مقارنة التفاسير
يوسف · الآية 80
مِنۡهُ قَالَ أَنَّ قَدۡ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا فِي لِيٓ أَوۡ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ ﴿٨٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
يوسف · الآية 80
مِنۡهُ قَالَ أَنَّ قَدۡ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا فِي لِيٓ أَوۡ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ ﴿٨٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
فلما يئسوا من إجابته إياهم لِما طلبوه انفردوا عن الناس، وأخذوا يتشاورون فيما بينهم، قال كبيرهم في السن: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم العهد المؤكد لتردُّنَّ أخاكم إلا أن تُغلبوا، ومن قَبْلِ هذا كان تقصيركم في يوسف وغدركم به؛ لذلك لن أفارق أرض «مصر» حتى يأذن لي أبي في مفارقتها، أو يقضي لي ربي بالخروج منها، وأتمكن مِن أَخْذ أخي، والله خيرُ مَن حَكَمَ، وأعدل مَن فَصَلَ بين الناس.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
أي: فلما استيأس إخوة يوسف من يوسف أن يسمح لهم بأخيهم ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي: اجتمعوا وحدهم، ليس معهم غيرهم، وجعلوا يتناجون فيما بينهم، فـ ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ في حفظه، وأنكم تأتون به إلا أن يحاط بكم ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ ، فاجتمع عليكم الأمران، تفريطكم في يوسف السابق، وعدم إتيانكم بأخيه باللاحق، فليس لي وجه أواجه به أبي. ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي: سأقيم في هذه الأرض ولا أزال بها ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ أي: يقدر لي المجيء وحدي، أو مع أخي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 80 إلى 82 معاً في نص واحد.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ: أَنَّهُمْ لَمَّا يَئِسُوا مِنْ تَخْلِيصِ أَخِيهِمْ بِنْيَامِينَ، الَّذِي قَدِ الْتَزَمُوا لِأَبِيهِمْ بِرَدِّهِ إِلَيْهِ، وَعَاهَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ﴿خَلَصُوا﴾ أَيِ: انْفَرَدُوا عَنِ النَّاسِ ﴿نَجِيًّا﴾ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ وَهُوَ رُوبيل، وَقِيلَ: يَهُوذَا، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِإِلْقَائِهِ فِي الْبِئْرِ عِنْدَمَا همّوا بِقَتْلِهِ، قَالَ لَهُمْ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ لتردنَّه إِلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُمْ كَيْفَ تَعَذَّرَ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لَكُمْ مِنْ إِضَاعَةِ يُوسُفَ عَنْهُ، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ﴾ أَيْ: لَنْ أُفَارِقَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ، ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ رَاضِيًا عَنِّي، ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ قِيلَ: بِالسَّيْفِ. وَقِيلَ: بِأَنْ يُمَكِّنَنِي مِنْ أَخْذِ أَخِي، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [في ت، أ: "أحكم الحاكمين" وهو خطأ.] .
ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُخْبِرُوا أَبَاهُمْ بِصُورَةِ مَا وَقَعَ، حَتَّى يَكُونَ عُذْرًا لَهُمْ عِنْدَهُ وَيَتَنَصَّلُوا إِلَيْهِ، وَيَبْرَءُوا مِمَّا وَقَعَ بِقَوْلِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: مَا [كُنَّا] [زيادة من ت، أ.] نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَكَ سَرَقَ [في ت: "يسرق".] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: مَا عَلِمْنَا فِي الْغَيْبِ أَنَّهُ يَسْرِقُ [في ت، أ: "سرق".] لَهُ شَيْئًا، إِنَّمَا سَأَلَنَا [في ت، أ: "سألناه".] مَا جَزَاءُ السَّارِقِ؟
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ مِصْرُ. قَالَهُ قَتَادَةُ، وَقِيلَ: غَيْرُهَا، ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أَيِ: الَّتِي رَافَقْنَاهَا، عَنْ صِدْقِنَا وَأَمَانَتِنَا وَحِفْظِنَا وَحِرَاسَتِنَا، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فِيمَا أَخْبَرْنَاكَ بِهِ، مِنْ أَنَّهُ سَرَقَ وَأَخَذُوهُ بِسَرِقَتِهِ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ﴾
قال أبو جعفر يعني تعالى ذكره: ﴿فلما استيأسوا منه﴾ فلما يئسوا منه من أن يخلى يوسف عن بنيامين، ويأخذ منهم واحدًا مكانه، وأن يجيبهم إلى ما سألوه من ذلك.
* *
وقوله ﴿استيأسوا﴾ ،"استفعلوا"، من:"يئس الرجل من كذا ييأس"، كما:-
١٩٦١٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلما استيأسوا منه﴾ يئسوا منه، ورأوا شدّته في أمره.
* *
وقوله: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ ، يقول بعضهم لبعض يتناجون، لا يختلط بهم غيرهم.
* *
و"النجيّ"، جماعة القوم المنتجين، يسمى به الواحد والجماعة، كما يقال:"رجل عدل، ورجال عدل"، و"قوم زَوْر، وفِطْر". وهو مصدر من قول القائل:"نجوت فلانا أنجوه نجيًّا"، جعل صفة ونعتًا. ومن الدليل على أن ذلك كما ذكرنا، قول الله تعالى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [سورة مريم: ٥٢] فوصف به الواحد، وقال في هذا الموضع: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ فوصف به الجماعة، ويجمع"النجيّ" أنجية، كما قال لبيد:
وَشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفَاقَةِ عَاليًا ... كَعْبي وَأَرْدَافُ المُلُوكِ شُهُودُ [ديوانه قصيدة: ٧، بيت: ٧، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣١٥ من أبيات يقولها لابنته بسرة، يذكر طول عمره، فيقول لها: وَلَقَدْ سَئِمْتُ من الحَيَاةِ وطُولِهَا ... وسُؤَالِ هذَا النَّاسِ: كَيْف لَبِيدُ ؟ وَغَنِيتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرَى دَاحِسٍ ... لَوْ كَانَ للنِّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ وَشَهِدْتُ................. ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . " مجرى داحس"، هو الخبر المشهور عن داحس والغبراء وإجرائهما، وكانت بسببه الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة، وقوله:" سبتًا"، أي: دهرًا. و" الأفاقة" اسم موضع، حيث كان اليوم المشهور بين لبيد، والربيع بن زياد العبسي. و" أرداف الملوك"، من" الردف"، وهو الذي يكون مع الملك، وينوب عنه إذا قام من مجلسه.]
وقد يقال للجماعة من الرجال:"نَجْوَى" كما قال جل ثناؤه: ﴿وإذْ هُمْ نَجْوَ ى﴾ [سورة الإسراء: ٤٧] وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ [سورة المجادلة: ٧] وهم القوم الذين يتناجون. وتكون" النجوى" أيضا مصدرًا، كما قال الله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [سورة المجادلة: ١٠] تقول منه": نجوت أنجو نجوى" فهي في هذا الموضع، المناجاة نفسها، ومنه قول الشاعر [هو الصلتان العبدي.]
بُنَيَّ بَدَا خِبُّ نَجْوَى الرِّجَالِ ... فَكُنْ عِنْدَ سرّكَ خَبَّ النَّجِيّ [شرح الحماسة ٣: ١١٢، والشعر والشعراء: ٤٧٩، والخزانة ١: ٣٠٨، وغيرها، وهو من وصيته المشهورة التي أوصى بها ولده التي يقول فيها: أَشَابَ الصّغيرَ وَأَفْنَى الكَبيرَ ... كَرُّ الغَدَاةِ وَمَرُّ العَشِي ثم يقول له بعد البيت الشاهد: وَسِرُّكَ مَا كَانَ عِنْدَ امْريٍ ... وَسِرُّ الثَّلاَثَةِ غَيْرُ الخَفِي و" الحب" (بكسر الخاء) ، المكر، و" الخب" (بفتحها) ، المكار.]
فـ"النجوى" و"النجي"، في هذا البيت بمعنى واحد، وهو المناجاة، وقد جمع بين اللغتين.
* *
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٦١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا﴾ وأخلص لهم شمعون، وقد كان ارتهنه، خَلَوْا بينهم نجيًّا، يتناجون بينهم.
١٩٦١٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ خلصوا وحدهم نجيًّا.
١٩٦٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ : أي خلا بعضهم ببعض، ثم قالوا: ماذا ترون؟
* *
وقوله: ﴿قال كبيرهم﴾ اختلف أهل العلم في المعنيِّ بذلك.
فقال بعضهم: عنى به كبيرهم في العقل والعلم، لا في السن، وهو شمعون. قالوا: وكان روبيل أكبر منه في الميلاد.
ذكر من قال ذلك:
١٩٦٢١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿قال كبيرهم﴾ قال: هو شمعون الذي تخلّف، وأكبر منه=أو: أكبر منهم= في الميلاد، روبيل.
١٩٦٢٢- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قال كبيرهم﴾ :، شمعون الذي تخلّف، وأكبر منه في الميلاد روبيل.
١٩٦٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٦٢٤- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿قال كبيرهم﴾ ، قال: شمعون الذي تخلف، وأكبرهم في الميلاد روبيل.
* *
وقال آخرون: بل عنى به كبيرهم في السن، وهو روبيل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٦٢٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قال كبيرهم﴾ ، وهو روبيل، أخو يوسف، وهو ابن خالته، وهو الذي نهاهم عن قتله.
١٩٦٢٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿قال كبيرهم﴾ ، قال: روبيل، وهو الذي أشار عليهم أن لا يقتلوه.
١٩٦٢٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿قال كبيرهم﴾ في العلم [في المطبوعة والمخطوطة:" في العلم"، ولم أجد ما أستوثق به من أن يكون الخبر في معنى الترجمة، أعني مكان" في العلم"،" في السن".] = ﴿إن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض﴾ ، الآية، فأقام روبيل بمصر، وأقبل التسعة إلى يعقوب، فأخبروه الخبرَ، فبكى وقال: يا بنيّ ما تذهبون مرَّة إلا نقصتم واحدًا! ذهبتم مرة فنقصتم يوسف، وذهبتم الثانية فنقصتم شمعون، وذهبتم الآن فنقصتُم روبيل!
١٩٦٢٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا﴾ قال: ماذا ترون؟ فقال روبيل كما ذكر لي، وكان كبير القوم: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ومن قبل ما فرطتم في يوسف﴾ ،الآية.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: عنى بقوله: ﴿قال كبيرهم﴾ روبيل، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنًّا. ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم:"فلان كبير القوم"، مطلقا بغير وصل، إلا أحد معنيين: إما في الرياسة عليهم والسؤدد، وإما في السن. فأما في العقل، فإنهم إذا أرادوا ذلك وصَلوه، فقالوا:"هو كبيرهم في العقل". فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك، فلا يفهم إلا ما ذكرت.
وقد قال أهل التأويل: لم يكن لشمعون= وإن كان قد كان من العلم والعقل بالمكان الذي جعله الله به= على إخوته رياسةٌ وسؤدد، فيعلم بذلك أنه عنى بقوله: ﴿قال كبيرهم﴾ فإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلا الوجه الآخر، وهو الكبر في السن، وقد قال الذين ذكرنا جميعًا": روبيل كان أكبر القوم سنًّا"، فصح بذلك القول الذي اخترناه.
* *
وقوله: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله،﴾ يقول: ألم تعلموا، أيها القوم؛ أنَّ أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهودَ الله ومواثيقه: [انظر تفسير" الموثق" فيما سلف ص: ١٦٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.] لنأتينه به جميعا، إلا أن يحاط بكم= ﴿ومن قبل ما فرطتم في يوسف﴾ ، [زدت نص الآية، وإن لم يكن ثابتًا في المخطوطة أو المطبوعة.] ومن قبل فعلتكم هذه، تفريطكم في يوسف. يقول: أو لم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف؟ = وإذا صرف تأويل الكلام إلى هذا الذي قلناه، كانت"ما"حينئذ في موضع نصب.
وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿ومن قبل ما فرطتم في يوسف﴾ خبرا مبتدأ، ويكون قوله: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله﴾ خبرًا متناهيًا فتكون"ما"حينئذ في موضع رفع، كأنه قيل:"ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف"= فتكون"ما" مرفوعة بـ"من"قبلُ.
هذا ويجوز أن تكون"ما"التي هي صلة في الكلام، [في المطبوعة:" التي تكون صلة"،، وفي المخطوطة:" التي صلة"، ورجحت ما أثبت = و" الصلة"، الزيادة، انظر ما سلف من فهارس المصطلحات.] فيكون تأويل الكلام: ومن قبل هذا فرطتم في يوسف. [في المطبوعة" تفريطكم في يوسف"، والصواب ما أثبت، لأن" ما" زائدة هنا.]
* *
وقوله: ﴿فلن أبرح الأرض﴾ التي أنا بها، وهي مصر فأفارقها= ﴿حتى يأذن لي أبي﴾ بالخروج منها، كما:-
١٩٦٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلن أبرح الأرض﴾ التي أنا بها اليوم= ﴿حتى يأذن لي أبي﴾ ، بالخروج منها.
١٩٦٣٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قال شمعون: ﴿لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾ .
* *
وقوله: ﴿أو يحكم الله لي﴾ ، أو يقضي لي ربي بالخروج منها وترك أخي بنيامين، وإلا فإني غير خارج= ﴿وهو خير الحاكمين﴾ ، يقول: والله خير من حكم، وأعدل من فصل بين الناس. [انظر تفسير" الحكم" فيما سلف من فهارس اللغة (حكم) .]
* *
وكان أبو صالح يقول في ذلك بما:-
١٩٦٣١ - حدثني الحسين بن يزيد السبيعي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي،﴾ قال: بالسيف.
* *
=وكأنَّ أبا صالح وجّه تأويل قوله: ﴿أو يحكم الله لي﴾ ، إلى: أو يقضي الله لي بحرب من مَنَعَني من الانصراف بأخي بنيامين إلى أبيه يعقوب، فأحاربه.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ أَيْ يَئِسُوا، مِثْلُ عَجِبَ وَاسْتَعْجَبَ، وَسَخِرَ وَاسْتَسْخَرَ.
(خَلَصُوا) أَيِ انْفَرَدُوا وَلَيْسَ هُوَ مَعَهُمْ.
(نَجِيًّا) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمُضْمَرِ فِي "خَلَصُوا" وَهُوَ وَاحِدٌ يُؤَدِّي عَنْ جَمْعٍ، كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَيَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [راجع ج ١١ ص ١١٣.] [مريم: ٥٢] وَجَمْعُهُ أَنْجِيَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ [هو سحيم بن وثيل اليربوعي يصف قوما أتعبهم السير والسفر فرقدوا على ركابهم واظطربوا عليها، وشد بعضهم على ناقته حذار سقوطه. وقيل: إنما ضربه مثلا لنزول الأمر المهم. والأرشية الحبال التي يستقى بها، والمواد أنه ثابت الجأش. و (أوصيني ولا توصي) بالياء لأنه يخاطب مؤنثا.] :
إِنِّي إِذَا مَا الْقَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ ... وَاضْطَرَبَ الْقَوْمُ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَهْ
هُنَاكَ أَوْصِينِي وَلَا تُوصِي بِيَهْ
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: "اسْتَايَسُوا" "وَلَا تَايَسَوا" "إِنَّهُ لَا يَايَسُ" "أَفَلَمْ يَايَسْ" بِأَلِفٍ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ عَلَى الْقَلْبِ، قُدِّمَتِ الْهَمْزَةُ وَأُخِّرَتِ الْيَاءُ، ثُمَّ قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ أَلِفًا لِأَنَّهَا سَاكِنَةٌ قَبْلَهَا فَتْحَةٌ، وَالْأَصْلُ قِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ مَا جَاءَ إِلَّا عَلَى تَقْدِيمِ الْيَاءِ- يَأْسًا- وَالْإِيَاسَ لَيْسَ بِمَصْدَرِ أَيِسَ، بَلْ هُوَ مَصْدَرٌ أُسْتُهُ أَوْسًا وَإِيَاسًا أَيْ أَعْطَيْتُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَيِسَ وَيَئِسَ لُغَتَانِ، أَيْ فَلَمَّا يَئِسُوا مِنْ رَدِّ أَخِيهِمْ إِلَيْهِمْ تَشَاوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ مِنَ النَّاسِ، يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا عَرَضَ لَهُمْ. وَالنَّجِيُّ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمُنَاجِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: وَهُوَ رُوبِيلُ، كَانَ أَكْبَرَهُمْ فِي السِّنِّ. مُجَاهِدٌ: هُوَ شَمْعُونُ، كَانَ أَكْبَرَهُمْ فِي الرَّأْيِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَهُوذَا، وَكَانَ أَعْقَلَهُمْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ لَاوِي، وَهُوَ أَبُو الْأَنْبِيَاءِ.
(أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ) أَيْ عَهْدًا مِنَ اللَّهِ فِي حِفْظِ ابْنِهِ، وَرَدِّهِ إِلَيْهِ.
(وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) "فَلَمَّا" فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى "أَنَّ" وَالْمَعْنَى: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ، وَتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكُمْ فِي يُوسُفَ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ وَغَيْرَهُ. وَ "مِنَ" فِي قَوْلِهِ: "وَمِنْ قَبْلُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِ "تَعْلَمُوا". وَيَجُوزُ أَنْ تكون "فَلَمَّا" زَائِدَةً، فَيَتَعَلَّقُ الظَّرْفَانِ اللَّذَانِ هُمَا "مِنْ قَبْلُ" وَ "فِي يُوسُفَ" بِالْفِعْلِ وَهُوَ "فَرَّطْتُمْ". وَيَجُوزُ أن تكون "فَلَمَّا" وَالْفِعْلُ مَصْدَرًا، وَ "مِنْ قَبْلُ" مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، التَّقْدِيرُ: تَفْرِيطُكُمْ فِي يُوسُفَ وَاقِعٌ مِنْ قَبْلُ، فَمَا وَالْفِعْلُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ هُوَ الْفِعْلُ الْمُضْمَرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ "مِنْ قَبْلُ".
(فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) [في ى: أي من الأرض.] أَيْ أَلْزَمُهَا، وَلَا أَبْرَحُ مُقِيمًا فِيهَا، يُقَالُ: بَرِحَ بَرَاحًا وَبُرُوحًا أَيْ زَالَ، فَإِذَا دَخَلَ النَّفْيُ صَارَ مُثْبَتًا.
(حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) بِالرُّجُوعِ فَإِنِّي أستحي منه.
(أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي) بِالْمَمَرِّ مَعَ أَخِي فَأَمْضِي مَعَهُ إِلَى أَبِي. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ فَأُحَارِبُ وَآخُذُ أَخِي، أَوْ أَعْجِزُ فَأَنْصَرِفُ بِعُذْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ قَالَ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وَمَنْ حَارَبَ وَعَجَزَ فَقَدْ أُحِيطَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ يَهُوذَا إِذَا غَضِبَ وَأَخَذَ السَّيْفَ فَلَا يَرُدُّ وَجْهَهُ مِائَةُ أَلْفٍ، يَقُومُ شَعْرُهُ فِي صَدْرِهِ مِثْلُ الْمَسَالِّ فَتَنْفُذُ مِنْ ثِيَابِهِ. وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ يَهُوذَا قَالَ لِإِخْوَتِهِ- وَكَانَ أَشَدَّهُمْ غَضَبًا-: إِمَّا أَنْ تَكْفُونِي الْمَلِكَ وَمَنْ مَعَهُ أَكْفِكُمْ أَهْلَ مِصْرَ، وَإِمَّا أَنْ تَكْفُونِي أَهْلَ مِصْرَ أَكْفِكُمُ الْمَلِكَ وَمَنْ مَعَهُ، قَالُوا: بَلِ اكْفِنَا الْمَلِكَ وَمَنْ مَعَهُ نَكْفِكَ أَهْلَ مِصْرَ، فَبَعَثَ وَاحِدًا مِنْ إِخْوَتِهِ فَعَدُّوا أَسْوَاقَ مِصْرَ فَوَجَدُوا فِيهَا تِسْعَةَ أَسْوَاقٍ، فَأَخَذَ كُلُّ، وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُوقًا، ثُمَّ إِنَّ يَهُوذَا دَخَلَ عَلَى يُوسُفَ وَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ! لَئِنْ لَمْ تُخَلِّ مَعَنَا أَخَانَا لَأَصِيحَنَّ صَيْحَةً تُبْقِي فِي مَدِينَتِكَ حَامِلًا إِلَّا أَسْقَطَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ خَاصَّةً فِيهِمْ عِنْدَ الْغَضَبِ، فَأَغْضَبَهُ يُوسُفُ وَأَسْمَعَهُ كَلِمَةً، فَغَضِبَ يَهُوذَا وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَانْتَفَجَتْ [نفجت: ثارت بقوة.] شَعَرَاتُهُ، وَكَذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي يَعْقُوبَ، كَانَ إِذَا غَضِبَ، اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ، وَانْتَفَخَ جَسَدُهُ، وَظَهَرَتْ شَعَرَاتُ ظَهْرِهِ، مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ، حَتَّى تَقْطُرَ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ قَطْرَةُ دَمٍ، وَإِذَا ضَرَبَ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ تَزَلْزَلَتْ وَتَهَدَّمَ الْبُنْيَانُ، وَإِنْ صَاحَ صَيْحَةً لَمْ تسمعه حامل من النساء والبهائم وَالطَّيْرِ إِلَّا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، تَمَامًا أَوْ غَيْرَ تَمَامٍ، فَلَا يَهْدَأُ غَضَبُهُ إِلَّا أَنْ يَسْفِكَ دَمًا، أَوْ تَمْسِكَهُ يَدٌ مِنْ نَسْلِ يَعْقُوبَ، فَلَمَّا عَلِمَ يُوسُفَ أَنَّ غَضَبَ أَخِيهِ يَهُوذَا قَدْ تَمَّ وَكَمُلَ كَلَّمَ وَلَدًا لَهُ صَغِيرًا بِالْقِبْطِيَّةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْ يَهُوذَا مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ، فَفَعَلَ فَسَكَنَ غَضَبُهُ [في ى: غيظه.] وَأَلْقَى السَّيْفَ فَالْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا لَعَلَّهُ يَرَى أَحَدًا مِنْ إِخْوَتِهِ فَلَمْ يَرَهُ، فَخَرَجَ مُسْرِعًا إِلَى إِخْوَتِهِ وَقَالَ: هَلْ حَضَرَنِي مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ قَالُوا: لَا! قَالَ: فَأَيْنَ ذَهَبَ شَمْعُونُ؟ قَالُوا: ذَهَبَ إِلَى الْجَبَلِ، فَخَرَجَ فَلَقِيَهُ، وَقَدِ احْتَمَلَ صَخْرَةً عَظِيمَةً، قَالَ: مَا تَصْنَعُ بِهَذِهِ؟ قَالَ أَذْهَبُ إِلَى السُّوقِ الَّذِي وَقَعَ فِي نَصِيبِي أَشْدَخُ بِهَا رُءُوسَ كُلِّ مَنْ فِيهِ، قَالَ: فَارْجِعْ فَرُدَّهَا أَوْ أَلْقِهَا في البحر، ولا تحدثن حدثا، فو الذي اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا! لَقَدْ مَسَّنِي كَفٌّ مِنْ نَسْلِ يَعْقُوبَ. ثُمَّ دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، وَكَانَ يُوسُفُ أَشَدَّهُمْ بَطْشًا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْعِبْرَانِيِّينَ! أَتَظُنُّونَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَشَدُّ مِنْكُمْ قُوَّةً، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى حَجَرٍ عَظِيمٍ مِنْ حِجَارَةِ الطَّاحُونَةِ فَرَكَلَهُ بِرِجْلِهِ فَدَحَا بِهِ مِنْ خَلْفِ الْجِدَارِ- الرَّكْلُ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ، وَقَدْ رَكَلَهُ يَرْكُلُهُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ- ثُمَّ أَمْسَكَ يَهُوذَا بِإِحْدَى يَدَيْهِ فَصَرَعَهُ [لِجَنْبِهِ] [في ع وى: لجنبه وفى و: لحينه.] ، وَقَالَ: هَاتِ الْحَدَّادِينَ أَقْطَعْ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَأَضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ صَعِدَ عَلَى سَرِيرِهِ وَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَأَمَرَ بِصُوَاعِهِ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ نَقَرَهُ نَقْرَةً فَخَرَجَ طَنِينُهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟ قَالُوا: لَا! قَالَ: فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى قَلْبِ أَبِي هَؤُلَاءِ هَمٌّ وَلَا غَمٌّ وَلَا كَرْبٌ إِلَّا بِسَبَبِهِمْ، ثُمَّ نَقَرَ نَقْرَةً ثَانِيَةً وَقَالَ: إِنَّهُ يُخْبِرُنِي أَنَّ هَؤُلَاءِ أَخَذُوا أَخًا لَهُمْ صَغِيرًا فَحَسَدُوهُ وَنَزَعُوهُ مِنْ أَبِيهِمْ ثُمَّ أَتْلَفُوهُ، فَقَالُوا: أَيُّهَا الْعَزِيزُ! اسْتُرْ عَلَيْنَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَنَقَرَهُ نَقْرَةً ثَالِثَةً وَقَالَ إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ طَرَحُوا صَغِيرَهُمْ فِي الْجُبِّ، ثُمَّ بَاعُوهُ بَيْعَ الْعَبِيدِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وَزَعَمُوا لِأَبِيهِمْ أَنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ، ثُمَّ نَقَرَهُ رَابِعَةً وَقَالَ: إِنَّهُ يُخْبِرُنِي أَنَّكُمْ أَذْنَبْتُمْ ذَنْبًا مُنْذُ ثَمَانِينَ سَنَةً لَمْ تَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ مِنْهُ، وَلَمْ تَتُوبُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ نَقَرَهُ خَامِسَةً وَقَالَ إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ أَخَاهُمُ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ هَلَكَ لَنْ تَذْهَبَ الْأَيَّامُ حَتَّى يَرْجِعَ فَيُخْبِرَ النَّاسَ بِمَا صَنَعُوا، ثُمَّ نَقَرَهُ سَادِسَةً وَقَالَ إِنَّهُ يَقُولُ: لَوْ كُنْتُمْ أَنْبِيَاءَ أَوْ بَنِي أَنْبِيَاءَ مَا كَذَبْتُمْ وَلَا عَقَقْتُمْ وَالِدَكُمْ، لَأَجْعَلَنَّكُمْ نَكَالًا لِلْعَالَمِينَ. ايتُونِي بالحدادين أقطع أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، فَتَضَرَّعُوا وَبَكَوْا وَأَظْهَرُوا التَّوْبَةَ وَقَالُوا: لَوْ قَدْ أَصَبْنَا أَخَانَا يُوسُفَ إِذْ هُوَ حَيٌّ لَنَكُونَنَّ طَوْعَ يَدِهِ، وَتُرَابًا يَطَأُ عَلَيْنَا بِرِجْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ يُوسُفُ مِنْ إِخْوَتِهِ بَكَى وَقَالَ لَهُمُ: اخْرُجُوا عَنِّي! قَدْ خَلَّيْتُ سَبِيلَكُمْ إِكْرَامًا لِأَبِيكُمْ، وَلَوْلَا هُوَ لَجَعَلْتُكُمْ نَكَالًا.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ﴾ أَيْ: أَيِسُوا مِنْ يُوسُفَ أَنْ يُجِيبَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: اسْتَيْئَسُوا اسْتَيْقَنُوا أَنَّ الْأَخَ لَا يُرَدُّ إِلَيْهِمْ.
﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أَيْ: خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ يَتَنَاجَوْنَ وَيَتَشَاوَرُونَ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ.
وَالنَّجِيُّ يَصْلُحُ لِلْجَمَاعَةِ كَمَا قَالَ هَا هُنَا، وَيَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] ١٨٥/ب وَإِنَّمَا جَازَ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ جُعِلَ نَعْتًا كَالْعَدْلِ وَالزُّورِ، وَمِثْلُهُ النَّجْوَى يَكُونُ اسْمًا وَمَصْدَرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] ، أَيْ: مُتَنَاجُونَ. وَقَالَ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] ، وَقَالَ فِي الْمَصْدَرِ ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] .
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ يَعْنِي: فِي الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ لَا فِي السِّنِّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ يَهُوذَا وَهُوَ أَعْقَلُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ شَمْعُونُ، وَكَانَتْ لَهُ الرِّئَاسَةُ عَلَى إِخْوَتِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ رُوبِيلُ، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ فِي السِّنِّ، وَهُوَ الَّذِي نَهَى الْإِخْوَةَ عَنْ قَتْلِ يُوسُفَ [ذكر هذه الروايات: السيوطي في الدر المنثور: ٤ / ٥٦٥، والطبري في التفسير: ١٦ / ٢٠٦-٢٠٨، وقال مرجحا إنه "روبيل": "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: عني بقوله "قال كبيرهم" روبيل، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنا. ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم: "فلان كبير القوم" مطلقا بغير وصل، إلا أحد معنيين: إما في الرياسة عليهم والسؤدد، وإما في السن. فأما في العقل؛ فإنهم إذا أرادوا ذلك وصوله فقالوا: "هو كبيرهم في العقل". فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك، فلا يفهم إلا ما ذكرت. وقد قال أهل التأويل: لم يكن لشمعون =وإن كان من العلم والعقل بالمكان الذي جعله الله به= على إخوته رياسة وسؤدد، فيعلم بذلك أنه عنى بقوله: "قال كبيرهم". فإذا كان ذلك كذلك، فلم يبق إلا الوجه الآخر، وهو الكبر في السن. وقد قال الذين ذكرنا جميعا: "روبيل كان أكبرهم سنا" فصح بذلك القول الذي اخترناه".] .
﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا﴾ عَهْدًا.
﴿مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ﴾ قَصَّرْتُمْ ﴿فِي يُوسُفَ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ " مَا "؛ قِيلَ: هُوَ نَصْبٌ بِإِيقَاعِ الْعَلَمِ عَلَيْهِ، يَعْنِي: أَلَمْ تَعْلَمُوا مِنْ قَبْلِ تَفْرِيطِكُمْ فِي يُوسُفَ.
[وَقِيلَ: وَهُوَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ هَذَا تَفْرِيطُكُمْ فِي يُوسُفَ] [ما بين القوسين ساقط من "ب".] وَقِيلَ: ﴿مَا﴾ صِلَةٌ. أَيْ: وَمِنْ قَبْلِ هَذَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ.
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ الَّتِي أَنَا بِهَا وَهِيَ أَرْضُ مِصْرَ ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَيَدْعُونِي، ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بِرَدِّ أَخِي إِلَيَّ، أَوْ بِخُرُوجِي وَتَرْكِ أَخِي. وَقِيلَ: أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ فَأُقَاتِلُهُمْ وَأَسْتَرِدُّ أَخِي.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أَعْدَلُ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ النَّاسِ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال : ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ . . . ) .وقوله ( استيأسوا ) يئسوا يأساً تاماً فالسين والتاء للمبالغة .و ( خلصوا ) من الخلوص بمعنى الانفراد .و ( نجيا ) حال من فاعل خلصوا . وهو مصدر أطلق على المتناجين فى السر على سبيل المبالغة .والفاء فى قوله ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ . . . ) معطوفة على محذوف يفهم من الكلام .والتقدير : لقد بذل إخوة يوسف أقصى جهودهم معه ليطلق لهم سراح أخيهم بنيامين ، فلما يئسوا يأساً تاماً من الوصول إلى مطلوبهم ، انفردوا عن الناس ليتشاوروا فيما يفعلونه ، وفيما سيقولونه لأبيهم عندما يعودون إليه ولا يجد معهم " بنيامين " .هذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى - ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً ) من أبلغ الجمل التى اشتمل عليها القرآن الكريم ، ومن العلماء الذين أشاروا إلى ذلك الإِمام الثعالبى فى كتاب " الإيجاز والإعجاز " فقد قال : من أراد أن يعرف جوامع الكلم ، ويتنبه لفضل الاختصار ويحيط ببلاغة الإِيجاز ، ويفطن لكفاية الإِيجاز ، فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام .ثم قال : فمن ذلك قوله - تعالى - فى إخوة يوسف ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً ) وهذه صفة اعتزالهم جميع الناس ، وتقليبهم الآراء ظهراً لبطن ، وأخذهم فى تزوير ما يلقون به أباهم عند عودتهم إليه ، وما يوردون عليه من ذكر الحادث .فتضمنت تلك الكلمات القصيرة ، معانى القصة الطويلة .وقوله : ( قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ . . . ) إلخ بيان لما قاله لهم أحدهم خلال تناجيهم مع بعهضم فى عزلة عن الناس .ولم يذكر القرآن اسم كبيرهم ، لأنه لا يتعلق بذكره غرض منهم ، وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد به " روبيل " لأنه أسنهم ، وذكر بعضهم أنه " يهوذا " لأنه كبيرهم فى العقل . .أى : وحين اختلى إخوة يوسف بعضهم مع بعض لينظروا فى أمرهم بعد أن احتجز عزيز مصر أخاهم بنيامين ، قال لهم كبيرهم :( أَلَمْ تعلموا ) وأنتم تريدون الرجعو إلى أبيكم وليس معكم " بنيامين " .( أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله ) عندما أرسله معكم ، بأن تحفظوا عليه ، وأن لا تعودوا إليه بدونه إلا أن يحاط بكم .وألم تعلموا كذلك أنكم فى الماضى قد فرطتم وقصرتم فى شأن يوسف ، حيث عاهدتم أباكم على حفظه ، ثم ألقيتم به فى الجب .والاستفهام فى قوله : ( أَلَمْ تعلموا . . . ) للتقرير ، أى : لقد علمتم علما يقينا بعهد أبيكم عليكم بشأن بنيامين ، وعلمتم علما يقينا بخيانتكم لعهد أبيكم فى شأن يوسف ، فبأى وجه ستعودون إلى أبيكم وليس معكم أخوكم بنيامين؟قال الشوكانى : قوله : ( أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله ) أى عهدا من الله - تعالى - بحفظ ابنه ورده إليه . ومعنى كونه من الله : أنه بإذنه .وقوله ( وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ) معطوف على ما قبله . والتقدير : ألم تعلموا أن أباكم . . . وتعلموا تفريطكم فى يوسف ، فقوله ( وَمِن قَبْلُ ) متعلق بتعلموا .أى : تعلموا تفريطكم فى يوسف من قبل . على أن ما مصدرية .وقوله ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حتى يَأْذَنَ لي . . . ) حكاية للقرار الذى اتخذه كبيرهم بالنسبة لنفسه .أى : قال كبير إخوة يوسف لهم : لقد علمتم ما سبق أن قلته لكم ، فانظروا فى أمركم ، أما أنا ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض ) أى : فلن أفارق أرض مصر ( حتى يَأْذَنَ لي ) بمفارقتها ، لأنه قد أخذ علينا العهد الذى تعلمونه بشأن أخى بنيامين ( أَوْ يَحْكُمَ الله لِي . . ) حكاية للقرار الذى اتخذه كبيرهم بالنسبة لنفسه .أى : قال كبير إخوة يوسف لهم : لقد علمتم ما سبق أن قلته لكم ، فانظروا فى أمركم ، أما أنا ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض ) أى : فلن أفارق مصر ( حتى يَأْذَنَ لي أبي ) بمفارقتها ، لأنه قد أخذ علينا العهد الذى تعلمونه بشأن أخى بنيامين . ( أَوْ يَحْكُمَ الله لِي ) بالخروج منها وبمفارقتها على وجه لا يؤدى إلى نقض الميثاق مع أبى ( وهو ) - سبحانه - ( خَيْرُ الحاكمين ) لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل .