مقارنة التفاسير
يوسف · الآية 41
مِن ٱلَّذِي فِيهِ ﴿٤١﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
يوسف · الآية 41
مِن ٱلَّذِي فِيهِ ﴿٤١﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يا صاحبيَّ في السجن، إليكما تفسيرَ رؤياكما: أما الذي رأى أنه يعصر العنب في رؤياه فإنه يخرج من السجن ويكون ساقي الخمر للملك، وأما الآخر الذي رأى أنه يحمل على رأسه خبزًا فإنه يُصْلب ويُتْرك، وتأكل الطير من رأسه، قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان وفُرغ منه.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا، فإنه يخرج من السجن ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: يسقي سيده الذي كان يخدمه خمرا، وذلك مستلزم لخروجه من السجن، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ وهو: الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه. ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ فإنه عبر [عن] الخبز الذي تأكله الطير، بلحم رأسه وشحمه، وما فيه من المخ، وأنه لا يقبر ويستر عن الطيور، بل يصلب ويجعل في محل، تتمكن الطيور من أكله، ثم أخبرهما بأن هذا التأويل الذي تأوله لهما، أنه لا بد من وقوعه فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: تسألان عن تعبيره وتفسيره.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يقول لهما: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ وَهُوَ الَّذِي رَأَى أَنَّهُ يَعْصِرُ خَمْرًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يعينِّه لِئَلَّا يَحْزَنَ ذَاكَ، وَلِهَذَا أَبْهَمَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ وَهُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ الَّذِي رَأَى أَنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا.
ثُمَّ أَعْلَمَهُمَا أَنَّ هَذَا قَدْ فُرغ مِنْهُ، وَهُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبر، فَإِذَا عُبِّرَت وَقَعت.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا قَالَا مَا قَالَا وَأَخْبَرَهُمَا، قَالَا مَا رَأَيْنَا شَيْئًا. فَقَالَ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ [في ت: "فضل".] عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِهِ، وَكَذَا فَسَّرَهَ مُجَاهِدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ تحلَّم بِبَاطِلٍ وفَسّره، فَإِنَّهُ يُلزَم بِتَأْوِيلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبر [في ت: "يعبر".] فَإِذَا عُبِّرت وَقَعَتْ" [سبق تخريجه عند تفسير الآية: "٥" من هذه السورة.]
وَفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى، مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ الرَّقاشي، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: "الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ" [ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٣٩١٥) من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يزيد الرقاشي، عن أنس موقوفا، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢١٦) : "هذا إسناد فيه يزيد وهو ضعيف".]
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه، مخبرًا عن قِيل يوسف للذين دخلا معه السجن: ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا﴾ ، هو الذي رأى أنه يعصر خمرًا، فيسقي ربَّه= يعني سيده، وهو ملكهم [انظر تفسير" الرب" فيما سلف ص: ٣٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.] ="خمرا"، يقول: يكون صاحب شرابه.
* *
١٩٢٩٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فيسقي ربه خمرًا﴾ ، قال: سيده.
* *
=وأما الآخر، وهو الذي رأى أن على رأسه خبزًا تأكل الطير منه "فيصلب فتأكل الطير من رأسه"، فذكر أنه لما عبَر ما أخبراه به أنهما رأياه في منامهما، قالا له: ما رأينا شيئًا! فقال لهما: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ يقول: فُرغ من الأمر الذي فيه استفتيتما، [انظر تفسير" قضى" فيما سلف ١٥: ١٥١، تعليق: ١، والمراجع هناك.] ووجب حُكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به. [انظر تفسير" الاستفتاء" فيما سلف ٩: ٢٥٣، ٤٣٠.]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل العلم.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٩٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عمارة، عن إبراهيم، عن عبد الله قال: قال اللذان دخلا السجن على يوسف: ما رأينا شيئًا! فقال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ .
١٩٢٩٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن سفيان، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، قال: لما قالا ما قالا أخبرهما، فقالا ما رأينا شيئا! فقال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ .
١٩٢٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، في الفتيين اللذين أتيا يوسف والرؤيا، إنما كانا تحالما ليجرّباه، فلما أوَّل رؤياهما قالا إنما كنا نلعب! قال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ .
١٩٢٩٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن عمارة، عن إبراهيم، عن عبد الله قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، إنما كانا تحالما ليجرّبا علمه، فقال أحدهما: إني أراني أعصر عنبًا! وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه؟ ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ ! قال: ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ . فلما عبَّر، قالا ما رأينا شيئًا! قال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، على ما عبَّر يوسف.
١٩٢٩٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال: لمجلث: أما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك. وقال لنبو: أما أنت فتردُّ على عملك، فيرضى عنك صاحبك، ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ = أو كما قال.
١٩٣٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال،قال ابن جريج........... فيه تستفتيان. [هذا خبر سقط منه شيء كثير، فوضعت النقط مكان السقط.]
١٩٣٠١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، عند قولهما: ما رأينا رؤيا إنما كنا نلعب! قال: قد وقعت الرؤيا على ما أوَّلتُ.
١٩٣٠٢- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿الذي فيه تستفتيان﴾ ، فذكر مثله.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ أَيْ قَالَ لِلسَّاقِي: إِنَّكَ تُرَدُّ عَلَى عَمَلِكَ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ سَقْيِ الْمَلِكِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ لِلْآخَرِ: وَأَمَّا أَنْتَ فَتُدْعَى إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَتُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِكَ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا، قَالَ: رَأَيْتَ أَوْ لَمْ تَرَ (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ). وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ سَقَى وَأَسْقَى لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [هو لبيد، ومجد: ابنة تيم بن غالب بن فهر، وهى أم كلاب وكليب بنى ربيعة. وفاعل سقى هو المطر.] :
سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وَأَسْقَى ... نُمَيْرًا وَالْقَبَائِلَ مِنْ هِلَالِ
قَالَ النَّحَّاسُ: الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَى سَقَاهُ نَاوَلَهُ فَشَرِبَ، أَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي حَلْقِهِ وَمَعْنَى أَسْقَاهُ جَعَلَ لَهُ سُقْيًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً﴾ [راجع ج ٢٩ ص ١٥٨.] [المرسلات: ٢٧]. الثَّانِيَةُ- قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنْ قِيلَ مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ فَفَسَّرَهَا الْعَابِرُ لَهُ أَيَلْزَمُهُ حُكْمُهَا؟ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَتَعْبِيرُ النَّبِيِّ حُكْمٌ، وَقَدْ قَالَ: إِنَّهُ يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَأَوْجَدَ اللَّهُ تَعَالَى مَا أَخْبَرَ كَمَا قَالَ تَحْقِيقًا لِنُبُوَّتِهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَعْشَبْتُ ثُمَّ أَجْدَبْتُ ثُمَّ أَعْشَبْتُ ثُمَّ أَجْدَبْتُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ رَجُلٌ تُؤْمِنُ ثُمَّ تَكْفُرُ، ثُمَّ تُؤْمِنُ ثُمَّ تَكْفُرُ، ثُمَّ تَمُوتُ كَافِرًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قَدْ قُضِيَ لَكَ مَا قُضِيَ لِصَاحِبِ يُوسُفَ، قُلْنَا: لَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ عُمَرَ، لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ مُحَدَّثًا [محدث: ملهم، أو يلقى في روعه الشيء، أو يجرى الصواب على لسانه من غير قصد. (القسطلاني). والمحدث: الذي يحدثه الملك ايضا. أي يلقى في نفسه.] ، [وَكَانَ إِذَا ظَنَّ [من ع وك وووى.] ظنا كان] وَإِذَا تَكَلَّمَ بِهِ وَقَعَ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي أَخْبَارِهِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا- أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: أَظُنُّكَ كَاهِنًا فَكَانَ كَمَا ظَنَّ، خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَمِنْهَا- أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلًا عَنِ اسْمِهِ فَقَالَ لَهُ فِيهِ أَسْمَاءَ النَّارِ كُلِّهَا، فَقَالَ لَهُ: أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدِ احْتَرَقُوا، فَكَانَ كَمَا قَالَ: خَرَّجَهُ الْمُوَطَّأُ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ فِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" [راجع ج ١٠ ص ٤٢.] إِنْ شاء الله تعالى.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 40 إلى 42 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 40.
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَقَدِ ابْتَدَأَ الْخِطَابَ لِلِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ أَهْلِ السِّجْنِ، وَكُلَّ مَنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمَا مِنْ [أَهْلِ] [ساقط من "ب".] الشِّرْكِ، ﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ آلِهَةً وَأَرْبَابًا خَالِيَةً عَنِ الْمَعْنَى لَا حَقِيقَةَ لِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ، ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ مَا الْقَضَاءُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، ﴿إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الْمُسْتَقِيمُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ رُؤْيَاهُمَا فَقَالَ: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ .
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرَابِ، ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ [يَعْنِي الْمَلِكَ] [ما بين القوسين ساقط من "ب".] ﴿خَمْرًا﴾ وَالْعَنَاقِيدُ الثَّلَاثَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَبْقَى فِي السِّجْنِ ثُمَّ يَدْعُوهُ الْمَلِكُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ [في "ب": ثلاثة.] أَيَّامٍ، وَيَرُدُّهُ إِلَى مَنْزِلَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ يَعْنِي: صَاحِبَ الطَّعَامِ فَيَدْعُوهُ الْمَلِكُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ، وَالسِّلَالُ الثَّلَاثُ الثَّلَاثَةُ [في "ب": ثلاثة.] أَيَّامٍ يَبْقَى فِي السِّجْنِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ، ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمَّا سَمِعَا قَوْلَ يُوسُفَ قَالَا مَا رَأَيْنَا شَيْئًا إِنَّمَا كُنَّا نَلْعَبُ، قَالَ يُوسُفُ: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [عزاه السيوطي في الدر المنثور: (٤ / ٥٤٠) لابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.] ، أَيْ: فُرِغَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي عَنْهُ تَسْأَلَانِ، وَوَجَبَ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْكُمَا الَّذِي أَخْبَرْتُكُمَا بِهِ، رَأَيْتُمَا أَوْ لَمْ تَرَيَا.
﴿وَقَالَ﴾ يَعْنِي: يُوسُفَ عِنْدَ ذَلِكَ، ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ عَلِمَ ﴿أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ وَهُوَ السَّاقِي، ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي: سَيِّدَكَ الْمَلِكَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ فِي السِّجْنِ غُلَامًا مَحْبُوسًا ظُلْمًا طَالَ حَبْسُهُ.
﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ قِيلَ: أَنْسَى الشَّيْطَانُ السَّاقِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ، تَقْدِيرُهُ: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَهُ لِرَبِّهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنْسَى الشَّيْطَانُ يُوسُفَ ذِكْرَ رَبِّهِ حِينَ ابْتَغَى الْفَرَجَ، مِنْ غَيْرِهِ وَاسْتَعَانَ بِمَخْلُوقٍ، وَتِلْكَ غَفْلَةٌ عَرَضَتْ لِيُوسُفَ مِنَ الشَّيْطَانِ [رجح أبو حيان أن الضمير عائد على الساقي، وهو القول الأول، وهو أيضا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية من وجوه عديدة، فقال: " ... بل الشيطان أنسى الذي نجا منهما ذكر ربه، وهذا هو الصواب، فإنه مطابق لقوله: "اذكرني عند ربك" قال تعالى: "فأنساه الشيطان ذكر ربه"، والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك، ولأن يوسف لم ينس ذكر ربه، بل كان ذاكرًا لربه ... ثم قال بعد وجوه عديدة: فتبين أن قوله "فأنساه الشيطان ذكر ربه" أي: أنسى الفتى ذكر ربه، أن يذكر هذا لربه، ونسي ذكر يوسف ربه، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، ويوسف قد ذكر ربه ونسي الفتى ذكر يوسف ربه، وأنساه الشيطان أن يذكر ربه هذا الذكر الخاص، فإنه وإن كان يسقي ربه خمرا فقد لا يخطر هذا الذكر بقلبه، وأنساه الشيطان تذكير ربه، وإذكار ربه لما قال: "اذكرني" أمره بإذكار ربه فأنساه الشيطان إذكار ربه. فإذكار ربه أن يجعله ذاكرا فأنساه الشيطان أن يجعل ربه ذاكرا ليوسف، والذكر هو مصدر، وهو اسم فقد يضاف من جهة كونه اسما، فيعم هذا كله، أي: أنساه الذكر المتعلق بربه، والمضاف إليه". ومما يبين أن الذي نسي ربه هو الفتى لا يوسف قوله بعد ذلك: "وقال الذي نجا منهما، وادكر بعد أمة، أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون"، وقوله: "وادكر بعد أمة" دليل على أنه نسي فادكر. انظر: دقائق التفسير لابن تيمية: ٣ / ٢٥٩-٢٦٣، وراجع البحر المحيط لأبي حيان: ٥ / ٣١١-٣١٢.] .
﴿فَلَبِثَ﴾ فَمَكَثَ، ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْبِضْعِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى السَّبْعِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا دُونُ الْعَشَرَةِ.
وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْبِضْعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ سَبْعُ سِنِينَ، وَكَانَ قَدْ لَبِثَ قَبْلَهُ خَمْسَ سِنِينَ فَجُمْلَتُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَالَ وَهْبٌ: أَصَابَ أَيُّوبَ الْبَلَاءُ سَبْعَ سِنِينَ، وَتُرِكَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ، وَعُذِّبَ بُخْتَنَصَّرُ فَحُوِّلَ فِي السِّبَاعِ سَبْعَ سِنِينَ [قال الطبري في التفسير: (١٦ / ١١٥) : "والصواب في البضع" من الثلاث إلى التسع، إلى العشر، ولا يكون دون الثلاث. وكذلك ما زاد على العقد إلى المائة، وما زاد على المائة فلا يكون فيه "بضع".] .
قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: لَمَّا قَالَ يُوسُفُ لِلسَّاقِي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، قِيلَ لَهُ: يَا يُوسُفُ اتَّخَذْتَ مِنْ دُونِي وَكِيلًا لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، فَبَكَى يُوسُفُ، وَقَالَ: يَا رَبِّ أَنْسَى قَلْبِي كَثْرَةُ الْبَلْوَى فَقُلْتُ كَلِمَةً وَلَنْ أَعُودَ [أخرجه الطبري في التفسير: ١٦ / ١١١.] .
وَقَالَ الْحَسَنُ: دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلَى يُوسُفَ فِي السِّجْنِ، فَلَمَّا رَآهُ يُوسُفُ عَرَفَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَخَا الْمُنْذِرِينَ مَالِي أَرَاكَ بَيْنَ الْخَاطِئِينَ؟ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا طَاهِرَ الطَّاهِرِينَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَيَقُولُ لَكَ: أَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنِّي أَنِ اسْتَشْفَعْتَ بِالْآدَمِيِّينَ، فَوَعِزَّتِي لَأُلْبِثَنَّكَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، قَالَ يُوسُفُ: وَهُوَ فِي ذَلِكَ عَنِّي رَاضٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إذًا لَا أُبَالِي.
وَقَالَ كَعْبٌ: قَالَ جِبْرِيلُ لِيُوسُفَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ مَنْ خَلَقَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ حَبَّبَكَ إِلَى أَبِيكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ نَجَّاكَ مِنْ كَرْبِ الْبِئْرِ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ عَلَّمَكَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ صَرْفَ عَنْكَ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَكَيْفَ اسْتَشْفَعَتْ بِآدَمِيٍّ مِثْلِكَ؟ [هذه الروايات عن الحسن ووهب ومالك بن دينار من الإسرائيليات، وهي بجملتها تعني أن يوسف عليه السلام لبث في السجن بضع سنين بسبب استشفاعه أو طلبه من الذي علم أنه ناج أن يذكره عند ربه، وكان الأولى أن يتوكل على الله ولا يقول اذكرني عند ربك، فلما نسي أن يتوكل على ربه جوزي بلبثه في السجن بضع سنين. وقد رَدَّ ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في "دقائق التفسير": (٣ / ٢٦١) : "ليس في قوله: (اذكرني عند ربك) ما يناقض التوكل، بل قد قال يوسف: (إن الحكم إلا لله) كما أن قول أبيه: (لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) لم يناقض توكله؛ بل قال: (وما أغني عنكم من الله من شيء، إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون) . وأيضا: فيوسف قد شهد الله له أنه من عباده المخلصين، والمخلص لا يكون مخلصا مع توكله على غير الله، فإن ذلك شرك، ويوسف لم يكن مشركا، لا في عبادته ولا في توكله، بل قد توكل على ربه في فعل نفسه بقوله: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) ، فكيف لا يتوكل عليه في أفعال عباده؟! وقوله: (اذكرني عند ربك) مثل قوله لربه (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضا للتوكل، ولا هو من سؤال الإمارة المنهي عنه. فكيف يكون قوله للفتى: (اذكرني....) مناقضا للتوكل، وليس فيه إلا مجرد إخبار الملك به، ليعلم حاله ليتبين الحق، ويوسف كان من أثبت الناس. ولهذا بعد أن طلب (وقال الملك ائتوني به) قال: (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم) فيوسف يذكر ربه في هذه الحال، كما ذكره في تلك ... فلم يكن في قوله له: (اذكرني ... ) ترك لواجب، ولا فعل لمحرم، حتى يعاقبه الله على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين. وكان القوم قد عزموا على حبسه إلى حين قبل هذا، ظلما له، مع علمهم ببراءته من الذنب، ولبثه في السجن كان كرامة من الله في حقه ليتم بذلك صبره وتقواه، فإنه بالصبر والتقوى نال ما نال". وانظر: "الإسرائيليات والموضوعات" ص (٣٢٠-٣٢١) .] .
فَلَمَّا انْقَضَتْ سَبْعُ سِنِينَ -قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَهَذَا السَّبْعُ سِوَى الْخَمْسَةِ [ظاهر الآيات لا يدل على أن هناك خمسا قبل ذلك، والله أعلم.] الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ-وَدَنَا فَرَجُ يُوسُفَ، رَأَى مَلِكُ مِصْرَ الْأَكْبَرُ رُؤْيَا عَجِيبَةً هَالَتْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ، خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَ عَقِبَهُنَّ سَبْعُ بَقَرَاتٍ عِجَافٌ فِي غَايَةِ الْهُزَالِ، فَابْتَلَعَتِ الْعِجَافُ السِّمَانَ فَدَخَلْنَ فِي بُطُونِهِنَّ، وَلَمْ يُرَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ عَلَى الْعِجَافِ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ رَأَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّهُا، [وَسَبْعًا أُخْرَى] [في "ب": وسبع أخر.] يَابِسَاتٍ قَدِ اسْتُحْصِدَتْ، فَالْتَوَتِ الْيَابِسَاتُ عَلَى الْخُضْرِ حَتَّى غَلَبْنَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ خُضْرَتِهَا شَيْءٌ، فَجَمَعَ السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ وَالْحَازَةَ [في هامش "أ": الحازة: المنجمون.] وَالْمُعَبِّرِينَ وَقَصَّ عَلَيْهِمْ رُؤْيَاهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
بعد كل ذلك شرع فى تفسير رؤياهما ثقة فى قوله ، فقال : ( ياصاحبي السجن أَمَّآ أَحَدُكُمَا ) وهو ساقى الملك ، فيخرج من السجن برئيا ويسقى " ربه " أى : سيده الملك " خمرا " .( وَأَمَّا الآخر ) وهو خباز الملك وصاحب طعامه " فيصلب " أى : فيقتل ثم يصلب ( فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ ) بعد موته .ولم يعين يوسف - عليه السلام - من هو الذى سيسقى ربه خمرا ، ومن هو الذى سيصلب ، وإنما اكتفى بقوله " أما أحدكما . . . وأما الآخر " تلطفا معهما ، وتحرجا من مواجهة صاحب المصير السئ بمصيره ، وإن كان فى تعبيره ما يشير إلى مصير كل منهما بطريق غير مباشر .ثم أكد لهما الأمر واثقا من صدق العلم الذى علمه الله إياه ، فقال : ( قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ) .والاستفتاء : مصدر استفتى إذا طلب الفتوى من غيره فى أمر خفى عليه فهمه أى : تم التفسير الصحيح لرؤييكما اللتين سألتمانى عن تأويلهما .