
وقد ذكر عن بعض الكوفيين أنه قرأ ذلك: ﴿مَجْرَاهَا ومَرْسَاهَا﴾ ، بفتح الميم فيهما جميعا، من "جرى" و"رسا"، كأنه وجهه إلى أنه في حال جَرْيها وحال رُسُوّها، وجعل كلتا الصفتين للفلك، كما قال عنترة:
فَصَبَرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفَسُ الجبَانِ تَطَلّعُ [ديوانه: ٨٩ من أبيات، يقول قبله، يذكر الغراب، ويتشاءم به. إنَّ الَّذِينَ نَعَبْتَ لِي بِفِرَاقِهِمْ ... قَدْ أَسْهَرُوا لَيْلَ التِّمَامِ وأوْجَعُوا وَعَرَفْتُ أنَّ مَنِيَّتِي إنْ تَأتِنِي ... لا يُنْجِنِي مِنْهَا الفِرَارُ الأسْرَعُ فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لذَلِكَ حُرَّةً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و" نفس عارفة "، حاملة الشدائد صبور، إذا حملت على أمر احتملته، من طول مكابدتها لأهوال هذه الحياة. و" ترسو "، تثبت. و" تطلع "، تنزو متلفتة إلى مهرب، أو ناصر، من الجزع والرعب.]
* *
قال أبو جعفر: والقراءة التي نختارها في ذلك قراءة من قرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا﴾ ، بفتح الميم ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ ، بضم الميم، بمعنى: بسم الله حين تَجْري وحين تُرْسي.
وإنما اخترت الفتح في ميم "مجراها" لقرب ذلك من قوله: ﴿وهي تَجْري بهم في موج كالجبال﴾ ، ولم يقل: "تُجْرَى بهم". ومن قرأ: ﴿بسم الله مُجْراها﴾ ، كان الصواب على قراءته أن يقرأ: "وهي تُجْرى بهم". وفي إجماعهم على قراءة ﴿تَجْرِي﴾ ، بفتح التاء دليل واضع على أن الوجه في ﴿مجراها﴾ فتح الميم. وإنما اخترنا الضم في ﴿مرساها﴾ ، لإجماع الحجة من القراء على ضمّها.
ومعنى قوله ﴿مجراها﴾ ، مسيرها = ﴿ومرساها﴾ ، وقفها، من وقَفَها الله وأرساها.
* *
وكان مجاهد يقرأ ذلك بضم الميم في الحرفين جميعًا.
١٨١٨٢- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =
١٨١٨٣-. . .. قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بِسْمِ اللهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ ، قال: حين يركبون ويجرون ويرسون.
١٨١٨٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: بسم الله حين يركبون ويجرون ويرسون.
١٨١٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بِسْمِ اللهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ ، قال: بسم الله حين يجرون وحين يرسون.
١٨١٨٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، في قوله: ﴿اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها﴾ قال: إذا أراد أن ترسي قال: "بسم الله " فأرست، وإذا أراد أن تجري قال "بسم الله " فجرت.
* *
وقوله: ﴿إن ربي لغفور رحيم﴾ ، يقول: إن ربي لساتر ذنوب من تاب وأناب إليه، رحيم بهم أن يعذبهم بعدَ التوبة. [انظر تفسير " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 41 إلى 44 معاً في نص واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ أَمْرٌ بِالرُّكُوبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نُوحٍ لِقَوْمِهِ. وَالرُّكُوبُ الْعُلُوُّ عَلَى ظَهْرِ الشَّيْءِ. وَيُقَالُ: رَكِبَهُ الدَّيْنُ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيِ ارْكَبُوا الْمَاءَ فِي السَّفِينَةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ارْكَبُوهَا. وَ "في" للتأكيد كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ [راجع ص ١٩٨ فما بعد من هذا الجزء.] [يوسف: ٤٣] وَفَائِدَةُ "فِي" أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَكُونُوا فِي جَوْفِهَا لَا عَلَى ظَهْرِهَا. قَالَ عِكْرِمَةُ: رَكِبَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْفُلْكِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ من المحرم، فذلك ستة أشهر، وقال قَتَادَةُ وَزَادَ، وَهُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ: مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فَلْيَصُمْهُ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي هَذَا حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ نُوحًا رَكِبَ فِي السَّفِينَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، وَصَامَ الشَّهْرَ. أَجْمَعَ، وَجَرَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ إِلَى يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَفِيهِ أَرْسَتْ عَلَى الْجُودِيِّ، فَصَامَهُ نُوحٌ وَمَنْ مَعَهُ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَقَامَ عَلَى الْمَاءِ نَحْوَ السَّنَةِ، وَمَرَّتْ بِالْبَيْتِ فَطَافَتْ بِهِ سَبْعًا، وَقَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ عَنِ الْغَرَقِ فَلَمْ يَنَلْهُ غَرَقٌ، ثُمَّ مَضَتْ إِلَى الْيَمَنِ وَرَجَعَتْ إِلَى الْجُودِيِّ فَاسْتَوَتْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ بِضَمِّ الْمِيمِ فِيهِمَا إِلَّا مَنْ شَذَّ، عَلَى مَعْنَى بِسْمِ اللَّهِ إِجْرَاؤُهَا وَإِرْسَاؤُهَا، فَمُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِسْمِ اللَّهِ وَقْتَ إِجْرَائِهَا ثُمَّ حَذَفَ وَقْتَ، وَأُقِيمَ "مَجْراها" مَقَامَهُ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وحمزة والكسائي: "بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها" بِفَتْحِ الْمِيمِ وَ "مُرْساها" بِضَمِّ الْمِيمِ. وَرَوَى يَحْيَى بْنُ عِيسَى عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ "بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا" بِفَتْحِ الْمِيمِ فِيهِمَا، عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ جَرَتْ تَجْرِي جَرْيًا وَمَجْرًى، وَرَسَتْ رُسُوًّا وَمَرْسًى إِذَا ثَبَتَتْ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ جُنْدُبٍ وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وأبو رجاء العطاردي: "بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها" نَعْتٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيْ هُوَ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا. وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ. كَانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا جَرَتْ، وَإِذَا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ مُرْسَاهَا رَسَتْ. وَرَوَى مَرْوَانُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَمَانٌ لِأُمَّتِي مِنَ الْغَرَقِ إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [راجع ج ١٥ ص ٢٧٧.] [الزمر: ٦٧] "بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ". وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ، عَلَى ذِكْرِ الْبَسْمَلَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ [في ع وو: على ما.] فِعْلٍ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبَسْمَلَةِ [راجع ج ١ ص ٩٧.] ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
(إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) أَيْ لِأَهْلِ السَّفِينَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (لَمَّا كَثُرَتِ الْأَرْوَاثُ وَالْأَقْذَارُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نُوحٍ اغْمِزْ ذَنَبَ الْفِيلِ، فَوَقَعَ مِنْهُ خِنْزِيرٌ وَخِنْزِيرَةٌ فَأَقْبَلَا عَلَى الرَّوْثِ، فَقَالَ نُوحٌ: لَوْ غَمَزْتُ ذَنَبَ هَذَا الْخِنْزِيرِ! فَفَعَلَ، فَخَرَجَ مِنْهُ فَأَرٌ وَفَأْرَةٌ فَلَمَّا وَقَعَا أَقْبَلَا عَلَى السَّفِينَةِ وَحِبَالِهَا تَقْرِضُهَا، وَتَقْرِضُ الْأَمْتِعَةَ وَالْأَزْوَادَ حتى خافوا عل حِبَالِ السَّفِينَةِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نُوحٍ أَنِ امْسَحْ جَبْهَةَ الْأَسَدِ فَمَسَحَهَا، فَخَرَجَ مِنْهَا سِنَّوْرَانِ فأكلا الفئرة. وَلَمَّا حَمَلَ الْأَسَدَ فِي السَّفِينَةِ قَالَ: يَا رَبِّ مِنْ أَيْنَ أُطْعِمُهُ؟ قَالَ: سَوْفَ أُشْغِلُهُ، فَأَخَذَتْهُ الْحُمَّى، فَهُوَ الدَّهْرَ مَحْمُومٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَوَّلُ مَا حَمَلَ نُوحٌ مِنَ الْبَهَائِمِ فِي الْفُلْكِ حَمَلَ الْإِوَزَّةَ، وَآخِرُ مَا حَمَلَ حَمَلَ الْحِمَارَ، قَالَ: وَتَعَلَّقَ إِبْلِيسُ بِذَنَبِهِ، وَيَدَاهُ قَدْ دَخَلَتَا فِي السَّفِينَةِ، وَرِجْلَاهُ خَارِجَةٌ بَعْدُ فجعل الحمار يضطرب وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ، فَصَاحَ بِهِ نُوحٌ: ادْخُلْ وَيْلَكَ فَجَعَلَ يَضْطَرِبُ، فَقَالَ: ادْخُلْ وَيْلَكَ! وَإِنْ كَانَ مَعَكَ الشَّيْطَانُ، كَلِمَةٌ زَلَّتْ عَلَى لِسَانِهِ، فَدَخَلَ وَوَثَبَ الشَّيْطَانُ فَدَخَلَ. ثُمَّ إِنَّ نُوحًا رَآهُ يُغَنِّي فِي السَّفِينَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا لَعِينُ مَا أَدْخَلَكَ بَيْتِي؟! قَالَ: أَنْتَ أَذِنْتَ لِي، فَذَكَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: قُمْ فأخرج. قال: مالك بُدٌّ فِي أَنْ تَحْمِلَنِي مَعَكَ، فَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ فِي ظَهْرِ الْفُلْكِ. وَكَانَ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَرَزَتَانِ مُضِيئَتَانِ، وَاحِدَةٌ مَكَانَ الشَّمْسِ، وَالْأُخْرَى مَكَانَ الْقَمَرِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: إِحْدَاهُمَا بَيْضَاءُ كَبَيَاضِ النَّهَارِ، وَالْأُخْرَى سَوْدَاءُ كَسَوَادِ اللَّيْلِ، فَكَانَ يَعْرِفُ بِهِمَا مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا أَمْسَوْا غَلَبَ سَوَادُ هَذِهِ بَيَاضِ هَذِهِ، وَإِذَا أَصْبَحُوا غَلَبَ بَيَاضُ هَذِهِ سَوَادِ هَذِهِ، عَلَى قَدْرِ السَّاعَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ﴾ الْمَوْجُ جَمْعُ مَوْجَةٍ، وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الرِّيحِ. وَالْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ خَفْضِ نَعْتٍ لِلْمَوْجِ. وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمَاءَ جَاوَزَ كل شي بِخَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا.
(وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ) قِيلَ: كَانَ كَافِرًا وَاسْمُهُ كَنْعَانُ. وَقِيلَ: يَامٌ. وَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: "وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ" بِحَذْفِ الْوَاوِ مِنَ "ابْنَهُ" فِي اللَّفْظِ، وَأَنْشَدَ [البيت للشماخ، والشاهد في (كأنه) حذف الواو ضرورة. وتمامه: إذا طلب الوسيقة أو زمير يصف حمار وحش هائجا يطلب وسيقته، وهى أنثاه التي يضمها ويجمعها، من وسقت الشيء أي جمعته. (شواهد سيبويه).] :
لَهُ زَجَلٌ كَأَنَّهُ صَوْتُ حَادٍ
فَأَمَّا" وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ [كذا في الشواذ، ويدل عليه ما يأتي عن أبى حاتم، وأما رسم ابنه بالواو فليس بشاذ.] وَكانَ "فَقِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَزَعَمَ أَبُو حَاتِمٍ أَنَّهَا تَجُوزُ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ" ابْنَهَا "فَحَذَفَ الْأَلِفَ كَمَا تَقُولُ:" ابْنَهُ"، فَتَحْذِفُ الْوَاوَ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الذي قال أَبُو حَاتِمٍ لَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، لِأَنَّ الْأَلِفَ خَفِيفَةٌ فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهَا، وَالْوَاوَ ثَقِيلَةٌ يَجُوزُ حَذْفُهَا.
(وَكانَ فِي مَعْزِلٍ) أَيْ مِنْ دِينِ أَبِيهِ. وَقِيلَ: عَنِ السَّفِينَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ نُوحًا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ابْنَهُ كَانَ كافرا، وأنه ظَنَّ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ: (وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ) وَسَيَأْتِي. وَكَانَ هَذَا النِّدَاءُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَيْقِنَ الْقَوْمُ الْغَرَقَ، وَقَبْلَ رُؤْيَةِ الْيَأْسِ، بَلْ كَانَ فِي أَوَّلِ مَا فَارَ التَّنُّورُ، وَظَهَرَتِ الْعَلَامَةُ لِنُوحٍ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ: "يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا. وَأَصْلُ "يَا بُنَيَّ" أَنْ تَكُونَ بِثَلَاثِ يَاءَاتٍ، يَاءُ التَّصْغِيرِ، وَيَاءُ الْفِعْلِ، وَيَاءُ الْإِضَافَةِ، فَأُدْغِمَتْ يَاءُ التَّصْغِيرِ فِي لَامِ الْفِعْلِ، وَكُسِرَتْ لَامُ الْفِعْلِ مِنْ أَجْلِ يَاءِ الْإِضَافَةِ، وَحُذِفَتْ يَاءُ الْإِضَافَةِ لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَ التَّنْوِينِ، أَوْ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الرَّاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، هَذَا أَصْلُ قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ الْيَاءَ، وَهُوَ أَيْضًا أَصْلُ قِرَاءَةِ مَنْ فَتَحَ، لِأَنَّهُ قَلَبَ يَاءَ الْإِضَافَةِ أَلِفًا لِخِفَّةِ الْأَلِفِ، ثُمَّ حَذَفَ الْأَلِفَ لِكَوْنِهَا عِوَضًا مِنْ حَرْفٍ يُحْذَفُ، أَوْ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الرَّاءِ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَمَّا قِرَاءَةُ عَاصِمٍ فَمُشْكِلَةٌ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُرِيدُ يَا بُنَيَّاهُ ثُمَّ يُحْذَفُ، قَالَ النَّحَّاسُ: رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْأَلِفَ خَفِيفَةٌ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ جَوَّزَ الْكَلَامَ فِي هَذَا إِلَّا أَبَا إِسْحَاقَ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْفَتْحَ مِنْ جِهَتَيْنِ، وَالْكَسْرَ مِنْ جِهَتَيْنِ، فَالْفَتْحُ عَلَى أَنَّهُ يُبْدَلُ مِنَ الْيَاءِ أَلِفًا، قال الله عز وجل إخبارا: ﴿يا وَيْلَتى ﴾ [راجع ص ٦٩ من هذا الجزء.] [هود: ٧٢] وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَيَا عَجَبًا مِنْ رَحْلِهَا المتحمل
فيريد يا بنيا، ثم تحذف الْأَلِفَ، لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، كَمَا تَقُولُ: جَاءَنِي عَبْدَا اللَّهِ فِي التَّثْنِيَةِ. وَالْجِهَةُ الْأُخْرَى أَنْ تَحْذِفَ الْأَلِفَ، لِأَنَّ النِّدَاءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ. وَالْكَسْرُ عَلَى أَنْ تُحْذَفَ الْيَاءُ لِلنِّدَاءِ. وَالْجِهَةُ الْأُخْرَى عَلَى أَنْ تَحْذِفَهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ سَآوِي﴾ أَيْ أَرْجِعُ وَأَنْضَمُّ.
(إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي) أَيْ يَمْنَعُنِي (مِنَ الْماءِ) فَلَا أَغْرَقُ.
(قالَ لَا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أَيْ لَا مَانِعَ، فَإِنَّهُ يَوْمٌ حَقَّ فِيهِ الْعَذَابُ عَلَى الْكُفَّارِ. وَانْتَصَبَ "عاصِمَ" عَلَى التَّبْرِئَةِ وَيَجُوزُ "لَا عاصِمَ الْيَوْمَ" تَكُونُ لَا بِمَعْنَى لَيْسَ.
(إِلَّا مَنْ رَحِمَ) فِي مَوْضِعِ نَصْبِ اسْتِثْنَاءً لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، أَيْ لَكِنْ مَنْ رَحِمَهُ الله فهو يعصمه، قال الزَّجَّاجُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلَى أَنَّ عَاصِمًا بِمَعْنَى مَعْصُومٍ، مِثْلُ: ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ [راجع ج ٢٠ ص ٤.] [الطارق: ٦] أَيْ مَدْفُوقٌ، فَالِاسْتِثْنَاءُ. عَلَى هَذَا مُتَّصِلٌ، قَالَ الشاعر: بَطِيءُ الْقِيَامِ رَخِيمُ الْكَلَا ... مِ أَمْسَى فُؤَادِي به فاتنا
أي مفتونا. وقال آخر [البيت للحطيئة يهجو الزبرقان.] :
دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَنْهَضْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي
أَيِ الْمَطْعُومُ الْمَكْسُوُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ "مِنَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، بِمَعْنَى لَا يَعْصِمُ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا الرَّاحِمُ، أَيْ إِلَّا اللَّهُ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ. وَيُحَسِّنُ هَذَا أَنَّكَ لَمْ تَجْعَلْ عَاصِمًا بِمَعْنَى مَعْصُومٍ فتخرجه من بابه، ولا "إنه" بِمَعْنَى "لَكِنْ".
(وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ) يَعْنِي بَيْنَ نُوحٍ وَابْنِهِ.
(فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ رَاكِبًا عَلَى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ بِنَفْسِهِ، وَأُعْجِبَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَى الْمَاءَ جَاءَ قَالَ: يَا أَبَتِ فَارَ التَّنُّورُ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: "يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا" فَمَا اسْتَتَمَّ الْمُرَاجَعَةَ حَتَّى جَاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ فَالْتَقَمَتْهُ هُوَ وَفَرَسُهُ، وَحِيَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ فَغَرِقَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ بَيْتًا مِنْ زُجَاجٍ يَتَحَصَّنُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، فَلَمَّا فَارَ التَّنُّورُ دَخَلَ فِيهِ وَأَقْفَلَهُ [في ع: أغلقه.] عَلَيْهِ مِنْ دَاخِلٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَغَوَّطُ فِيهِ وَيَبُولُ حَتَّى غَرِقَ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْجَبَلَ الَّذِي أَوَى إِلَيْهِ "طُورِ سَيْناءَ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ هَذَا مَجَازٌ لِأَنَّهَا مَوَاتٌ. وَقِيلَ: جُعِلَ فِيهَا مَا تُمَيِّزُ بِهِ. وَالَّذِي قَالَ إِنَّهُ مَجَازٌ قَالَ: لَوْ فُتِّشَ كَلَامُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ مَا وُجِدَ فِيهِ مِثْلَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى حُسْنِ نَظْمِهَا، وَبَلَاغَةِ رَصْفِهَا، وَاشْتِمَالِ الْمَعَانِي فِيهَا. وَفِي الْأَثَرِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يخلي الأرض من مطر عام أَوْ عَامَيْنِ، وَأَنَّهُ مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ قَطُّ إِلَّا بِحِفْظِ مَلَكٍ مُوَكَّلٍ بِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَاءِ الطُّوفَانِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ مَا لَا يَحْفَظُهُ الْمَلَكُ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ [راجع ج ١٨ ص ٢٦٢.] [الحاقة: ١١] فَجَرَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ إِلَى أَنْ تَنَاهَى الْأَمْرُ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَاءَ الْمُنْهَمِرَ مِنَ السَّمَاءِ بِالْإِمْسَاكِ، وَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ بِالِابْتِلَاعِ. وَيُقَالُ: بَلَعَ الْمَاءَ يَبْلَعُهُ مِثْلُ مَنَعَ يَمْنَعُ وَبَلِعَ يَبْلَعُ مِثْلُ حَمِدَ وَيَحْمَدُ، لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ. وَالْبَالُوعَةُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَشْرَبُ الْمَاءَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْتَقَى الْمَاءَانِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَمَرَ اللَّهُ مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ بِالْإِقْلَاعِ، فَلَمْ تَمْتَصَّ الْأَرْضُ مِنْهُ قَطْرَةً، وَأَمَرَ الْأَرْضَ بِابْتِلَاعٍ مَا خَرَجَ مِنْهَا فَقَطْ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ﴾ وَقِيلَ: مَيَّزَ اللَّهُ بَيْنَ الْمَاءَيْنِ، فَمَا كَانَ مِنْ مَاءِ الْأَرْضِ أَمَرَهَا فَبَلَعَتْهُ [في ع: فابتلعته.] ، وَصَارَ مَاءُ السَّمَاءِ بِحَارًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾ أَيْ نَقَصَ [في المصباح: غاض: نضب أي ذهب في الأرض.] ، يُقَالُ: غَاضَ الشَّيْءُ وَغِضْتُهُ أَنَا، كَمَا يُقَالُ: نَقَصَ بِنَفْسِهِ وَنَقَصَهُ غَيْرُهُ، وَيَجُوزُ "غِيضَ" بِضَمِّ الْغَيْنِ [أي بإشمام الكسرة الضم.] .
(وَقُضِيَ الْأَمْرُ) أَيْ أُحْكِمَ وَفُرِغَ مِنْهُ، يَعْنِي أُهْلِكَ قَوْمُ نُوحٍ عَلَى تَمَامٍ وَإِحْكَامٍ. وَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْقَمَ أَرْحَامَهُمْ أَيْ أَرْحَامَ نِسَائِهِمْ قَبْلَ الْغَرَقِ بِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ فِيمَنْ هَلَكَ صَغِيرٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَهْلَكَ الْوِلْدَانَ بِالطُّوفَانِ، كَمَا هَلَكَتِ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ. وَلَمْ يَكُنِ الْغَرَقُ عُقُوبَةً لِلصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ، بَلْ مَاتُوا بِآجَالِهِمْ. وَحُكِيَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ الْمَاءُ فِي السِّكَكِ خَشِيَتْ أُمُّ صَبِيٍّ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَخَرَجَتْ بِهِ إِلَى الْجَبَلِ، حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَهُ، فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ خَرَجَتْ حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ اسْتَوَتْ عَلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءُ رَقَبَتَهَا رَفَعَتْ يَدَيْهَا بِابْنِهَا حَتَّى ذَهَبَ بِهَا الْمَاءُ، فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ هَلَاكًا لَهُمْ. الْجُودِيُّ جَبَلٌ بِقُرْبِ الْمَوْصِلِ، اسْتَوَتْ عَلَيْهِ فِي الْعَاشِرِ مِنَ الْمُحَرَّمِ يَوْمَ عاشوراء، فصام نُوحٌ وَأَمَرَ جَمِيعَ مَنْ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ وَالْوَحْشِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرَهَا فَصَامُوهُ، شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ. وَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى الْجِبَالِ أَنَّ السَّفِينَةَ تُرْسَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا فَتَطَاوَلَتْ، وَبَقِيَ الْجُودِيُّ لَمْ يَتَطَاوَلْ تَوَاضُعًا لِلَّهِ، فَاسْتَوَتِ السَّفِينَةُ عَلَيْهِ: وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ أَعْوَادُهَا. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لقد بقي منها شي أَدْرَكَهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَشَامَخَتِ الجبال وتطاولت لئلا ينالها الْغَرَقُ، فَعَلَا الْمَاءُ فَوْقَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَتَطَامَنَ الْجُودِيُّ، وَتَوَاضَعَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَغْرَقْ، وَرَسَتِ السَّفِينَةُ عَلَيْهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْجُودِيَّ اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ [نسبه اللسان لأمية بن أبى الصلت وفى (معجم الياقوت): هو لزيد بن عمرو، وقيل: لورقة بن نوفل. وفى ع: الجمد، كخدم جمع خادم، ولعله الأشبه.] :
سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا يَعُودُ لَهُ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجَمَدُ
وَيُقَالُ: إِنَّ الْجُودِيَّ مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ، فَلِهَذَا اسْتَوَتْ عَلَيْهِ. وَيُقَالُ: أَكْرَمَ اللَّهُ ثَلَاثَةَ جِبَالٍ بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ: الْجُودِيَّ بِنُوحٍ، وَطُورَ سَيْنَاءَ بِمُوسَى، وَحِرَاءَ بِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. مَسْأَلَةٌ: لَمَّا تَوَاضَعَ الْجُودِيُّ وَخَضَعَ عَزَّ، وَلَمَّا ارْتَفَعَ غَيْرُهُ وَاسْتَعْلَى ذَلَّ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، يَرْفَعُ مَنْ تَخَشَّعَ، وَيَضَعُ مَنْ تَرَفَّعَ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
وَإِذَا تَذَلَّلَتِ الرِّقَابُ تَخَشُّعًا ... مِنَّا إِلَيْكَ فَعِزُّهَا فِي ذُلِّهَا
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتْ نَاقَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: سُبِقَتِ الْعَضْبَاءُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَلَّا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ". وَخَرَّجَ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ". وَقَالَ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ. مَسْأَلَةٌ: نَذْكُرُ فِيهَا مِنْ قِصَّةِ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ وَبَعْضَ ذِكْرِ السَّفِينَةِ. ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي التَّارِيخِ لَهُ عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى [أَهْلِ [من ع] ] الْأَرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [راجع ج ١٣ ص ٣٣٢.] [النكبوت: ١٤] وَكَانَ قَدْ كَثُرَتْ فِيهِمُ الْمَعَاصِي، وَكَثُرَتِ الْجَبَابِرَةُ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا، وَكَانَ نُوحٌ يَدْعُوهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَكَانَ صَبُورًا حَلِيمًا، وَلَمْ يَلْقَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدَّ مِمَّا لَقِيَ نوح، فكانوا يدخلون عليه فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُتْرَكَ وَقِيذًا، وَيَضْرِبُونَهُ فِي الْمَجَالِسِ وَيُطْرَدُ، وَكَانَ لَا يَدْعُو عَلَى مَنْ يَصْنَعُ به بل يدعوهم ويقول: "رب اغفر قومي انهم لَا يَعْلَمُونَ" فَكَانَ لَا يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُكَلِّمُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ فَيَلُفُّ رَأْسَهُ بِثَوْبِهِ، وَيَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ لِكَيْلَا يَسْمَعَ شَيْئًا مِنْ كَلَامِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ [راجع ج ١٨ ص ٣٠٠.] [نوح: ٧]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كَانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: "رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ نُوحًا كَانَ يُضْرَبُ ثُمَّ يُلَفُّ فِي لِبَدٍ فَيُلْقَى فِي بَيْتِهِ يَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَدْعُوهُمْ، حَتَّى إِذَا يئس من إيمان قومه جاءه رجل معه ابْنُهُ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ انْظُرْ هَذَا الشَّيْخَ لَا يَغُرَّنَّكَ، قَالَ: يَا أَبَتِ أَمْكِنِّي مِنَ الْعَصَا، [فَأَمْكَنَهُ [من ع.] ] فَأَخَذَ الْعَصَا ثُمَّ قَالَ: ضَعْنِي فِي الْأَرْضِ فَوَضَعَهُ، فَمَشَى إِلَيْهِ بِالْعَصَا فَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ شَجَّةً مُوضِحَةً فِي رَأْسِهِ، وَسَالَتِ الدِّمَاءُ، فَقَالَ نُوحٌ: "رَبِّ قَدْ تَرَى مَا يَفْعَلُ بِي عِبَادُكَ فَإِنْ يَكُ لَكَ فِي عِبَادِكَ خَيْرِيَّةٌ فَاهْدِهِمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرُ ذَلِكَ فَصَبِّرْنِي إِلَى أَنْ تَحْكُمَ وَأَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ وَآيَسَهُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَلَا فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ مُؤْمِنٌ، قَالَ: "وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ"، أَيْ لَا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ. "وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا" قَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ الْخَشَبُ؟ قَالَ: اغْرِسِ الشَّجَرَ. قَالَ: فَغَرَسَ السَّاجَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَفَّ عَنِ الدُّعَاءِ، وَكَفُّوا عَنِ الِاسْتِهْزَاءِ. وَكَانُوا يَسْخَرُونَ مِنْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَ الشَّجَرَ أَمَرَهُ رَبُّهُ فَقَطَعَهَا وَجَفَّفَهَا: فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَتَّخِذُ هَذَا الْبَيْتَ؟ قَالَ: اجْعَلْهُ عَلَى ثَلَاثَةِ صُوَرٍ، رَأْسُهُ كَرَأْسِ الدِّيكِ، وَجُؤْجُؤُهُ كَجُؤْجُؤِ الطَّيْرِ، وَذَنَبُهُ كَذَنَبِ الدِّيكِ، وَاجْعَلْهَا مُطْبَقَةً وَاجْعَلْ لَهَا أَبْوَابًا فِي جَنْبِهَا، وَشُدَّهَا بِدُسُرٍ، يَعْنِي مَسَامِيرَ الْحَدِيدِ. وَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ السَّفِينَةِ، وَجَعَلَتْ يَدُهُ لَا تُخْطِئُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ دَارُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ دِمَشْقَ، وَأَنْشَأَ سَفِينَتَهُ مِنْ خَشَبِ لُبْنَانَ بَيْنَ زَمْزَمٍ وَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، فَلَمَّا كَمُلَتْ حَمَلَ فِيهَا السِّبَاعَ وَالدَّوَابَّ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، وَجَعَلَ الْوَحْشَ وَالطَّيْرَ فِي الْبَابِ الثَّانِي، وأطبق عليهما وَجَعَلَ أَوْلَادَ آدَمَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَأَرْبَعِينَ امْرَأَةً فِي الْبَابِ الْأَعْلَى وَأَطْبَقَ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ الذَّرَّ مَعَهُ فِي الْبَابِ الْأَعْلَى لِضَعْفِهَا أَلَّا تَطَأَهَا الدَّوَابُّ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ رِيحًا فَحُمِلَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، مِنَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ وَالْوَحْشِ وَالْبَهَائِمِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَحَشَرَهُمْ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ عَلَى الزَّوْجَيْنِ فَتَقَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى عَلَى الذَّكَرِ وَالْيُسْرَى عَلَى الْأُنْثَى، فَيُدْخِلُهُ السَّفِينَةَ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: اسْتُصْعِبَتْ عَلَى نُوحٍ الْمَاعِزَةُ أَنْ تَدْخُلَ السَّفِينَةَ، فَدَفَعَهَا بِيَدِهِ فِي ذَنَبِهَا، فَمِنْ ثَمَّ انْكَسَرَ ذَنَبُهَا فَصَارَ مَعْقُوفًا وَبَدَا حَيَاؤُهَا. وَمَضَتِ النَّعْجَةُ حَتَّى دَخَلَتْ فَمَسَحَ عَلَى ذَنَبِهَا فَسُتِرَ حَيَاؤُهَا، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ نُوحًا حَمَلَ أَهْلَ السَّفِينَةِ، وَجَعَلَ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وَحَمَلَ مِنَ الْهُدْهُدِ زَوْجَيْنِ، فَمَاتَتِ الْهُدْهُدَةُ فِي السَّفِينَةِ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ الْأَرْضُ. فَحَمَلَهَا الْهُدْهُدُ فَطَافَ بِهَا الدُّنْيَا لِيُصِيبَ لَهَا مَكَانًا، فَلَمْ يَجِدْ طِينًا وَلَا تُرَابًا، فَرَحِمَهُ رَبُّهُ فَحَفَرَ لَهَا فِي قَفَاهُ قَبْرًا فَدَفَنَهَا فِيهِ، فَذَلِكَ الرِّيشُ النَّاتِئُ فِي قَفَا الْهُدْهُدِ مَوْضِعُ الْقَبْرِ، فَلِذَلِكَ نَتَأَتْ أَقْفِيَةُ الْهَدَاهِدِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كان حَمْلُ نُوحٍ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ مِنْ جَمِيعِ الشَّجَرِ وَكَانَتِ الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ". وَذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ "الْعَرُوسِ" وَغَيْرُهُ: أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِ الْأَرْضِ قَالَ الدَّجَاجُ: أَنَا، فَأَخَذَهَا وَخَتَمَ عَلَى جَنَاحِهَا وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ مَخْتُومَةٌ بِخَاتَمِي لَا تَطِيرِي أَبَدًا، أَنْتِ يَنْتَفِعُ بِكِ أُمَّتِي، فَبَعَثَ الْغُرَابَ فَأَصَابَ جِيفَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَاحْتَبَسَ فَلَعَنَهُ، وَلِذَلِكَ يُقْتَلُ فِي [الْحِلِّ [من و.] ] وَالْحَرَمِ وَدَعَا عَلَيْهِ بِالْخَوْفِ، فَلِذَلِكَ لَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ. وَبَعَثَ الْحَمَامَةَ فَلَمْ تَجِدْ قَرَارًا فَوَقَعَتْ عَلَى شَجَرَةٍ بِأَرْضِ سَيْنَاءَ [كذا في و، وفى ع وا وج: سبإ.] فَحَمَلَتْ وَرَقَةَ زَيْتُونَةٍ، وَرَجَعَتْ إِلَى نُوحٍ فَعَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَسْتَمْكِنْ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ بَعَثَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَطَارَتْ حَتَّى وَقَعَتْ بِوَادِي الْحَرَمِ، فَإِذَا الْمَاءُ قَدْ نَضَبَ مِنْ مَوَاضِعِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ طِينَتُهَا حَمْرَاءَ، فَاخْتَضَبَتْ رِجْلَاهَا، ثُمَّ جَاءَتْ إِلَى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَتْ: بُشْرَايَ مِنْكَ أَنْ تَهَبَ لِيَ الطَّوْقَ فِي عُنُقِي، وَالْخِضَابِ فِي رِجْلِي، وَأَسْكُنُ الْحَرَمَ، فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى عُنُقِهَا وَطَوَّقَهَا، وَوَهَبَ لَهَا الْحُمْرَةُ فِي رِجْلَيْهَا، وَدَعَا لَهَا ولذريتها بالبركة. وذكر الثعلبي أنه بعث بَعْدَ الْغُرَابِ التُّدْرُجَ [التدرج كحبرج: طائر يغرد في البساتين بأصوات طيبه، وموطنه بلاد فارس. (حياة الحيوان)] وَكَانَ مِنْ جِنْسِ الدَّجَاجِ، وَقَالَ: إِيَّاكَ أَنْ تَعْتَذِرَ، فَأَصَابَ الْخُضْرَةَ وَالْفُرْجَةَ فَلَمْ يَرْجِعْ، وَأَخَذَ أَوْلَادَهُ عِنْدَهُ رَهْنًا إِلَى يوم القيامة.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 41 إلى 43 معاً في نص واحد.
﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ أَيْ: وَقَالَ لَهُمْ نُوحٌ ارْكَبُوا فِيهَا أَيْ فِي السَّفِينَةِ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: "مَجْرِيهَا" بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: جَرْيُهَا "وَمُرْسَاهَا" [بِضَمِّهَا] [ساقط من "أ".] ، وَقَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَيْصِنٍ "مَجْرِيهَا وَمَرْسَاهَا بِفَتْحِ الْمِيمَيْنِ مِنْ جَرَتْ وَرَسَتْ، أَيْ" [بِسْمِ اللَّهِ] [ساقط من" "ب".] جَرْيُهَا وَرُسُوُّهَا، وَهُمَا مَصْدَرَانِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: "مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا" بِضَمِّ الْمِيمَيْنِ مِنْ أُجْرِيَتْ وَأُرْسِيَتْ، أَيْ: بِسْمِ اللَّهِ إِجْرَاؤُهَا وَإِرْسَاؤُهَا [وَهُمَا أَيْضًا مَصْدَرَانِ] [ساقط من "أ". وانظر في هذ القراءات وتوجيهها: الطبري ١٥ / ٣٢٧-٣٣٠.] ، كَقَوْلِهِ: " أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا " [المؤمنون: ٢٩] وَ" أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ " (الْإِسْرَاءِ ٨٠) وَالْمُرَادُ مِنْهَا: الْإِنْزَالُ وَالْإِدْخَالُ وَالْإِخْرَاجُ.
﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: كَانَ نُوحٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ تَجْرِيَ السَّفِينَةُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَجَرَتْ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ تَرْسُوَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَرَسَتْ.
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ وَالْمَوْجُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْمَاءِ إِذَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الرِّيحُ، شَبَّهَهُ بِالْجِبَالِ فِي عِظَمِهِ وَارْتِفَاعِهِ عَلَى الْمَاءِ.
﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كَنْعَانَ، وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: سَامٌ، وَكَانَ كَافِرًا، ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ عَنْهُ لَمْ يَرْكَبْ فِي السَّفِينَةِ: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ] [ساقط من" "أ".] بِإِظْهَارِ الْبَاءِ، وَالْآخَرُونَ يُدْغِمُونَهَا فِي الْمِيمِ، ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ فَتَهْلَكَ.
﴿قَالَ﴾ لَهُ ابْنُهُ ﴿سَآوِي﴾ سَأَصِيرُ وَأَلْتَجِئُ، ﴿إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ يَمْنَعُنِي مِنَ الْغَرَقِ، ﴿قَالَ﴾ لَهُ نُوحٌ ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ قِيلَ: "مَنْ" فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ، أَيْ لَا مَانِعَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَّا اللَّهُ الرَّاحِمُ. وَقِيلَ: "مَنْ" فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْنَاهُ لَا مَعْصُومَ إِلَّا مَنْ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَقَوْلِهِ: " فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ " [الحاقة: ٢١] أَيْ: مَرْضِيَّةٍ، ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ﴾ فَصَارَ، ﴿مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾
وَرُوِيَ أَنَّ الْمَاءَ علا على رؤوس الْجِبَالِ قَدْرَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا. [وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا] [ساقط من" "ب".] .
وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ الْمَاءُ فِي السِّكَكِ خَشِيَتْ أَمٌ لِصَبِيٍّ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَخَرَجَتْ إِلَى الْجَبَلِ حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَهُ، فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ ارْتَفَعَتْ حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَهَا ذَهَبَتْ حَتَّى اسْتَوَتْ عَلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءُ رَقَبَتَهَا رَفَعَتِ الصَّبِيَّ بِيَدَيْهَا حَتَّى ذَهَبَ بِهَا الْمَاءُ، فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَحَدًا لِرَحِمِ أُمَّ الصَّبِيِّ [أخرجه الحاكم: ٢ / ٣٤٢ وصححه وقال الذهبي إسناده مظلم، وموسى ليس بذاك. وقد ذكر في القصة أن الله تعالى أيبس أصلاب الآباء وأعقم أرحام النساء قبل العذاب بأربعين سنة، وقيل: بسبعين سنة، ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب، لقوله تعالى "وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم"، فلم يوجد التكذيب من الأطفال، فحكاية أم الصبي عجيبة. ويمكن أن يقال: يجوز أن سن بلوغهم فوق السبعين لطول أعمارهم فكان فيهم الصبيان فعمهم العذاب. وقد يقال إن في ذلك روايتين: الأولى أنه أيبس أصلاب آبائهم وأعقم أرحام نسائهم قبل العذاب بأربعين سنة أو سبعين، ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب. وفي رواية لم يكن ذلك الإيباس والإعقام، فيوجد فيهم الصبيان وقت العذاب تبعا لآبائهم المكذبين في عذاب الدنيا، أما في عذاب الآخرة ففيه مذهبان وقولان. فعند البعض هم في الآخرة مع آبائهم المكذبين، وعند البعض هم في الجنة، وهو الأصح والأقوى. انتهى ملتقطا من حاشية "أ" بشيء من التصرف.] .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم حكى - سبحانه - ما قاله نوح للمؤمنين عند ركوبهم السفينة فقال : ( وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .ومجريها ومرساها ، قرأهما الجمهور بضم الميمين فيهما ، وهما مصدران من جرى وأرسى . والباء فى ( بِسْمِ الله ) للملابسة ، والآية الكريمة معطوفة على جملة ، قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين .أى : قلنا له ذلك فامتثل أمرنا ، وقال لمن معه من المؤمين : سلموا أمركم لمشيئة الله - تعالى - وقولوا عند ركوب السفينة : باسم الله جريها فى هذا الطوفان العظيم ، وباسم الله إرساءها فى المكن الذى يريد الله - تعالى - إرساءها فيه .قال الشيخ الفاضل ابن عاشور : وعدى فعل ( اركبوا ) بفى ، جريا على الأسلوب الفصيح ، فإنه يقال : ركب الدابة إذا علاها . وأما ركوب الفلك فيعدى بفى ، لأن إطلاق الركوب عليه مجاز ، وإنما هو جلوس واستقرار ، فلا يقال : ركب السفينة؛ فأرادوا التفرقة بين الركوب الحقيقي والركوب المشابه له ، وهى تفرقة حسنة .وجملة ( إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تعليل للأمر بالركوب المصاحب لذكر الله - تعالى - :أى : إن ربى لعظيم المغفرة ولعظيم الآية ما ملخصه : يقول الله - تعالى - إخبارا عن نوح أنه قال للذين أمر بحملهم معه فى السفينة ( اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا . . )وقال - سبحانه - فى موضع آخر : ( فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك فَقُلِ الحمد للَّهِ الذي نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين . وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين ) ولهذا تستحب التسمية فى ابتداء الأمور : عند الركوب فى السفينة وعلى الدابة .فقد روى الطبرانى عن ابن عباس عن النبى - ﷺ - قال : " أمان أمتى من الغرق إذا ركبوا فى السفن أن يقولوا : بسم الله الملك . . بسم الله مجريها ومرساهها ، إن ربى لغفور رحيم " .