مقارنة التفاسير
هود · الآية 99
فِي هَٰذِهِۦ ﴿٩٩﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
هود · الآية 99
فِي هَٰذِهِۦ ﴿٩٩﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
وأتبعهم الله في هذه الدنيا مع العذاب الذي عجَّله لهم فيها من الغرق في البحر لعنةً، ويوم القيامة كذلك لعنة أخرى بإدخالهم النار، وبئس ما اجتمع لهم وترادَف عليهم من عذاب الله، ولعنة الدنيا والآخرة.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ ْ﴾ أي: في الدنيا ﴿لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ْ﴾ أي: يلعنهم الله وملائكته, والناس أجمعون في الدنيا والآخرة. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ْ﴾ أي: بئس ما اجتمع لهم، وترادف عليهم, من عذاب الله، ولعنة الدنيا والآخرة.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 96 إلى 99 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 96.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِرْسَالِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِآيَاتِهِ وَبَيِّنَاتِهِ، وَحُجَجِهِ وَدَلَائِلِهِ الْبَاهِرَةِ الْقَاطِعَةِ إِلَى فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَهُوَ مَلِكُ دِيَارِ مِصْرَ عَلَى أُمَّةِ الْقِبْطِ، ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أَيْ: مَسْلَكَهُ وَمَنْهَجَهُ وَطَرِيقَتَهُ فِي الْغَيِّ وَالضَّلَالِ، ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ فِيهِ رُشْدٌ وَلَا هُدًى، وَإِنَّمَا هُوَ جَهْلٌ وَضَلَالٌ، وَكُفْرٌ وَعِنَادٌ، وَكَمَا أَنَّهُمُ اتَّبَعُوهُ فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ مُقَدمهم وَرَئِيسَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ يُقدمهم يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، فَأَوْرَدَهُمْ إِيَّاهَا، وَشَرِبُوا مِنْ حِيَاضِ [في ت: "خاص".] رَدَاها، وَلَهُ فِي ذَلِكَ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ، مِنَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ:١٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النَّازِعَاتِ:٢١ -٢٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْمَتْبُوعِينَ يَكُونُونَ مُوفرين فِي الْعَذَابِ يَوْمَ الْمَعَادِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ [قَالَ] لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] ، [زيادة من ت، أ.] وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الكَفَرة إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي النَّارِ: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٦٧، ٦٨] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَهْمِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "امْرُؤُ الْقَيْسِ حَامِلُ لِوَاءِ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى النَّارِ" [المسند (٢/٢٢٨) .] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أَيْ: أَتْبَعْنَاهُمْ زِيَادَةً عَلَى مَا جَازَيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ لَعْنَةً فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ .
قَالَ مُجَاهِدٌ: زِيدُوا لَعْنَةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَتِلْكَ لَعْنَتَانِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قَالَ: لَعْنَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وكذا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ [في ت، أ: "وهذا كقوله".] تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [الْقَصَصِ:٤١، ٤٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غَافِرٍ:٤٦] .
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: وأتبعهم الله في هذه = يعني في هذه الدنيا = مع العذاب الذي عجله لهم فيها من الغرق في البحر، لعنتَه [انظر تفسير " اللعنة " فيما سلف ١٢: ٤٤٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.] = (ويوم القيامة) ، يقول: وفي يوم القيامة أيضًا يلعنون لعنةً أخرى، كما:-
١٨٥٣٦- حدثنا بن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسه عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة﴾ ، قال: لعنةً أخرى.
١٨٥٣٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة﴾ ، قال: زِيدوا بلعنته لعنةً أخرى، فتلك لعنتان.
١٨٥٣٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾ ، اللعنةُ في إثر اللعنة.
١٨٥٣٩-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة﴾ ، قال: زيدوا لعنة أخرى، فتلك لعنتان.
١٨٥٤٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿في هذه﴾ ، قال: في الدنيا = ﴿ويوم القيامة﴾ ، أردفوا بلعنة أخرى، زيدوها، فتلك لعنتان.
* *
وقوله: ﴿بئس الرفد المرفود﴾ ، يقول: بئس العَوْن المُعان، اللعنةُ المزيدة فيها أخرى مثلها. [في المخطوطة والمطبوعة: " أخرى منها "، وكأن الصواب ما أثبت.]
* *
وأصل "الرفد"، العون، يقال منه: "رفَد فلانٌ فلانًا عند الأمير يَرفِده رِفْدًا " بكسر الراء = وإذا فتحت، فهو السَّقي في القدح العظيم، و"الرَّفد": القدحُ الضخم، ومنه قول الأعشى:
رُبَّ رَفْدٍ هَرَقْتَهُ ذَلِكَ الْيَوْ ... مَ وَأسْرَى مِنْ مَعْشَرٍ أَقْتَالِ [ديوانه: ١٣، من قصيدة طويلة من جياد شعره، يمدح فيها الأسود بن المنذر اللخمي أخا النعمان بن المنذر، الملك. وكان الأسود غزا الحليفين أسدًا وذبيان، ثم أغار على الطف، فأصاب نعمًا وأسرى وسبيًا من سعد بن ضبيعة (رهط الأعشى) ، وكان الأعشى غائبًا، فلما قدم وجد الحي مباحًا، فأتاه فأنشده، وسأله أن يهب له الأسرى ويحملهم، ففعل. يقول: رب رجل كانت له إبل يحلبها في قدح له ولعياله، فاستقت الإبل، وذهب ما كان يحلبه الرفد، فكذلك هرقت ما حلب. " والأقتال " جمع " قتل " (بكسر فسكون) . و " القتل "، القرن من الأعداء، وهو أيضًا: المثل والنظير، وقال الأصمعي في شرح البيت وقد نقلت ما سلف من شرح ديوانه: " أقتال "، أشباه غير أعداء. وكان في المطبوعة والمخطوطة: " أقيال "، وهو هنا خطأ.]
ويقال: "رَفد فلان حائطه"، وذلك إذا أسنده بخشبة، لئلا يسقط. و"الرَّفد"، بفتح الراء المصدر. يقال منه: "رَفَده يَرفِده رَفْدًا"، و"الرِّفْد"، اسم الشيء الذي يعطاه الإنسان، وهو "المَرْفَد".
* *
وينحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٤١- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿بئس الرفد المرفود﴾ ، قال: لعنة الدنيا والآخرة.
١٨٥٤٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿بئس الرفد المرفود﴾ ، قال: لعنهم الله في الدنيا، وزيد لهم فيها اللعنة في الآخرة.
١٨٥٤٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾ ، قال: لعنة في الدنيا، وزيدوا فيها لعنةً في الآخرة.
١٨٥٤٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وأتبعوا في هذه لعنه ويوم القمامة بئس الرفد المرفود﴾ ، يقول: ترادفت عليهم اللعنتان من الله، لعنة في الدنيا، ولعنة في الآخرة.
١٨٥٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، قال: أصابتهم لعنتان في الدنيا، رفدت إحداهما الأخرى، وهو قوله: ﴿ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾ .
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 96 إلى 99 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 96.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ بَيَّنَ أَنَّهُ أَتْبَعَ النَّبِيَّ النَّبِيَّ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَإِزَاحَةِ كُلِّ عِلَّةٍ "بِآياتِنا" أَيْ بِالتَّوْرَاةِ. وَقِيلَ: بِالْمُعْجِزَاتِ.
(وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) أَيْ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، يَعْنِي الْعَصَا. وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [راجع ج ٤ ص ٢٣٣.] مَعْنَى السُّلْطَانِ وَاشْتِقَاقُهُ فَلَا مَعْنَى للإعادة.
(إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ) أَيْ شَأْنَهُ وَحَالَهُ، حَتَّى اتَّخَذُوهُ إِلَهًا، وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أَيْ بِسَدِيدٍ يُؤَدِّي إِلَى صَوَابٍ: وَقِيلَ: "بِرَشِيدٍ" أَيْ بِمُرْشِدٍ إِلَى خَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ يَتَقَدَّمُهُمْ إِلَى النَّارِ إِذْ هُوَ رَئِيسُهُمْ. يُقَالُ: قَدَمَهُمْ يَقْدُمُهُمْ قَدْمًا وَقُدُومًا إِذَا تَقَدَّمَهُمْ.
(فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) أَيْ أَدْخَلَهُمْ فِيهَا. ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَالْمَعْنَى فَيُورِدُهُمُ النَّارَ، وَمَا تَحَقَّقَ وُجُودُهُ فَكَأَنَّهُ كَائِنٌ، فَلِهَذَا يُعَبَّرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْمَاضِي.
(وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) أَيْ بِئْسَ الْمَدْخَلُ الْمَدْخُولُ، وَلَمْ يَقُلْ بِئْسَتْ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَرْجِعُ إِلَى الْمَوْرُودِ، وَهُوَ كَمَا تَقُولُ: نِعْمَ الْمَنْزِلُ دَارُكَ، وَنِعْمَتِ الْمَنْزِلُ دَارُكَ وَالْمَوْرُودُ الْمَاءُ الَّذِي يُورَدُ، والموضع الذي يورد، وهو بمعنى المفعول.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً﴾ أَيْ فِي الدُّنْيَا.
(وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) أَيْ وَلَعْنَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى.
(بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) حَكَى الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: رَفَدْتُهُ أَرْفِدُهُ رَفْدًا، أَيْ أَعَنْتُهُ وَأَعْطَيْتُهُ. وَاسْمُ الْعَطِيَّةِ الرِّفْدُ، أَيْ بِئْسَ الْعَطَاءُ وَالْإِعَانَةُ. وَالرِّفْدُ أَيْضًا الْقَدَحُ الضَّخْمُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَالتَّقْدِيرُ: بِئْسَ الرِّفْدُ رِفْدُ الْمَرْفُودِ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّ الرَّفْدَ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْقَدَحُ، وَالرِّفْدِ بِكَسْرِهَا مَا فِي الْقَدَحِ مِنَ الشَّرَابِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، فَكَأَنَّهُ ذَمَّ بِذَلِكَ مَا يَسْقُونَهُ فِي النَّارِ. وَقِيلَ: إِنَّ الرِّفْدَ الزِّيَادَةُ، أَيْ بِئْسَ مَا يَرْفِدُونَ بِهِ بعد الغرق النار، قاله الكلبي.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 95 إلى 105 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 95.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أَيْ: كَأَنْ لَمْ [يُقِيمُوا وَلَمْ يَكُونُوا] [في "ب": (يكونوا فيها) .] ﴿فِيهَا أَلَا بُعْدًا﴾ هَلَاكًا، ﴿لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ﴾ هَلَكَتْ ﴿ثَمُودُ﴾ .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ بِسَدِيدٍ.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ يَتَقَدَّمُهُمْ، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ﴾ فَأَدْخَلَهُمْ ﴿النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ أَيْ: بِئْسَ الْمَدْخَلُ والمدخول فِيهِ.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ﴾ أَيْ: فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، ﴿لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أَيِ: الْعَوْنُ الْمُعَانُ. وَقِيلَ: الْعَطَاءُ الْمُعْطَى، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَرَادَفَتْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَتَانِ، لَعْنَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَعْنَةٌ فِي الْآخِرَةِ.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ﴾ عَامِرٌ، ﴿وَحَصِيدٌ﴾ خَرَابٌ. وَقِيلَ: مِنْهَا قَائِمٌ بَقِيَتِ الْحِيطَانُ وَسَقَطَتِ السُّقُوفُ. وَحَصِيدٌ أَيِ: انْمَحَى أَثَرُهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قَائِمٌ يُرَى لَهُ أَثَرٌ وَحَصِيدٌ لَا يُرَى لَهُ أَثَرٌ، وَحَصِيدٌ بِمَعْنَى مَحْصُودٍ.
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بِالْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بِالْكَفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ عَذَابُ رَبِّكَ، ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أَيْ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وَقِيلَ: تَدْمِيرٌ.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ وَهَكَذَا، ﴿أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [أخرجه البخاري في تفسير سورة هود، باب "وكذلك أخذ ربك ... " ٨ / ٣٥٤، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (٢٥٨٣) : ٤ / ١٩٩٧-١٩٩٨. والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٥٨.] الْآيَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ لِعِبْرَةً، ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أَيْ: يَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾ أَيْ: وَمَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَا نُقِيمُ عَلَيْكُمُ الْقِيَامَةَ [وَقَرَأَ يَعْقُوبُ، وَمَا يُؤَخِّرُهُ بِالْيَاءِ] [ساقط من "ب".] ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [مَعْلُومٍ] [ساقط من "ب".] عِنْدَ اللَّهِ.
﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ قُرِئَ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَحَذْفِهَا، ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾ أَيْ: لَا تَتَكَلَّمُ ﴿نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ أَيْ: فَمِنْهُمْ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الشَّقَاوَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَةُ.
أَخْبَرْنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ، أَنْبَأَنَا جَدِّي أَبُو سَهْلٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّارُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ الدَّبَرِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا عَلَى جِنَازَةٍ فَبَيْنَا نَحْنُ بِالْبَقِيعِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبِيَدِهِ مِخْصَرَةٌ، فَجَاءَ فَجَلَسَ، ثُمَّ نَكَتَ بِهَا الْأَرْضَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، إِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً"، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: "لَا وَلَكِنِ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ فَيُيَسِّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ، وَأَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسِّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ"، قَالَ: ثُمَّ تَلَا ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [أخرجه البخاري في الجنائز، باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله: ٣ / ٢٢٥، وفي تفسير سورة "والليل إذا يغشى" وفي الأدب وفي القدر، وأخرجه مسلم في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي، برقم (٢٦٤٧) : ٤ / ٢٠٣٩-٢٠٤٠، والمصنف في شرح السنة: ١ / ١٣١-١٣٢.] [الليل: ١٠]
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم صرح - سبحانه - بلعنهم فى الدارين فقال ( وَأُتْبِعُواْ فِي هذه لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة ) . .أى : إن اللعنة والفضيحة لحقت بهم ، واتبعتهم فى الدنيا وفى الأخرى ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى : ( وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ المقبوحين ) وجملة ( بِئْسَ الرفد المرفود ) مستأنفة لإِنشاء ذم اللعنة ، والمخصوص بالذم محذوف دل عليه ذكر اللعنة ، أى بئس الرفد هى .الرفد العطاء والعون يقال رفد فلان فلانا يرفده رفدا أى أعطاه وأعانه على قضاء مصالحه ، أى : بئس العطاء المعطى لهم تلك اللعنة المضاعفة التى لابستهم فى الدنيا والآخرة .وسميت اللعنة رفدا على سبيل التهكم بهم ، كما فى قول القائل : تحية بينهم ضرب وجيع . فكأنه - سبحانه - يقول : هذه اللعنة هى العطاء المعطى من فرعون لأتباعه الذين كانوا من خلفه كقطيع الأغنام الذى يسير خلف قائده بدون تفكر أو تدبر . . .وبئس العطاء عطاؤه لهم . . .وإلى هنا تكون هذه السورة الكريمة قد حدثتنا عن قصة نوح مع قومه ، وعن قصة هود مع قومه ، وعن قصة صالح مع قومه ، وعن قصة إبراهيم مع الملائكة ، وعن قصة لوط مع قومه ومع الملائكة ، وعن قصة شعيب مع قومه ، وعن قصة موسى مع فرعون وملئه .ويلاحظ أن السورة الكريمة قد ساقت لنا تلك القصص حسب ترتيبها التاريخى والزمنى ، لأهداف من أهمها :1 - إبراز وحدة العقيدة فى دعوة الأنبياء جميعا ، فكل نبى قد قال لقومه : اعبدوا اله مالكم من إله غيره . . . ثم يسوق لهم الأدلة على صدقه فيما بلغه عن ربه .2 - إبراز أن الناس فى كل زمان ومكان فيهم الأخيار الذين يتبعون الرسل ، وفيهم الأشرار الذين يحاربون الحق . . .3 - بيان العاقبة الحسنة التى انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصدقهم وعملهم الصالح . . . والعاقبة السيئة التى انتهى إليها الكافرون بسبب كفرهم وإعراضهم عن الحق . . .قال - تعالى - ( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ثم ساقت السورة بعد ذلك حتى نهايتها آيات كريمة اشتملت على تعليقات وتعقيبات متنوعة ، وهذه التعليقات والتعقيبات قوية الصلة بما سبقها من آيات . . .