مقارنة التفاسير
الحجر · الآية 26
مِن مِّنۡ ﴿٢٦﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الحجر · الآية 26
مِن مِّنۡ ﴿٢٦﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ولقد خلقنا آدم مِن طين يابس إذا نُقِر عليه سُمع له صوت، وهذا الطين اليابس من طين أسودَ متغيِّر لونه وريحه؛ مِن طول مكثه.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يذكر تعالى نعمته وإحسانه على أبينا آدم عليه السلام، وما جرى من عدوه إبليس، وفي ضمن ذلك التحذير لنا من شره وفتنته فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ أي آدم عليه السلام ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أي: من طين قد يبس بعد ما خمر حتى صار له صلصلة وصوت، كصوت الفخار، والحمأ المسنون: الطين المتغير لونه وريحه من طول مكثه.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 26 إلى 27 معاً في نص واحد.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: الْمُرَادُ بِالصَّلْصَالِ هَاهُنَا: التُّرَابُ الْيَابِسُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مَن مَّارِجٍ مِّنْ نَّارٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١٤-١٥]
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أيضا: الصلصال: المنتن.
وتفسير الآية بِالْآيَةِ أَوْلَى [في أ: "الأولى".]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أَيِ: الصَّلْصَالُ مِنْ حَمَأٍ، وَهُوَ: الطِّينُ. وَالْمَسْنُونُ: الْأَمْلَسُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [هو عبد الرحمن بن حسان، والبيت في اللسان، مادة (سنن) .] ثُمَّ خَاصَرْتُهَا إِلَى الْقُبَّةِ الخضراءتمشي فِي مَرْمَرٍ مَسْنُونٍ
أَيْ: أَمْلَسَ صَقِيلٍ.
وَلِهَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ: هُوَ التُّرَابُ الرَّطْبُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ أَيْضًا: أَنَّ الْحَمَأَ الْمَسْنُونَ هُوَ الْمُنْتِنُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَسْنُونِ هَاهُنَا: الْمَصْبُوبُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ الْإِنْسَانِ ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ السَّمُومُ الَّتِي تَقْتُلُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: السَّمُومُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: السَّمُومُ بِاللَّيْلِ، وَالْحَرُورُ بِالنَّهَارِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَمْرو الْأَصَمِّ أَعُودُهُ، فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: هَذِهِ السَّمُومُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ السَّمُومِ الَّتِي خُلِقَ [في ت، أ: "خلق الله منها".] مِنْهَا الْجَانُّ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [ورواه الطبري في تفسيره (١٦/٢١) من طريق شعبة به نحوه.]
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْجَانَّ خُلق مِنْ لَهَبِ النَّارِ، وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ أَحْسَنِ النَّارِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: مِنْ نَارِ الشَّمْسِ، وَقَدْ وَرَدَ في الصحيح: "خُلقت الملائكة من نور، وخُلقت الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وخُلق بَنُو آدَمَ مِمَّا وصِف لَكُمْ" [صحيح مسلم برقم (٢٩٩٦) من حديث عائشة، رضي الله عنها.] وَمَقْصُودُ الْآيَةِ: التَّنْبِيهُ عَلَى شَرَفِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَطِيبِ عُنْصُرِهِ، وَطَهَارَةِ مَحْتده [في ت: "محقده".]
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا آدم وهو الإنسان من صلصال. واختلف أهل التأويل في معنى الصلصال، فقال بعضهم: هو الطين اليابس لم تصبه نار، فإذا نقرتَه صَلَّ فسمعت له صلصلة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهديّ، قالا ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خلق آدم من صلصال من حمأ ومن طين لازب، وأما اللازب: فالجيد، وأما الحَمَأ: فالحمأة، وأما الصَّلصال: فالتراب المرقَّق، وإنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ قال: والصلصال: التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة.
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال: الصلصال: الطين اليابس يسمع له صلصلة.
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ قال: الصلصال: الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسَرُ عنها، فتشقق، ثم تصير مثل الخَزَف الرقاق.
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خُلق الإنسان من ثلاثة: من طين لازب، وصلصال، وحمأ مسنون. والطين اللازب: اللازق الجيد، والصلصال: المرقق الذي يصنع منه الفخار، والمسنون: الطين فيه الحَمْأة.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال: هو التراب اليابس الذي يُبَل بعد يُبسه.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن مسلم، عن مجاهد، قال: الصلصال: الذي يصلصل، مثل الخَزَف من الطين الطيب.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول: الصلصال: طين صُلْب يخالطه الكثيب.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ قال: التراب اليابس.
وقال آخرون: الصلصال: المُنْتِن. وكأنهم وجَّهوا ذلك إلى أنه من قولهم: صلّ اللحم وأصلّ، إذا أنتن، يقال ذلك باللغتين كلتيهما: يَفْعَل وأَفْعَل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ الصلصال: المنتن.
والذي هو أولى بتأويل الآية أن يكون الصلصال في هذا الموضع الذي له صوت من الصلصلة، وذلك أن الله تعالى وصفه في موضع آخر فقال ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ فشبهه تعالى ذكره بأنه كان كالفخَّار في يُبسه. ولو كان معناه في ذلك المُنتِن لم يشبهه بالفخارِّ، لأن الفخار ليس بمنتن فيشبَّه به في النتن غيره.
وأما قوله ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ فإن الحمأ: جمع حَمْأة، وهو الطين المتَغيِّر إلى السواد.
* *
وقوله ﴿مَسْنُونٍ﴾
يعني: المتغير.
واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قوله ﴿مَسْنُونٍ﴾ فكان بعض نحويِّي البصريين يقول: عني به: حمأ مصورّ تامّ. وذُكر عن العرب أنهم قالوا: سُنّ على مثال سُنَّة الوجه: أي صورته. قال: وكأن سُنة الشيء من ذلك: أي مثالَه الذي وُضع عليه. قال: وليس من الآسن المتغير، لأنه من سَنَن مضاعف.
وقال آخر منهم: هو الحَمَأ المصبوب. قال: والمصبوب: المسنون، وهو من قولهم: سَنَنْت الماء على الوجه وغيره إذا صببته.
وكان بعض أهل الكوفة يقول: هو المتغير، قال: كأنه أخذ من سَنَنْت الحَجَر على الحجر، وذلك أن يحكّ أحدهما بالآخر، يقال منه: سننته أسنُه سَنًّا فهو مسنون. قال: ويقال للذي يخرج من بينهما: سَنِين، ويكون ذلك مُنْتنا. وقال: منه سُمِّيَ المِسَنّ لأن الحديد يُسَنُّ عليه. وأما أهل التأويل، فإنهم قالوا في ذلك نحو ما قلنا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا عبيد الله بن يوسف الجبيري، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال: الحمأ: المنتنة.
⁕ حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال: الذي قد أنتن.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال: منتن.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال: هو التراب المبتلّ المنتنُ، فجعل صَلصالا كالفَخار.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال: منتن.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ والحمأ المسنون: الذي قد تغير وأنتن.
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال: قد أنتن، قال: منتنة.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال: من طين لازب، وهو اللازق من الكثيب، وهو الرمل.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال: الحمأ المنتن.
وقال آخرون منهم في ذلك: هو الطين الرَّطْب.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ يقول: من طين رَطب.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (مِنْ صَلْصالٍ) أَيْ مِنْ طِينٍ يَابِسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَالصَّلْصَالُ: الطِّينُ الْحُرُّ خُلِطَ بِالرَّمْلِ فَصَارَ يَتَصَلْصَلُ إِذَا جَفَّ، فَإِذَا طُبِخَ بِالنَّارِ فَهُوَ الْفَخَّارُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَأَنْشَدَ أَهْلُ اللُّغَةِ:
كَعَدْوِ الْمُصَلْصِلِ الْجَوَّالِ [هذا عجز البيت. وتمامه كما في اللسان: عنتريس تعدو إذا مسها الصو ... ت كعدو المسلسل الجوال]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الطِّينُ الْمُنْتِنُ، وَاخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ. قَالَ: وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: صَلَّ اللَّحْمُ وَأَصَلَّ إِذَا أَنْتَنَ- مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ نِيئًا- يَصِلُّ صُلُولًا. قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
ذَاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذَا قِدْرِهِ ... لَا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ
وَطِينٌ صَلَّالٌ وَمِصْلَالٌ، أَيْ يُصَوِّتُ إِذَا نَقَرْتَهُ كَمَا يُصَوِّتُ الْحَدِيدُ. فَكَانَ أَوَّلَ تُرَابًا، أَيْ مُتَفَرِّقَ الْأَجْزَاءِ ثُمَّ بُلَّ فَصَارَ طِينًا، ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى أَنْتَنَ فَصَارَ حَمَأً مَسْنُونًا، أَيْ مُتَغَيِّرًا، ثُمَّ يَبَسَ فَصَارَ صَلْصَالًا، عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" بَيَانُ [راجع ج ١ ص ٢٨٧، وص ٢٧٩.] هَذَا. وَالْحَمَأُ: الطِّينُ الأسود، وكذلك الحمأة بالتسكين، تقول منه: حميت البئر حمأ (بالتسكين) إذا نزعت حماتها. وحميت الْبِئْرُ حَمَأً (بِالتَّحْرِيكِ) كَثُرَتْ حَمْأَتُهَا. وَأَحْمَأْتُهَا إِحْمَاءً أَلْقَيْتُ الْحَمْأَةَ، عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْحَمْأَةُ (بِسُكُونِ الْمِيمِ) مِثْلُ الْكَمْأَةِ. وَالْجَمْعُ حمأ، مِثْلَ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ. وَالْحَمَأُ الْمَصْدَرُ، مِثْلُ الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ. وَالْمَسْنُونُ الْمُتَغَيِّرُ. قَالَ ابن عباس: (هو التراب المبتل المنتن، فَجُعِلَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، قَالَا: الْمُنْتِنُ الْمُتَغَيِّرُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَدْ أَسَنَ الْمَاءُ إِذَا تَغَيَّرَ، وَمِنْهُ" يَتَسَنَّهْ [راجع ج ٣ ص ٢٨٨.] "وَ" ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [راجع ج ١٦ ص ٢٣٦.] ". وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ:
سَقَتْ صَدَايَ رُضَابًا غَيْرَ ذِي أَسَنٍ ... كَالْمِسْكِ فُتَّ عَلَى مَاءِ الْعَنَاقِيدِ
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ الْمُتَغَيِّرُ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: سَنَنْتُ الْحَجَرَ عَلَى الْحَجَرِ إِذَا حَكَكْتُهُ بِهِ. وَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَجَرَيْنِ يُقَالُ لَهُ: السَّنَانَةُ وَالسَّنِينُ، وَمِنْهُ الْمِسَنُّ. قَالَ الشَّاعِرُ:
ثُمَّ خَاصَرْتُهَا إِلَى الْقُبَّةِ الحم ... راء [في اللسان: الخضراء.] تمشى تمشى في مرمر مسنون
أي محكول مُمَلَّسٍ. حُكِيَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِأَبِيهِ: أَلَا تَرَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانَ يُشَبِّبُ بِابْنَتِكَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَمَا قَالَ؟ فَقَالَ قال:
هي زهراء مثل لؤلوة الغو ... اص مِيزَتْ مِنْ جَوْهَرٍ مَكْنُونِ
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقَ! فَقَالَ يَزِيدُ [إِنَّهُ يَقُولُ [الزيادة عن السان.] ]:
وَإِذَا مَا نَسَبْتَهَا لَمْ تَجِدْهَا ... فِي سَنَاءٍ مِنَ الْمَكَارِمِ دُونِ
فَقَالَ: صَدَقَ! فَقَالَ: أَيْنَ قَوْلُهُ: ثُمَّ خَاصِرَتُهَا ... الْبَيْتَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَذَبَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَسْنُونُ الْمَصْبُوبُ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: سَنَنْتُ الْمَاءَ وَغَيْرَهُ عَلَى الْوَجْهِ إِذَا صَبَبْتَهُ. وَالسَّنُّ الصَّبُّ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَسْنُونُ الرَّطْبُ، وَهَذَا بِمَعْنَى الْمَصْبُوبِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَصْبُوبًا إِلَّا وَهُوَ رَطْبٌ. النَّحَّاسُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: سَنَنْتُ الشَّيْءَ أَيْ صَبَبْتُهُ. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: وَمِنْهُ الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ [في نهاية ابن الأثير: "ابن عمر".] أَنَّهُ كَانَ يَسُنُّ الْمَاءَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَا يَشُنُّهُ. وَالشَّنُّ (بِالشِّينِ) تَفْرِيقُ الْمَاءِ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ صَبُّهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الْمَسْنُونُ الْمُصَوَّرُ. أُخِذَ مِنْ سُنَّةِ الْوَجْهِ وَهُوَ صُورَتُهُ. وقال ذو الرمة:
تريك سنة وجه مفرقة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب [السنة: الصورة. والمقرفة: التي دنت من الهجينة. والندب: الأثر من الجراح والقراخ. وقوله: غير مقرنة، أي غير هجينة، عفيفة كريمة. خال: شامة، وندب: أثر الجرح.] وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْمَسْنُونُ. الْمَنْصُوبُ الْقَائِمُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: وَجْهٌ مَسْنُونٌ إِذَا كَانَ فِيهِ طُولٌ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الصَّلْصَالَ لِلتُّرَابِ الْمُدَقَّقِ، حَكَاهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلْصَالَ هُوَ الْمُنْتِنُ فَأَصْلُهُ صلال، فأبدل من إحدى اللامين الصاد. و "مِنْ حَمَإٍ" مُفَسِّرٌ لِجِنْسِ الصَّلْصَالِ، كَقَوْلِكَ: أَخَذْتُ هذا من رجل من العرب.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 25 إلى 26 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 25.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ عَلَى مَا عَلِمَ مِنْهُمْ.
وَقِيلَ: يُمِيتُ الْكُلَّ، ثُمَّ يَحْشُرُهُمُ، الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُؤَذِّنُ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ" [أخرجه الحاكم في المستدرك: ٤ / ٣١٣ عن جابر رضي الله عنه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ٣ / ٣١٣ عن جابر، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: ١ / ٢٩، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٤٠١. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٢٨٣) ١ / ٥١٠، وانظر: كنز العمال: ١٥ / ٦٨١. وأخرج مسلم من طريق جرير عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ ويقول: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، برقم (٢٨٧٨) ٤ / ٢٢٠٦.] .
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، سُمِّيَ إِنْسَانًا لِظُهُورِهِ وَإِدْرَاكِ الْبَصَرِ إِيَّاهُ. وَقِيلَ: مِنَ النِّسْيَانِ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ.
﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ وَهُوَ الطِّينُ الْيَابِسُ الَّذِي إِذَا نَقَرْتَهُ سَمِعْتَ لَهُ صَلْصَلَةً، أَيْ: صَوْتًا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الطِّينُ الْحُرُّ، الَّذِي نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ تَشَقَّقَ، فَإِذَا حُرِّكَ تَقَعْقَعَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الطِّينُ الْمُنْتِنُ. وَاخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ صَلَّ اللَّحْمُ وَأَصَلَّ، إِذَا أَنْتَنَ [انظر: المحرر الوجيز: ٨ / ٣٠٣-٣٠٥، البحر المحيط: ٥ / ٤٥٣.] ﴿مِنْ حَمَإٍ﴾ وَالْحَمَأُ: الطِّينُ الْأَسْوَدُ ﴿مَسْنُونٍ﴾ أَيْ: مُتَغَيِّرٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هُوَ الْمُنْتِنُ الْمُتَغَيِّرُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْمَصْبُوبُ. تَقُولُ الْعَرَبُ: سَنَنْتُ الْمَاءَ أَيْ صَبَبْتُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ التُّرَابُ الْمُبْتَلُّ الْمُنْتِنُ، جُعِلَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ [انظر المحرر الوجيز: ٨ / ٣٠٥-٣٠٦، زاد المسير: ٤ / ٣٩٧-٣٩٨.] .
وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَمَّرَ طِينَةَ آدَمَ وَتَرَكَهُ حَتَّى صَارَ مُتَغَيِّرًا أَسْوَدَ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ [أخرج نحوا من هذا مطولا: ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عليه، وما انفرد به ابن عساكر فهو ضعيف غالبا. انظر: الدر المنثور: ٥ / ٧٧.] .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
والمراد بالإِنسان فى قوله - سبحانه - ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ ) آدم - عليه السلام - لأنه أصل النوع الإِنسانى ، وأول فرد من أفراده .والصلصال : الطين اليابس الذى يصلصل ، أى : يحدث صوتاً إذا حرك أو نقر عليه ، كما يحدث الفخار قال - تعالى - ( خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار ) وقيل : الصلصال : الطين المنتن ، مأخوذ من قولهم : صَلَّ اللحم وأصلَّ ، إذا أنتن . .قال الإِمام ابن جرير : " والذى هو أولى بتأويل الآية ، أن يكون الصلصال فى هذا الموضع ، الطين اليابس الذى لم تصبه النار ، فإذا نقرته صل فسمعت له صلصلة - وذلك أن الله - تعالى - وصفه فى موضع آخر فقال : ( خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار ) فشبهه - تعالى ذكره - بأنه كالفخار في يُبسِه ، ولو كان معناه فى ذلك المنتن لم يشبهه بالفخار ، لأن الفخار ليس بمنتن فيشبه به فى النتن غيره " .والحمأ : الطين إذا اشتد سواده وتغيرت رائحته .والمسنون : المصور من سن الشئ إذا صوره .قال الآلوسى ما ملخصه : ( من حمأ ) أى : من طين تغير واسود من مجاورة الماء ، ويقال للواحدة حمأة - بسكون الميم - . . .وقوله ( مسنون ) أى : مصوَّر من سُنَّة الوجه وهى صورته . وأنشد لذلك ابن عباس قول عمه حمزة يمدح النبى ﷺ :أغرُّ كأن البدرَ سنَّةُ وجهه ... جلا الغيم عنه ضوؤه فتبدداوقيل مسنون : " أى مصبوب ، من سنَّ الماء بمعنى صبه . ويقال شَنَّ - بالشين أيضاً - : أى : مفرغ على هيئة الإِنسان . . . وقيل : المسنون : المنتن . . . " .والذى يتدبر القرآن الكريم يرى أن الله - تعالى - قد وضح فى آيات متعددة أطوار خلق آدم - عليه السلام - ، فقد بين فى بعض الآيات أنه خلقه من تراب ، كما فى قوله - تعالى - ( إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ . . . ) وبين فى آيات أخرى أنه - سبحانه - خلقه من طين ، كما فى قوله - تعالى - ( الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ) وبين هنا أنه - سبحانه - خلقه ( مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ) .قال الجمل : " وهذا الطور آخر أطوار آدم الطينية ، وأول ابتدائه أنه كان ترابا متفرق الأجزاء ، ثم بُلَّ - أى التراب - فصار طينا ، ثم ترك حتى أنتن وأسود فصار حمأ مسنونا .أى : متغيرا ، ثم يبس فصار صلصالاً ، وعلى هذه الأحوال والأطوار تتخرج الآيات الواردة فى أطواره الطينية ، كآية خلقه من تراب ، وآية ( بَشَراً مِّن طِينٍ ) وهذه الآية التى نحن فيها " .والمقصود من هذه الآيات الكريمة ، التنبيه على عجيب صنع الله - تعالى - وعظيم قدرته ، حيث أخرج - سبحانه - الجملة الكريمة بلام القسم وقد ، لزيادة التحقيق ، وللإِرشاد إلى أهمية هذا الخلق ، وأنه بهذه الصفة .و ( من ) فى قوله ( من صلصال ) لابتداء الغاية أو للتبعيض ، وفى قوله ( من حمأ ) ابتدائية .والجار والمجرور صفة لصلصال أى : من صلصال كائن من حمأ ، ومسنون صفة لحمأ .