مقارنة التفاسير
الكهف · الآية 67
قَالَ لَن ﴿٦٧﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الكهف · الآية 67
قَالَ لَن ﴿٦٧﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
قال له الخَضِر: إنك -يا موسى- لن تطيق أن تصبر على اتباعي وملازمتي.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
فقال الخضر لموسى: لا أمتنع من ذلك، ولكنك ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ْ﴾ أي: لا تقدر على اتباعي وملازمتي، لأنك ترى ما لا تقدر على الصبر عليه من الأمور التي ظاهرها المنكر، وباطنها غير ذلك
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 66 إلى 70 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 66.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قِيلِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ لِذَلِكَ [الرَّجُلِ] [زيادة من أ.] الْعَالِمِ، وَهُوَ الْخَضِرُ، الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِعِلْمٍ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ مُوسَى، كَمَّا أَنَّهُ أَعْطَى مُوسَى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يُعْطِهِ الْخَضِرَ، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ سُؤَالٌ بِتَلَطُّفٍ [في ت، ف، أ: "تلطف".] ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ وَالْإِجْبَارِ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سُؤَالُ الْمُتَعَلِّمِ مِنَ الْعَالِمِ. وَقَوْلُهُ: ﴿أَتَّبِعُكَ﴾ أي: أصحبك وأرافقك، ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ أَيْ: مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ شَيْئًا، أَسْتَرْشِدُ بِهِ فِي أَمْرِي، مِنْ عِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ.
فَعِنْدَهَا ﴿قَالَ﴾ الْخَضِرُ لِمُوسَى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أَيْ: أَنْتَ لا تقدرأن تُصَاحِبَنِي لِمَا تَرَى [منِّي] [زيادة من أ.] مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُخَالِفُ شَرِيعَتَكَ؛ لِأَنِّي عَلَى عِلْمٍ مَنْ عِلْمِ اللَّهِ، مَا عَلَّمَكَهُ اللَّهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مَنْ عِلْمِ اللَّهِ، مَا عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ، فَكُلٌّ مِنَّا مُكَلَّفٌ بِأُمُورٍ [في أ: "مأمور".] . مِنَ اللَّهِ دُونَ صَاحِبِهِ، وَأَنْتَ لَا تَقْدِرُ عَلَى صُحْبَتِي.
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ فَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّكَ سَتُنْكِرُ عَلَيَّ مَا أَنْتَ مَعْذُورٌ فِيهِ، ولكنْ مَا اطَّلَعَتْ عَلَى حِكْمَتِهِ وَمَصْلَحَتِهِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي اطَّلَعْتُ أَنَا عَلَيْهَا دُونَكَ.
﴿قَالَ﴾ لَهُ [في أ: "أي".] مُوسَى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ أَيْ: عَلَى مَا أَرَى مِنْ أُمُورِكَ، ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ أَيْ: وَلَا أُخَالِفُكَ فِي شَيْءٍ. فَعِنْدَ ذَلِكَ شَارَطَهُ الْخَضِرُ ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ أَيْ: ابْتِدَاءً ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أَيْ: حَتَّى أَبْدَأَكَ أَنَا بِهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَنِي.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ [في ف: "عرة".] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ [في ت، ف، أ: "فقال أي".] : رَبِّ، أَيُّ عِبَادِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي وَلَا يَنْسَانِي. قَالَ فَأَيُّ عِبَادِكَ أَقَضَى؟ قَالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالْحَقِّ وَلَا يَتَّبِعُ الْهَوَى. قَالَ أَيْ رَبِّ، أَيُّ عِبَادِكَ أَعْلَمُ؟ قَالَ الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ، عَسَى أَنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَهْدِيهِ إِلَى هُدًى أَوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى. قَالَ: أَيْ رَبٍّ هَلْ فِي أَرْضِكَ [في ت ف، أ: "في الأرض".] أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَنْ هُوَ؟ قَالَ الْخَضِرُ. قَالَ: فَأَيْنَ [في ف، أ: "وأين".] أَطْلُبُهُ؟ قَالَ عَلَى السَّاحِلِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، الَّتِي يَنْفَلِتُ [في ت، ف: "يتفلت".] عِنْدَهَا الْحُوتُ. قَالَ: فَخَرَجَ مُوسَى يَطْلُبُهُ، حَتَّى كَانَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ، وَانْتَهَى مُوسَى إِلَيْهِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، فَسَلَّمَ [في ت: "وسلم".] كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَصْحَبَنِي [في ت: "تستصحبنى".] قَالَ إِنَّكَ لَنْ تُطِيقَ [في ت: "تستطيع".] صُحْبَتِي. قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنْ صَحِبْتَنِي ﴿فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ قَالَ: فَسَارَ بِهِ فِي الْبَحْرِ [في ت: "فصار في البحر"، وفي ف، أ: "فسار به إلى البحر".] حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَجْمَعِ الْبُحُورِ [في ف، أ: "البحرين".] ، وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ [في ت: "في البحر".] مَكَانٌ أَكْثَرُ مَاءً مِنْهُ. قَالَ: وَبَعَثَ اللَّهُ الْخُطَّافَ، فَجَعَلَ يَسْتَقِي مِنْهُ بِمِنْقَارِهِ، فَقَالَ لِمُوسَى: كَمْ تَرَى هَذَا الْخُطَّافَ رَزَأَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ؟ قَالَ: مَا أَقَلَّ مَا رَزَأَ! قَالَ: يَا مُوسَى فَإِنَّ عِلْمِي وَعِلْمَكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ كقَدْر مَا اسْتَقَى هَذَا الْخُطَّافُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ. وَكَانَ مُوسَى قَدْ حَدَّثَ نَفْسَهُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْهُ، أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ، فَمِنْ ثَمَّ أُمِرَ أَنْ يَأْتِيَ الْخَضِرَ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ فِي خَرْقِ السَّفِينَةِ، وَقَتْلِ الْغُلَامِ، وَإِصْلَاحِ الْجِدَارِ، وَتَفْسِيرِهِ لَهُ ذَلِكَ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 66 إلى 67 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 66.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: قال موسى للعالم: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي﴾ من العلم الذي علمك الله ما هو رشاد إلى الحقّ، ودليل على هدى؟
﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾
يقول تعالى ذكره: قال العالم: إنك لن تطيق الصبر معي، وذلك أني أعمل بباطن علم علَّمنيه الله، ولا علم لك إلا بظاهر من الأمور، فلا تصبر على ما ترى من الأفعال، كما ذكرنا من الخبر عن ابن عباس قَبلُ من أنه كان رجلا يعمل على الغيب قد علم ذلك.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 66 إلى 70 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 66.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [فِيهِ مسألتان]: الاولى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ هَذَا سُؤَالُ الْمُلَاطِفِ، وَالْمُخَاطِبِ الْمُسْتَنْزِلِ [في ك: المشترك.] الْمُبَالِغِ فِي حُسْنِ الْأَدَبِ، الْمَعْنَى: هَلْ يَتَّفِقُ لَكَ وَيَخِفُّ عَلَيْكَ؟ وَهَذَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ وَعَلَى بَعْضِ التَّأْوِيلَاتِ يجئ كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائدة: ١١٢] حَسْبَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي "الْمَائِدَةِ" [راجع ج ٦ ص ٣٦٥.] . الثَّانِيَةُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعَالِمِ وَإِنْ تَفَاوَتَتِ الْمَرَاتِبُ، وَلَا يُظَنُّ أَنَّ فِي تَعَلُّمِ مُوسَى مِنَ الْخَضِرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ، فَقَدْ يَشِذُّ عَنِ الْفَاضِلِ مَا يَعْلَمُهُ الْمَفْضُولُ، وَالْفَضْلُ لِمَنْ فَضَّلَهُ اللَّهُ، فَالْخَضِرُ إِنْ كَانَ وَلِيًّا فَمُوسَى أَفْضَلُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ نَبِيٌّ وَالنَّبِيُّ أَفْضَلُ مِنَ الْوَلِيِّ، وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا فَمُوسَى فضله بالرسالة. والله أعلم. و "رُشْداً" مفعول ثان ب"- تُعَلِّمَنِ".
(قَالَ) الْخَضِرُ: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) أَيْ إِنَّكَ يَا مُوسَى لَا تُطِيقُ أَنْ تَصْبِرَ عَلَى مَا تَرَاهُ مِنْ عِلْمِي، لِأَنَّ الظَّوَاهِرَ الَّتِي هِيَ عِلْمُكَ لَا تُعْطِيهِ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا تَرَاهُ خَطَأً وَلَمْ تُخْبَرْ بوجه الحكمة فيه، ولا طريق الصواب. وهي مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً) وَالْأَنْبِيَاءُ لَا يُقِرُّونَ عَلَى منكر، لا يَجُوزُ لَهُمُ التَّقْرِيرُ أَيْ لَا يَسَعُكَ السُّكُوتُ جَرْيًا عَلَى عَادَتِكَ وَحُكْمِكَ. وَانْتَصَبَ "خُبْراً" عَلَى التَّمْيِيزِ الْمَنْقُولُ عَنِ الْفَاعِلِ. وَقِيلَ: عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُلَاقَى فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ: "لَمْ تُحِطْ". مَعْنَاهُ لَمْ تُخْبَرْهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَمْ تَخْبُرْهُ خُبْرًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُجَاهِدٌ. وَالْخَبِيرُ بِالْأُمُورِ هُوَ الْعَالِمُ بِخَفَايَاهَا وَبِمَا يُخْتَبَرُ مِنْهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً﴾ أَيْ سَأَصْبِرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
(وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً) أَيْ قَدْ أَلْزَمْتُ نَفْسِي طَاعَتَكَ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، هَلْ هُوَ يَشْمَلُ قَوْلَهُ: "وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً" أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: يَشْمَلُهُ كقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ﴾ [راجع ج ١٤ ص ١٨٥.] [الأحزاب: ٣٥]. وَقِيلَ: اسْتَثْنَى فِي الصَّبْرِ فَصَبَرَ، وَمَا اسْتَثْنَى فِي قَوْلِهِ: "وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً" فَاعْتَرَضَ وَسَأَلَ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ، لِأَنَّ الصَّبْرَ أَمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ وَلَا يُدْرَى كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ فِيهِ، وَنَفْيُ الْمَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ حَاصِلٌ فِي الْحَالِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ يُنَافِي الْعَزْمَ عَلَيْهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الصَّبْرَ ليس مكتسبا لنا بخلاف فعل المعصية وتركها، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُكْتَسَبٌ لَنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قوله تعالى: (قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً) ٧٠ أَيْ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أُفَسِّرُهُ لَكَ، وَهَذَا مِنْ الْخَضِرِ تَأْدِيبٌ وَإِرْشَادٌ لِمَا يَقْتَضِي دَوَامَ الصُّحْبَةِ، فَلَوْ صَبَرَ وَدَأَبَ لَرَأَى الْعَجَبَ، لَكِنَّهُ أَكْثَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ فَتَعَيَّنَ الْفِرَاقُ وَالْإِعْرَاضُ.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 66 إلى 71 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 66.
فَلَمَّا ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ يَقُولُ: جِئْتُكَ لِأَتْبَعَكَ وَأَصْحَبَكَ ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ: " رَشَدًا " بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالشِّينِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ أَيْ صَوَابًا وَقِيلَ: عِلْمًا تُرْشِدُنِي بِهِ.
وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ مُوسَى هَذَا قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: كَفَى بِالتَّوْرَاةِ عِلْمًا وَبِبَنِي إِسْرَائِيلَ شُغْلًا فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِهَذَا فَحِينَئِذٍ: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾﴿قَالَ﴾ لَهُ الْخَضِرُ ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَرَى أُمُورًا مُنْكَرَةً وَلَا يَجُوزُ لِلْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى الْمُنْكَرَاتِ. ثُمَّ بَيَّنَ عُذْرَهُ فِي تَرْكِ الصَّبْرِ فَقَالَ: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أَيْ عِلْمًا.
﴿قَالَ﴾ مُوسَى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ إِنَّمَا اسْتَثْنَى لِأَنَّهُ لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ بِالصَّبْرِ ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ أَيْ: لَا أُخَالِفُكَ فِيمَا تَأْمُرُ.
﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ فَإِنْ صَحِبْتَنِي وَلَمْ يَقُلْ: اتَّبِعْنِي وَلَكِنْ جَعَلَ الِاخْتِيَارَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ شَرْطًا فَقَالَ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَالْآخَرُونَ بِسُكُونِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ أَعْمَلُهُ مِمَّا تُنْكِرُهُ وَلَا تَعْتَرِضْ عَلَيْهِ ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ حَتَّى أَبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ فَأُبَيِّنُ لَكَ شَأْنَهُ.
﴿فَانْطَلَقَا﴾ يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ يَطْلُبَانِ سَفِينَةً يَرْكَبَانِهَا فَوَجَدَا سَفِينَةً فَرَكِبَاهَا فَقَالَ أَهْلُ السَّفِينَةِ: هَؤُلَاءِ لُصُوصٌ وَأَمَرُوهُمَا بِالْخُرُوجِ فَقَالَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ: مَا هُمْ بلصوص ولكني أرجو وُجُوهَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَرُوِّينَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ فَلَمَّا لَجَّجُوا الْبَحْرَ أَخَذَ الْخَضِرُ فَأْسًا فَخَرَقَ لَوْحًا مِنَ السَّفِينَةِ" [تقدم تخريجه وهو في البخاري باب العلم: ١ / ٢١٨.] فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ﴾ لَهُ مُوسَى ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "لِيَغْرَقَ" بِالْيَاءِ وَفَتْحِهَا وَفَتْحِ الرَّاءِ " أَهْلُهَا " بِالرَّفْعِ عَلَى اللُّزُومِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِالتَّاءِ وَرَفْعِهَا وَكَسْرِ الرَّاءِ ﴿أَهْلَهَا﴾ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلْخَضِرِ.
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ أَيْ: مُنْكَرًا وَالْإِمْرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الدَّاهِيَةُ وَأَصْلُهُ: كُلُّ شَيْءٍ شَدِيدٌ كَثِيرٌ [في "ب": كبير.] يُقَالُ: أَمِرَ الْقَوْمُ: إِذَا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ أَمْرُهُمْ.
وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ ﴿إِمْرًا﴾ أَيْ: عَجَبًا.
وَرُوِيَ أَنَّ الْخَضِرَ لَمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ لَمْ يَدْخُلْهَا الْمَاءُ. وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى لَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَخَذَ ثَوْبَهُ فَحَشَّى بِهِ الْخَرْقَ. وَرُوِيَ أَنَّ الْخَضِرَ أَخَذَ قَدَحًا مِنَ الزُّجَاجِ وَرَقَّعَ بِهِ خَرْقَ السَّفِينَةِ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم حكى - سبحانه - ما رد به الخضر على موسى فقال : ( قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) .أى : قال الخضر لموسى إنك يا موسى إذا اتبعتنى ورافقتنى ، فلن تستطيع معى صبرا ، بأى وجه من الوجوه .قال ابن كثير : " أى : إنك لا تقدر يا موسى أن تصاحبنى ، لما ترى من الأفعال التى تخالف شريعتك ، لأنى على علم من علم الله - تعالى - ما علمك إياه ، وأنت على علم من علم الله - تعالى - ما علمنى إياه ، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه ، وأنت لا تقدر على صحبتى " .