مقارنة التفاسير
الإسراء · الآية 25
بِمَا فِي إِن فَإِنَّهُۥ كَانَ ﴿٢٥﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الإسراء · الآية 25
بِمَا فِي إِن فَإِنَّهُۥ كَانَ ﴿٢٥﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ربكم -أيها الناس- أعلم بما في ضمائركم مِن خير وشر. إن تكن إرادتكم ومقاصدكم مرضاة الله وما يقربكم إليه، فإنه كان -سبحانه- للراجعين إليه في جميع الأوقات غفورًا، فمَن عَلِمَ الله أنه ليس في قلبه إلا الإنابة إليه ومحبته، فإنه يعفو عنه، ويغفر له ما يعرض من صغائر الذنوب؛ مما هو من مقتضى الطبائع البشرية.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
أي: ربكم تعالى مطلع على ما أكنته سرائركم من خير وشر وهو لا ينظر إلى أعمالكم وأبدانكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وما فيها من الخير والشر. ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ بأن تكون إرادتكم ومقاصدكم دائرة على مرضاة الله ورغبتكم فيما يقربكم إليه وليس في قلوبكم إرادات مستقرة لغير الله. ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ أي: الرجاعين إليه في جميع الأوقات ﴿غَفُورًا﴾ فمن اطلع الله على قلبه وعلم أنه ليس فيه إلا الإنابة إليه ومحبته ومحبة ما يقرب إليه فإنه وإن جرى منه في بعض الأوقات ما هو مقتضى الطبائع البشرية فإن الله يعفو عنه ويغفر له الأمور العارضة غير المستقرة.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ [في ت، ف: "يكون".] مِنْهُ الْبَادِرَةُ إِلَى أَبَوَيْهِ، وَفِي نِيَّتِهِ وَقَلْبِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِهِ -وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يُرِيدُ إِلَّا الْخَيْرَ بِذَلِكَ -فَقَالَ: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾
* *
وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [زيادة من ت.] : ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: لِلْمُطِيعِينَ أَهْلِ الصَّلَاةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمُسَبِّحِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْمُطِيعِينَ الْمُحْسِنِينَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الضُّحَى [في ت: "الصبح".] .
وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي قَوْلِهِ: ﴿[فَإِنَّهُ] كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [في ت، ف: "إنه" وهو خطأ.] قَالَ: الَّذِي يُصِيبُ الذَّنْبَ ثُمَّ يَتُوبُ، وَيُصِيبُ الذَّنْبَ ثُمَّ يَتُوبُ.
وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ وَمَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ نَحْوَهُ، وَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ] [زيادة من ف.] الْمُسَيَّبِ، بِهِ وَكَذَا قَالَ عَطَاءُ بن يسار.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ الرَّاجِعُونَ إِلَى الْخَيْرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قَالَ: هُوَ الَّذِي إِذَا ذَكَرَ ذُنُوبَهُ فِي الْخَلَاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا. وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مُجَاهِدٌ [في ف: "ووافقه مجاهد في ذلك".] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قَالَ: كُنَّا نُعِدُّ الْأَوَّابَ الْحَفِيظَ، أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَصَبْتُ [في ت: "ما أحببت".] فِي مَجْلِسِي هَذَا [تفسير عبد الرزاق (١/٣٢٠) .] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، الرَّاجِعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، مِمَّا يَكْرَهُ اللَّهُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ [تفسير الطبري (١٥/٥٢) .] .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّابَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَوْبِ وَهُوَ الرُّجُوعُ، يُقَالُ: آبَ فُلَانٌ إِذَا رَجَعَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٢٥] ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ قَالَ [في ف، أ: "يقول".] : آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ" [رواه البخاري في صحيحه برقم (١٧٩٧) من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما] .
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) ﴾
يقول تعالى ذكره ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيها الناس ﴿أعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من تعظيمكم أمر آبائكم وأمهاتكم وتكرمتهم، والبرّ بهم، وما فيها من اعتقاد الاستخفاف بحقوقهم، والعقوق لهم، وغير ذلك من ضمائر صدوركم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو مجازيكم على حَسَن ذلك وسيِّئه، فاحذروا أن تُضمروا لهم سوءا، وتعقِدوا لهم عقوقا.
* *
وقوله ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾
يقول: إن أنتم أصلحتم نياتكم فيهم، وأطعتم الله فيما أمركم به من البرّ بهم، والقيام بحقوقهم عليكم، بعد هفوة كانت منكم، أو زلة في واجب لهم عليكم مع القيام بما ألزمكم في غير ذلك من فرائضه، فإنه كان للأوّابين بعد الزَّلة، والتائبين بعد الهَفْوة غفورا لهم.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي وعمي عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ قال: البادرة تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير، فقال ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ .
⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرني أبي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، بمثله.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن حبيب بن أبي ثابت، في قوله ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه وفي نيته وقلبه أنه لا يؤاخَذ به.
واختلف أهل التأويل، في تأويل قوله ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾
فقال بعضهم: هم المسبِّحون.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة؛ وحدثني ابن سنان القزاز، قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: المسبحين.
⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا أبو خيثمة زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمرو بن شرحبيل، قال: الأوّاب: المسبح.
وقال آخرون: هم المطيعون المحسنون.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ يقول: للمطيعين المحسنين.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: هم المطيعون، وأهل الصلاة.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: للمطيعين المصلين.
وقال آخرون: بل هم الذين يصلون بين المغرب والعشاء.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن ابن المنكدر يرفعه ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: الصلاة بين المغرب والعشاء.
وقال آخرون: هم الذين يصلُّون الضُّحَى.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا رباح أبو سليمان الرقاء، قال: سمعت عونا العُقيليّ يقول في هذه الآية ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: الذين يصلون صلاة الضحى.
وقال آخرون: بل هو الراجع من ذنبه، التائب منه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أحمد بن الوليد القرشيّ، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال في هذه الآية ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: الذي يصيب الذنب ثم يتوب ثم يصيب الذنب ثم يتوب.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا سليمان بن داود، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب في هذا الآية ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ .
⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يُسْأَل عن هذه الآية ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، بنحوه.
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن سعيد بن المسيب، بنحوه.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: هو العبد يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: فذكر مثله.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثَّوريّ ومعمر، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، قال: الأوّاب: الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: الراجعين إلى الخير.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد وأبو داود وهشام، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، بنحوه.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان؛ وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، جميعا عن منصور، عن مجاهد عن عبيد بن عمير ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر الله منها.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن منصور، عن مجاهد، قال: الأوّاب: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها.
⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، أنه قال في هذه الآية ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: الذي يذكر ذنبه ثم يتوب.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قالا ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله جلّ ثناؤه ﴿للأوَّابِين غَفُورًا﴾ قال: الأوّابون: الراجعون التائبون.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
قال ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: الرجل يذنب ثم يتوب ثلاثا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، قوله ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: الذي يتذكر ذنوبه، فيستغفر الله لها.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عطاء بن يسار، أنه قال في قوله ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ يذنب العبد ثم يتوب، فيتوب الله عليه؛ ثم يذنب فيتوب، فيتوب الله عليه؛ ثم يذنب الثالثة، فإن تاب، تاب الله عليه توبة لا تُمْحَى.
وقد رُوي عن عبيد بن عمير، غير القول الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو ما:-
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، في قوله ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: كنا نَعُدّ الأوّاب: الحفيظ، أن يقول: اللهمّ اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: الأوّاب: هو التائب ما الذنب، الراجع من معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه، لأن الأوّاب إنما هو فعَّال، من قول القائل: آب فلان من كذا إما من سفره إلى منزله، أو من حال إلى حال، كما قال عَبيد بن الأبرص:
وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ... وغائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ [البيت لعبيد بن الأبرص الشاعر الجاهلي (ديوانه ص ٧ طبعة ليدن سنة ١٩١٣) من قصيدته التي مطلعها: "أقفر من أهله ملحوب". يقول: كل غائب تنتظر أوبته، إلا من مات فلا أوبة له إلى الدنيا. والبيت شاهد على أن الأواب الرجاع، الذي يرجع إلى التوبة والطاعة، من آب يئوب إذا رجع (انظر اللسان: أوب) . وفيه أيضا: قال أبو بكر في قولهم: رجل أواب، سبعة أقوال: الراحم، والتائب، والمسبح، والذي يرجع إلى التوبة ثم يذنب ثم يتوب، والمطيع، والذي يذكر ذنبه في الخلاء، فيستغفر الله منه. أهـ. وكل هذه المعاني راجعة إلى المعنى اللغوي، وهو الرجوع عن الشيء إلى غيره.]
فهو يئوب أوبا، وهو رجل آئب من سفره، وأوّاب من ذنوبه.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ﴾ أَيْ مِنَ اعْتِقَادِ الرَّحْمَةِ بِهِمَا وَالْحُنُوِّ عَلَيْهِمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُوقِ، أَوْ مِنْ جَعْلِ ظَاهِرِ بِرِّهِمَا رِيَاءً. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يُرِيدُ الْبَادِرَةَ الَّتِي تَبْدُرُ، كَالْفَلْتَةِ وَالزَّلَّةِ، تَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ إِلَى أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا، لَا يُرِيدُ بذلك بأسا، قال الله تعالى: (إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ) أَيْ صَادِقِينَ فِي نِيَّةِ البر بالوالدين فإن الله يغفر البادرة. وقوله: (فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً) وَعَدَ بِالْغُفْرَانِ مَعَ شرط الصلاح والأوبة إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: هُوَ الْعَبْدُ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْأَوَّابُ: الْحَفِيظُ الَّذِي إِذَا ذَكَرَ خَطَايَاهُ اسْتَغْفَرَ مِنْهَا. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: هُمُ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ ذُنُوبَهُمْ فِي الْخَلَاءِ [الخلاء: الخلوة.] ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ. وَقَالَ عَوْنٌ الْعُقَيْلِيُّ: الْأَوَّابُونَ هُمُ الَّذِينَ يصلون صلاة الضحا. وَفِي الصَّحِيحِ:" صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ [هي أن تحمى الرمضاء، وهى الرمل، فتبرك الفصال من شدة حرها وإخراقها أخفافها.] ". وحقيقة اللفظ (أنه [من ج.] من آب يؤوب إذا رجع.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَعُقُوقِهِمَا ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ أَبْرَارًا مُطِيعِينَ بَعْدَ تَقْصِيرٍ كَانَ مِنْكُمْ فِي الْقِيَامِ بِمَا لَزِمَكُمْ مِنْ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ بَعْدَ الْمَعْصِيَةِ ﴿غَفُورًا﴾
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ مِنْهُ الْبَادِرَةُ إِلَى أَبَوَيْهِ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: "الْأَوَّابُ": الَّذِي يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الرَّجَّاعُ إِلَى الْخَيْرِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الرَّجَّاعُ إِلَى اللَّهِ فِيمَا يَحْزُبُهُ وَيَنُوبُهُ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُمُ الْمُسَبِّحُونَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: "يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ" [سبأ: ١٠] .
قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْمُصَلُّونَ.
قَالَ عَوْفٌ [في "ب" عون.] الْعَقِيلِيُّ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الضُّحَى.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّوْقِيُّ [في "ب": الدورقي. والصواب ما أثبتناه.] الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الضُّحَى فَقَالَ: "صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إِذَا رَمَضَتِ الْفِصَالُ مِنَ الضُّحَى" [أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الأوابين حين ترمض الفصال، برقم (٧٤٨) : ١ / ٥١٦، والمصنف في شرح السنة: ٤ / ١٤٥، وابن أبي شيبة في المصنف: ٢ / ٢٦٤.] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: "الْأَوَّابُ": الَّذِي يُصَلِّي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَحُفُّ بِالَّذِينِ يُصَلُّونَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وهي صلاة الأولين [راجع هذه الأقوال وغيرها في الطبري: ١٥ / ٦٨-٧١، زاد المسير: ٥ / ٢٦-٢٧. ورجح الطبري قول من قال: "الأواب": هو التائب من الذنب، الراجع من معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه؛ لأن الأواب إنما هو "فعال" من قول القائل: آب فلان من كذا، إما من سفره إلى نزله أو من حال إلى حال كما قال عبيد بن الأبرص: وكل ذي غيبة يؤوب ... بنات وغائب الموت لا يؤوب فهو يؤوب وهو رجل آئب من سفره وأواب من ذنوبه.] .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات التى سمت بمنزلة الوالدين ، بما يدل على كمال علمه ، وعلى التحذير من عقابه ، فقال - تعالى - : ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ) .والأوابون : جمع أواب . وهو الكثير الأوبة والتوبة والرجوع إلى الله - تعالى - يقال : آب فلان يئوب إذا رجع .قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، قول من قال : الأواب هو التائب من الذنب ، الراجع عن معصية الله إلى طاعته ، ومما يكرهه إلى ما يرضاه ، لأن الأواب إنما هو فعال من قول القائل : آب فلان من سفره إلى منزله ، كما قال الشاعر :وكل ذى غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يؤوبأى : ربكم - أيها الناس - أعلم بما فى نفوسكم ، وضمائركم ، سواء أكان خيرا أو شرا ، وسواء أكنتم تضمرون البر بآبائكم أم تخفون الإِساءة إليهما ، ومع ذلك فإنكم إن تكونوا صالحين - أى : قاصدين الصلاح والبر بهما ، والرجوع عما فرط منكم فى حقهما أو فى حق غيرهما - فالله - تعالى - يقبل توبتكم ، فإنه - سبحانه - بفضله وكرمه كان للأوابين - أى الرجاعين إليه بالتوبة مما فرط منهم - غفورا لذنوبهم .فالآية الكريمة وعيد لمن تهاون فى حقوق أبويه ، وفى كل حق أوجبه الله عليه ، ووعد لمن رجع إليه - سبحانه - بالتوبة الصادقة .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أمرت بالإِحسان إلى الوالدين ، بأسلوب يستجيش عواطف البر والرحمة فى قلوب الأبناء ، ويبعثهم على احترامهما ورعايتهما والتواضع لهما ، وتحذيرهم من الإِساءة إليهما ، ويفتح باب التوبة أمام من قصر فى حقهما أو حق غيرهما .وقد كرر القرآن هذا الأمر للأبناء بالإِحسان إلى الآباء ، ولم يفعل ذلك مع الآباء .وذلك لأن الحياة - كما يقول بعض العلماء - وهى مندفعة فى طريقها بالأحياء ، توجه اهتمامهم القوى إلى الأمام . إلى الذرية . إلى الناشئة الجديدة ، إلى الجيل المقبل . وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء . إلى الأبوة ، إلى الحياة المولية إلى الجيل الذاهب .ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف ، وتتلفت إلى الآباء والأمهات .إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد . إلى التضحية بكل شئ حتى بالذات ، وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء فى الحبة فإذا هى فتات ، ويمتص الفرخ كل غذاء فى البيضة فإذا هى قشر ، كذلك يمتص الأولاد ، كل رحيق ، وكل عافية ، وكل جهد ، وكل اهتمام من الوالدين ، فإذا هما شيخوخة فانية - إن أمهلهما الأجل - وهما مع ذلك سعيدان .فأما الاولاد فسرعان ما ينسون هذا كله ويندفعون بدورهم إلى الأمام . إلى الزوجات والذرية . . . وهكذا تندفع الحياة .ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء . إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة ، ليذكروا واجب الجيل الذى أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف .وهنا يجئ الأمر بالإِحسان إلى الوالدين ، فى صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد ، بعد الأمر المؤكد بعبادة الله .هذا ، وقد ساق المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات ، كثيرا من الأحاديث والآثار التى توجه الأبناء إلى رعاية الآباء ، واحترامهم ، والعطف عليهم ، والرحمة بهم ، والاهتمام بشئونهم .قال الإِمام ابن كثير : وقد جاء فى بر الوالدين أحاديث كثيرة ، منها الحديث المروى من طرق عن أنس وغيره : " أن رسول الله ﷺ لما صعد المنبر قال : آمين . آمين . آمين .فقالوا : يا رسول الله ، علام أمنت؟ قال : " أتانى جبريل فقال : يا محمد ، رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك ، فقل : آمين فقلت آمين . ثم قال : رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له ، قل : آمين . فقلت آمين . ثم قال : رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة . قل : آمين ، فقلت : آمين " " .وعن مالك بن ربيعة الساعدى قال : " بينما أنا جالس عند رسول الله - ﷺ - إذ جاءه رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله ، هل بقى على من بر أبوى شئ بعد موتهما أبرهما به؟ قال : " نعم : خصال أربع . الصلاة عليهما والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التى لا رحم لك إلا من قِبَلهما ، فهو الذى بقى عليك بعد موتهما من برهما " " .وقال القرطبى : أمر الله - سبحانه - بعبادته وتوحيده ، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك . كما قرن شكرهما بشكره ، فقال : ( وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً ) .وقال : ( أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المصير ) وفى صحيح البخارى عن عبدالله قال : " سألت النبى ﷺ : أى الأعمال أحب إلى الله - تعالى -؟ . قال : " الصلاة على وقتها " . قلت : ثم أى؟ قال : " بر الوالدين " ، قلت ثم أى : قال : " الجهاد فى سبيل الله " " .ثم قال القرطبى - رحمه الله - : ومن عقوق الوالدين مخالفتهما فى أغراضهما الجائزة لهما ، كما أن من برهما موافقتهما على أغراضهما . وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه . ما لم يكن ذلك الأمر معصية ، ولا يختص برهما بأن يكونا مسلمين ، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما .ففى صحيح البخارى عن أسماء قالت : " قدمت أمى وهى مشركة فاستفتيت النبى ﷺ فقلت : إن أمى قدمت وهى راغبة أفأصلها؟ - أى وهى راغبة فى برى وصلتى ، أو وهى راغبة عن الإِسلام كارهة له - قال : " نعم صلى أمك " " .ثم قال القرطبى : ومن الإِحسان إليهما والبر بهما ، إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما . فعن عبد الله بن عمرو قال : " جاء رجل إلى النبى ﷺ يستأذنه فى الجهاد فقال : " أحى والداك؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهد " " .