مقارنة التفاسير
البقرة · الآية 72
فِيهَاۖ مَّا ﴿٧٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
البقرة · الآية 72
فِيهَاۖ مَّا ﴿٧٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
واذكروا إذ قتلتم نفسًا فتنازعتم بشأنها، كلٌّ يدفع عن نفسه تهمة القتل، والله مخرج ما كنتم تخفون مِن قَتْل القتيل.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
أي: واذكروا ما جرى لكم مع موسى, حين قتلتم قتيلا, وادارأتم فيه, أي: تدافعتم واختلفتم في قاتله, حتى تفاقم الأمر بينكم وكاد - لولا تبيين الله لكم - يحدث بينكم شر كبير.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 72 إلى 73 معاً في نص واحد.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ اخْتَلَفْتُمْ. وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ شبْل عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ اخْتَلَفْتُمْ.
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِي، وَالضَّحَّاكُ: اخْتَصَمْتُمْ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا تُغَيبُون. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ رُسْتُمَ، سَمِعْتُ الْمُسَيَّبَ بْنَ رَافِعٍ يَقُولُ: مَا عَمِلَ رَجُلٌ حَسَنَةً فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ، وَمَا عَمِلَ رِجْلٌ سَيِّئَةً فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّهِ: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ هَذَا الْبَعْضُ أيُّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ أَعْضَاءِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ فَالْمُعْجِزَةُ حَاصِلَةٌ بِهِ.
وَخَرْقُ الْعَادَةِ بِهِ كَائِنٌ، وَقَدْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلَوْ كَانَ فِي تَعْيِينِهِ لَنَا فَائِدَةٌ تَعُودُ عَلَيْنَا فِي أَمْرِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا لَبَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا، وَلَكِنْ أَبْهَمَهُ، وَلَمْ يَجِئْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْصُومٍ بَيَانَهُ [في جـ: "عن معصوم حدثنا به".] فَنَحْنُ نُبْهِمُهُ كَمَا أَبْهَمَهُ اللَّهُ.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا عفَّان بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ طَلَبُوهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى وَجَدُوهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي بَقْرٍ لَهُ، وَكَانَتْ بَقَرَةً تُعْجِبُهُ، قَالَ: فَجَعَلُوا يُعْطُونَهُ بِهَا فَيَأْبَى، حَتَّى أَعْطَوْهُ مَلْءَ مَسْكها دَنَانِيرَ، فَذَبَحُوهَا، فَضَرَبُوهُ -يَعْنِي الْقَتِيلَ-بِعُضْوٍ مِنْهَا، فَقَامَ تَشْخُب أَوْدَاجُهُ دَمًا [فَسَأَلُوهُ] [زيادة من جـ.] فَقَالُوا لَهُ: مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ: [في جـ: "فقال".] قَتَلَنِي فُلَانٌ [تفسير ابن أبي حاتم (١/٢٢٩) .] .
وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: إِنَّهُ ضُرِبَ بِبَعْضِهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُمْ ضَرَبُوهُ بِالْعَظْمِ الذِي يَلِي الْغُضْرُوفَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، قَالَ: قَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ: ضَرَبُوا الْقَتِيلَ بِبَعْضِ لَحْمِهَا. وَقَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ قَتَادَةُ: فَضَرَبُوهُ بِلَحْمِ فَخِذِهَا فَعَاشَ، فَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ.
وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [قَالَ] [زيادة من جـ، أ، و.] فضرب بِفَخِذِهَا فَقَامَ، فَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: فَضَرَبُوهُ بالبَضْعة التِي بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ فَعَاشَ، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: قَتَلَنِي ابْنُ أَخِي.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أَمَرَهُمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَأْخُذُوا عَظْمًا مِنْ عِظَامِهَا، فَيَضْرِبُوا بِهِ الْقَتِيلَ، فَفَعَلُوا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ رُوحُهُ، فَسَمَّى لَهُمْ قَاتِلَهُ ثُمَّ عَادَ مَيِّتًا كَمَا كَانَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: فَضَرَبُوهُ بِبَعْضِ آرَابِهَا [وَقِيلَ: بِلِسَانِهَا، وَقِيلَ: بِعَجَبِ ذَنَبِهَا] [زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أَيْ: فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ. ونَبَّه تَعَالَى عَلَى قُدْرَتِهِ وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ أَمْرِ الْقَتِيلِ: جَعَلَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ الصُّنْعَ حُجَّةً لَهُمْ عَلَى الْمَعَادِ، وَفَاصِلًا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْخُصُومَةِ وَالْفَسَادِ [في جـ، ط، ب، أ، و: "والعناد".] ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا خَلَقَهُ فِي [في جـ، ط، ب، أ، و: "من".] إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٥٦] . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ، وَقِصَّةُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَقِصَّةُ الذِي مرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَقِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَالطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ.
وَنَبَّهَ تَعَالَى بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا عَلَى إِعَادَةِ الْأَجْسَامِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا [في جـ، ط، ب، أ، و: "بعد صيرورتها".] رَمِيمًا، كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيع بْنَ عُدُس، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي رَزِين العُقَيلي، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ قَالَ: "أَمَا مَرَرْتَ بِوَادٍ مُمْحِل، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ خَضِرًا؟ " قَالَ: بَلَى. قَالَ: "كَذَلِكَ النُّشُورُ". أَوْ قَالَ: "كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى" [مسند الطيالسي برقم (١٠٨٩) .] . وَشَاهِدُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ* وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُون* لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٣٣-٣٥] .
مَسْأَلَةٌ: اسْتُدِلَّ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي كَوْنِ قَوْلِ الْجَرِيحِ: فُلَانٌ قَتَلَنِي لَوْثًا بِهَذِهِ الْقِصَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَتِيلَ لَمَّا حَيِيَ سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَهُ فَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ، فَكَانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْبِرُ حِينَئِذٍ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا يُتَّهَمُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَرَجَّحُوا ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ: أَنْ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوَضَاحٍ لَهَا، فَرَضَخَ رَأْسَهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلَانٌ؟ أَفُلَانٌ؟ حَتَّى ذُكِرَ الْيَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى اعْتَرَفَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَدَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ [رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٨٨٥) .] وَعِنْدَ مَالِكٍ: إِذَا كَانَ لَوْثًا حَلَفَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ قَسَامَةً، وَخَالَفَ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلُوا قول القتيل في ذَلِكَ لَوْثًا.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قتلتم نفسا﴾ ، واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفسا. و"النفس" التي قتلوها، هي النفس التي ذكرنا قصتها في تأويل قوله: ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ .
* *
وقوله: ﴿فادارأتم فيها﴾ ، يعني فاختلفتم وتنازعتم. وإنما هو"فتدارأتم فيها" على مثال"تفاعلتم"، من الدرء. و"الدرء": العوج، ومنه قول أبي النجم العجلي:
خشية ضَغّام إذا هم جَسَر ... يأكل ذا الدرء ويقصي من حقر [لم أجد البيت في مكان، وكان في المطبوعة. خشية طغام إذا هم حسر ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو كلام مختل. والضغام من الضغم: وهو أن يملأ فمه مما أهوى إليه. وجسر جسورا وجسارة مضى ونفذ من شدة إقدامه.]
يعني: ذا العوج والعسر. ومنه قول رؤبة بن العجاج:
أدركتها قدام كل مِدْرَهِ ... بالدفع عني درء كل عُنْجُهِ [ديوانه: ١٦٦ من قصيدة يصف بها نفسه. والضمير في قوله: "أدركتها" إلى ما سبق في رجزه. وَحقّةٍ ليست بقول التره وقوله: "حقة"، يعني خصومة أو منافرة أو مفاخرة، أو ما أشبه ذلك. والمدره: هو المدافع الذي يقدم عند الخصومة، بلسان أو يد. والعنجه والعنجهي: ذو الكبر والعظمة حتى كاد يبلغ الجهل والحمق ومنه العنجهية.] ومنه الخبر الذي:-
١٢٩١ - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، عن السائب قال: جاءني عثمان وزهير ابنا أمية، فاستأذنا لي على رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ:"أنا أعلم به منكما، ألم تكن شريكي في الجاهلية؟ قلت: نعم، بأبي أنت وأمي، فنعم الشريك كنت لا تماري ولا تداري". [الحديث: ١٢٩١ - في هذا الإسناد ضعف، وفي الحديث نفسه اضطراب، كما سيأتي: أبو كريب: هو محمد بن العلاء بن كريب الحافظ، ثقة كبير، من شيوخ أصحاب الكتب الستة، روى عنه الطبري كثيرا. مات سنة ٢٤٨. مصعب بن المقدام الخثعمي: ثقة، وضعفه بعضهم، وأخرج له مسلم في صحيحه، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ١ / ٣٥٤، وابن أبي حاتم ٤ /١ / ٣٠٨. إسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة حافظ معروف. إبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي: ثقة، تكلم فيه بغير حجة، وأخرج له مسلم. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١ / ١ / ٣٢٨، وصرح بأنه سمع مجاهدا، وابن أبي حاتم ١ /١ / ١٣٢ - ١٣٣. السائب: صحابي - كما هو ظاهر من هذا الحديث وغيره، واختلف فيه كثيرا، فقيل: "السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ. . "، وقيل: "السائب بن عبد الله المخزومي"، بل قيل أيضًا: "قيس بن السائب"! والذي جزم به البخاري في الكبير ٢ / ٢ / ١٥٢ واقتصر عليه: "السائب بن أبي السائب القرشي المكي، له صحبة". وكذلك صنع ابن أبي حاتم ٢ /١ / ٢٤٢، وقال: "منهم من يقول: له صحبة، ومنهم من يقول: لأبيه صحبة. روى عنه مجاهد. يقال: "إنه مولى مجاهد من فوق". وفي الإصابة ٣: ٦٠ نقلا عن ابن أبي شيبة، أنه روى من طريق يونس بن خباب عن مجاهد: "كنت أقود السائب، فيقول لي: يا مجاهد. . ". ولو صح هذا لثبت اتصال الإسناد، لكن يونس بن خباب ضعيف. والحديث روى أحمد في المسند: ١٥٥٦٦ (٣: ٤٢٥ حلبي) نحو معناه، بزيادة ونقص، عن أسود بن عامر، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، "عن السائب بن عبد الله"، ثم روى بعده مثله، بمعناه، مطولا ومختصرا، من طرق، وفي بعضها" عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب". وروى أبو داود: ٤٨٣٦، نحوه، من طريق الثوري، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب وقال المنذري في تهذيب السنن: ٤٦٦٩"وأخرجه النسائي وابن ماجه. . وهذا الحديث قد اختلف في إسناده اختلافا كثيرا. وذكر ابو عمر يوسف بن عبد البر النمري: أن هذا الحديث مضطرب جدا. . وهذا الاضطراب لا تقوم به حجة". وقد وقع في متن الحديث هنا خطأ، لا ندري: أهو من الرواية، أم من الناسخين. وذلك قوله"جاءني عثمان وزهير ابنا أمية". فلا يوجد في الصحابة من يسمي بهذا ولا بذاك. والصواب ما في رواية المسند: ١٥٥٦٦"جاء بي عثمان بن عفان، وزهير". وزهير: هو ابن أبي أمية، أخو أم سلمة، أم المؤمنين، وهي بنت أبي أمية. كما بين ذلك في الإصابة ٣: ١٣ - ١٤، إذ قال: "وروى ابن منده من طريق مجاهد، عن السائب شريك رسول الله ﷺ قال: ذهب بي عثمان، وزهير بن أبي أمية. . " وانظر نسب قريش للمصعب، ص: ٣٣٣. حيث جزم بأن"السائب بن أبي السائب صيفي" قتل يوم بدر كافرا؛ وانظر أيضًا الإشارة إلى أصل القصة في الإصابة ٣: ١٣ - ١٤، ٦٠، و ٤: ٧٤، و٥: ٢٥٣ - ٢٥٤. والموضوع لا يزال محتاجا إلى تحقيق وبحث.] يعني بقوله:"لا تداري، لا تخالف رفيقك وشريكك ولا تنازعه ولا تشارُّه.
* *
وإنما أصل ﴿فادارأتم﴾ ، فتدارأتم، ولكن التاء قريبة من مخرج الدال - وذلك أن مخرج التاء من طرف اللسان وأصول الشفتين، ومخرج الدال من طرف اللسان وأطراف الثنيتين - فأدغمت التاء في الدال، فجعلت دالا مشددة كما قال الشاعر:
تولي الضجيع إذا ما استافها خَصِرا ... عذب المذاق إذا ما اتّابعَ القُبَل [لم أعرف قائله، وسيأتي في ١٠: ٩٤ (بولاق) ، وفي المطبوعة هنا"اشتاقها" وهو خطأ والصحيح ما أثبته من هناك. وساف الشيء يسوفه سوفا واستافه: دنا منه وشمه. واستعاره للقبلة، كما استعاروا الشم للقبلة، لأن دنو الأنف يسبق ما أراد المريد. قال الراعي يصف ما يصف من القبلة يثني مُساوفها غضروف أرنبة ... شماء، من رخصة في جيدها غيد قال الزمخشري: "ساوفتها" ضاجعتها، ولكنه في البيت: الذي يُقبِّل.]
يريد إذا ما تتابع القبل، فأدغم إحدى التاءين في الأخرى. فلما أدغمت التاء في الدال فجعلت دالا مثلها سكنت، فجلبوا ألفا ليصلوا إلى الكلام بها، وذلك إذا كان قبله شيء، لأن الإدغام لا يكون إلا وقبله شيء، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨] ، إنما هو"تداركوا"، ولكن التاء منها أدغمت في الدال، فصارت دالا مشددة، وجعلت فيها ألف -إذ وصلت بكلام قبلها ليسلم الإدغام. وإذا لم يكن قبل ذلك ما يواصله، وابتدئ به، قيل: تداركوا وتثاقلوا، فأظهروا الإدغام. وقد قيل يقال:"اداركوا، وادارءوا".
وقد قيل إن معنى قوله: ﴿فادارأتم فيها﴾ ، فتدافعتم فيها. من قول القائل:"درأت هذا الأمر عني"، ومن قول الله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ [النور: ٨] ، بمعنى يدفع عنها العذاب. وهذا قول قريب المعنى من القول الأول. لأن القوم إنما تدافعوا قتل قتيل، فانتفى كل فريق منهم أن يكون قاتله، كما قد بينا قبل قيما مضى من كتابنا هذا. [انظر ما سلف رقم: ١١٧٢، ١١٨٠.] وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿فادارأتم فيها﴾ قال أهل التأويل.
١٢٩٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿فادارأتم فيها﴾ ، قال: اختلفتم فيها.
١٢٩٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
١٢٩٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها﴾ قال بعضهم: أنتم قتلتموه. وقال الآخرون: أنتم قتلتموه.
١٢٩٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿فادارأتم فيها﴾ ، قال: اختلفتم، وهو التنازع، تنازعوا فيه. قال: قال هؤلاء: أنتم قتلتموه. وقال هؤلاء: لا.
* *
وكان تدارؤهم في النفس التي قتلوها كما:-
١٢٩٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: صاحب البقرة رجل من بني إسرائيل، قتله رجل فألقاه على باب ناس آخرين، فجاء أولياء المقتول فادعوا دمه عندهم، فانتفوا -أو انتفلوا- منه. شك أبو عاصم. [انتفل من الشيء: انتفى منه وتبرأ، وأنكر أن يكون فعله أو عرفه وفي حديث ابن عمر: "إن فلانا انتفل من ولده" أي تبرأ منه.]
١٢٩٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله سواء - إلا أنه قال: فادعوا دمه عندهم فانتفوا -ولم يشك- منه. [في المطبوعة: "ولم يشك فيه"، وهو خطأ وتصحيف. "لم يشك" فاصلة بين الفعل وحرفه.]
١٢٩٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: قتيل كان في بني إسرائيل. فقذف كل سبط منهم [سبطا به] ، [الزيادة بين القوسين، لا بد منها ليستقيم معناه، وأخشى أن يكون في الأصول تحريف لم أعثر على صوابه.] حتى تفاقم بينهم الشر، حتى ترافعوا في ذلك إلى نبي الله ﷺ. فأوحى الله إلى موسى: أن اذبح بقرة فاضربه ببعضها. فذكر لنا أن وليه الذي كان يطلب بدمه هو الذي قتله، من أجل ميراث كان بينهم.
١٢٩٩- حدثني ابن سعد قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في شأن البقرة. وذلك أن شيخا من بني إسرائيل على عهد موسى كان مكثرا من المال وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان بنو أخيه ورثته. فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله! وإنه لما تطاول عليهم أن لا يموت عمهم، أتاهم الشيطان، فقال: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم، فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته؟ - وذلك أنهما كانتا مدينتين، كانوا في إحداهما، فكان القتيل إذا قتل وطرح بين المدينتين، قيس ما بين القتيل وما بين المدينتين، فأيهما كانت أقرب إليه غرمت الدية - وأنهم لما سول لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم أن لا يموت عمهم، عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها. فلما أصبح أهل المدينة، جاء بنو أخي الشيخ، فقالوا: عمنا قتل على باب مدينتكم، فوالله لتغرمن لنا دية عمنا. قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا. وأنهم عمدوا إلى موسى، فلما أتوا قال بنو أخي الشيخ: عمنا وجدناه مقتولا على باب مدينتهم. وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا. وأن جبريل جاء بأمر ربنا السميع العليم إلى موسى، فقال: قل لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوه ببعضها.
١٣٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا حسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد - وحجاج عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: إن سبطا من بني إسرائيل، لما رأوا كثرة شرور الناس، بنوا مدينة فاعتزلوا شرور الناس، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدا منهم خارجا إلا أدخلوه، وإذا أصبحوا قام رئيسهم فنظر وتشرف، [تشرف الشيء واسشرفه: وضع يده على حاجبه كالذي يستظل من الشمس، حتى يبصره ويستبينه.] فإذا لم ير شيئا فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا. وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير ابن أخيه، فطال عليه حياته، فقتله ليرثه، ثم حمله فوضعه على باب المدينة، ثم كمن في مكان هو وأصحابه. قال: فتشرف رئيس المدينة على باب المدينة، فنظر فلم ير شيئا. ففتح الباب، فلما رأى القتيل رد الباب: فناداه ابن أخي المقتول وأصحابه: هيهات! قتلتموه ثم تردون الباب؟ وكان موسى لما رأى القتل كثيرا في أصحابه بني إسرائيل، [لعل الصواب: "كثر في أصحابه".] كان إذا رأى القتيل بين ظهري القوم. أخذهم. فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال، حتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض. فأتوا موسى فذكروا له شأنهم، فقالوا: يا رسول الله، إن هؤلاء قتلوا قتيلا ثم ردوا الباب. وقال أهل المدينة: يا رسول الله، قد عرفت اعتزالنا الشرور، وبنينا مدينة -كما رأيت- نعتزل شرور الناس، ما قتلنا ولا علمنا قاتلا. فأوحى الله تعالى ذكره إليه: أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.
١٣٠١ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم وله مال كثير، فقتله ابن أخ له، فجره فألقاه على باب ناس آخرين.
ثم أصبحوا، فادعاه عليهم، حتى تسلح هؤلاء وهؤلاء، فأرادوا أن يقتتلوا، فقال، ذوو النهي منهم: أتقتتلون وفيكم نبي الله؟ فأمسكوا حتى أتوا موسى، فقصوا عليه القصة، فأمرهم أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها، فقالوا: أتتخذنا هزوا؟ قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.
١٣٠٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قتيل من بني إسرائيل، طرح في سبط من الأسباط، فأتى أهل ذلك السبط إلى ذلك السبط فقالوا: أنتم والله قتلتم صاحبنا. فقالوا: لا والله. فأتوا إلى موسى فقالوا: هذا قتيلنا بين أظهرهم، وهم والله قتلوه. فقالوا: لا والله يا نبي الله، طرح علينا. فقال لهم موسى ﷺ: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.
* *
قال أبو جعفر: فكان اختلافهم وتنازعهم وخصامهم بينهم - في أمر القتيل الذي ذكرنا أمره، على ما روينا من علمائنا من أهل التأويل - هو"الدرء" الذي قال الله جل ثناؤه لذريتهم وبقايا أولادهم: ﴿فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) ﴾
قال أبو جعفر: ويعني بقوله: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ ، والله معلن ما كنتم تسرونه من قتل القتيل الذي قتلتم، ثم ادارأتم فيه.
* *
ومعنى"الإخراج" -في هذا الموضع- الإظهار والإعلان لمن خفي ذلك عنه، وإطلاعهم عليه، كما قال الله تعالى ذكره: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] يعني بذلك: يظهره ويطلعه من مخبئه بعد خفائه.
* *
والذي كانوا يكتمونه فأخرجه، هو قتل القاتل القتيل. لما كتم ذلك القاتل ومن علمه ممن شايعه على ذلك، ["ذلك" في قوله: "لما كتم ذلك" مفعول، هو كناية عن قوله: "هو قتل القاتل القتيل".] حتى أظهره الله وأخرجه، فأعلن أمره لمن لا يعلم أمره.
* *
وعَنَى جل ذكره بقوله: ﴿تكتمون﴾ ، تسرون وتغيبون، كما:
١٣٠٣ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ ، قال: تغيبون.
١٣٠٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ما كنتم تكتمون﴾ ، ما كنتم تغيبون.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها﴾ هَذَا الْكَلَامُ مُقَدَّمٌ عَلَى أَوَّلِ الْقِصَّةِ، التَّقْدِيرُ: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا. فَقَالَ مُوسَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِكَذَا. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً" [الكهف: ٢ ١] أي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ القصة.
وَفِي سَبَبِ قَتْلِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِابْنَةٍ لَهُ حَسْنَاءَ أَحَبَّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا فَمَنَعَهُ عَمُّهُ، فَقَتَلَهُ وَحَمَلَهُ مِنْ قَرْيَتِهِ إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَلْقَاهُ هُنَاكَ. وَقِيلَ: أَلْقَاهُ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ. الثَّانِي: قَتَلَهُ طَلَبًا لِمِيرَاثِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ فَقِيرًا وَادَّعَى قَتْلَهُ عَلَى بَعْضِ الْأَسْبَاطِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَسْجِدٌ لَهُ اثْنَا عَشَرَ بَابًا لِكُلِّ بَابٍ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَوَجَدُوا قَتِيلًا فِي سِبْطٍ مِنَ الْأَسْبَاطِ، فَادَّعَى هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَادَّعَى هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ، ثُمَّ أَتَوْا مُوسَى يَخْتَصِمُونَ إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] الآية. ومعنى ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢] الآية. اخْتَلَفْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَأَصْلُهُ تَدَارَأْتُمْ ثُمَّ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ، وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِالْمُدْغَمِ، لِأَنَّهُ سَاكِنٌ فَزِيدَ أَلِفُ الْوَصْلِ. "وَاللَّهُ مُخْرِجٌ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. "مَا كُنْتُمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "مُخْرِجٌ"، وَيَجُوزُ حَذْفُ التَّنْوِينِ عَلَى الْإِضَافَةِ. "تَكْتُمُونَ" جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ كَانَ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ التَّقْدِيرُ تَكْتُمُونَهُ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ طَلَبًا لِمِيرَاثِهِ لَمْ يَرِثْ قَاتِلُ عَمْدٍ مِنْ حِينَئِذٍ، قَالَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَتَلَ هَذَا الرَّجُلُ عَمَّهُ لِيَرِثَهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَبِمِثْلِهِ جَاءَ شَرْعُنَا. وَحَكَى مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي "مُوَطَّئِهِ" أَنَّ قِصَّةَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ فِي عَمِّهِ هِيَ كَانَتْ سَبَبُ أَلَّا يَرِثَ قَاتِلٌ، ثُمَّ ثَبَّتَ ذَلِكَ الْإِسْلَامُ كَمَا ثَبَّتَ كَثِيرًا مِنْ نَوَازِلِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ قَاتِلُ الْعَمْدِ مِنَ الدِّيَةِ وَلَا مِنَ الْمَالِ، إِلَّا فِرْقَةٌ شَذَّتْ عَنِ الْجُمْهُورِ كُلُّهُمْ أَهْلُ بِدَعٍ. وَيَرِثُ قَاتِلُ الْخَطَأِ مِنَ الْمَالِ وَلَا يَرِثُ مِنَ الدِّيَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثور والشافعي، لأنه لا يهتم عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ آخَرَ: لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ عَمْدًا وَلَا خَطَأً شَيْئًا مِنَ الْمَالِ وَلَا مِنَ الدِّيَةِ. وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ. وَرَوَاهُ الشَّعْبِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدٍ قَالُوا: لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ عَمْدًا وَلَا خَطَأً شَيْئًا. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: يَرِثُ قَاتِلُ الْخَطَأِ مِنَ الدِّيَةِ وَمِنَ الْمَالِ جَمِيعًا، حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ. وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي آية المواريث [راجع ج ٥ ص ٥٥ فما بعدها.] إن شاء الله تعالى.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 70 إلى 73 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 70.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ أَسَائِمَةٌ أَمْ عَامِلَةٌ ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ وَلَمْ يَقُلْ تَشَابَهَتْ لِتَذْكِيرِ لَفْظِ الْبَقَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (٢٠-الْقَمَرِ) وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ جِنْسُ الْبَقَرِ تَشَابَهَ، أَيِ الْتَبَسَ وَاشْتَبَهَ أَمْرُهُ عَلَيْنَا فَلَا نَهْتَدِي إِلَيْهِ ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إِلَى وَصْفِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (وَاللَّهِ) [في ب وأيم الله.] لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَمَا بُيِّنَتْ لَهُمْ إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ" [الطبري: ٢ / ٢٠٥، ابن كثير: ١ / ١٩٩، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. وقال ابن حجر في الكافي الشاف ص (٨) : أخرجه ابن جرير من طريق ابن جريج مرفوعا، وهو معضل.]
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ مُذَلَّلَةٌ بِالْعَمَلِ يُقَالُ: رَجُلٌ ذَلُولٌ بَيِّنُ الذُّلِّ، وَدَابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ تَقْلِبُهَا لِلزِّرَاعَةِ ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ أَيْ لَيْسَتْ بِسَاقِيَةٍ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ بَرِيئَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ لَا لَوْنَ لَهَا سِوَى لَوْنِ جَمِيعِ جِلْدِهَا قَالَ عَطَاءٌ: لَا عَيْبَ فِيهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا بَيَاضَ فِيهَا وَلَا سَوَادَ ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ بِالْبَيَانِ التَّامِّ الشَّافِي الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَطَلَبُوهَا فَلَمْ يَجِدُوا بِكَمَالِ وَصْفِهَا إِلَّا مَعَ الْفَتَى فَاشْتَرَوْهَا بِمَلْءِ مَسْكِهَا ذَهَبًا، ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِنْ غَلَاءِ ثَمَنِهَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: وَمَا كَادُوا يَجِدُونَهَا بِاجْتِمَاعِ أَوْصَافِهَا، وَقِيلَ ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِنْ شِدَّةِ اضْطِرَابِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِيهَا.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ هَذَا أَوَّلُ الْقِصَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً فِي التِّلَاوَةِ، وَاسْمُ الْقَتِيلِ (عَامِيلُ) [معرفة الاسم ليس عليه دليل، والعلم به لا ينفع، والجهل به لا يضر.] ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ أَصْلُهُ تَدَارَأْتُمْ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ وَأُدْخِلَتِ الْأَلْفُ، مِثْلَ قَوْلِهِ: "اثَّاقَلْتُمْ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ فَاخْتَلَفْتُمْ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تَدَافَعْتُمْ، أَيْ يُحِيلُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنَ الدَّرْءِ وَهُوَ الدَّفْعُ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ أَيْ مُظْهِرٌ ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فَإِنَّ الْقَاتِلَ كَانَ يَكْتُمُ الْقَتْلَ
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ يَعْنِي الْقَتِيلَ (بِبَعْضِهَا) أَيْ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: ضَرَبُوهُ بِالْعَظْمِ الَّذِي يَلِي الْغُضْرُوفَ وَهُوَ الْمَقْتَلُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بِعَجْبِ الذَّنَبِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُخْلَقُ وَآخِرُ مَا يَبْلَى، وَيُرَكَّبُ عَلَيْهِ الْخَلْقُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِلِسَانِهَا، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هَذَا أَدُلُّ بِهَا لِأَنَّهُ آلَةُ الْكَلَامِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ: بِفَخْذِهَا الْأَيْمَنِ، وَقِيلَ: بِعُضْوٍ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَقَامَ الْقَتِيلُ حَيًّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْدَاجُهُ، أَيْ عُرُوقُ الْعُنُقِ، تَشْخُبُ دَمًا وَقَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ، ثُمَّ سَقَطَ وَمَاتَ مَكَانَهُ فَحُرِمَ قَاتِلُهُ الْمِيرَاثَ، وَفِي الْخَبَرِ: "مَا وَرِثَ قَاتِلٌ بَعْدَ صَاحِبِ الْبَقَرَةِ" [أخرجه الطبري: ٢ / ١٨٤، وذكره ابن كثير: ١ / ١٩٤ بتحقيق الوادعي.] وَفِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَضُرِبَ فَحُيِيَ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ كَمَّا أَحْيَا عَامِيلَ، ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قِيلَ تَمْنَعُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْمَعَاصِي.
أَمَّا حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْإِسْلَامِ: إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَوْضِعٍ وَلَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ (لَوْثٌ) [في الأصل: اللوث.] عَلَى إِنْسَانٍ -وَاللَّوْثُ: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الْقَلْبِ صِدْقُ الْمُدَّعِي، بِأَنِ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ فِي بَيْتٍ أَوْ صَحْرَاءَ فَتَفَرَّقُوا عَنْ قَتِيلٍ يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ أَنَّ الْقَاتِلَ فِيهِمْ، أَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ كُلُّهُمْ أَعْدَاءٌ لِلْقَتِيلِ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ، فَيَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ -فَادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى بَعْضِهِمْ، يَحْلِفُ الْمُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ جَمَاعَةً تُوَزَّعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَعْدَمَا حَلَفُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ مِنْ عَاقِلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنِ ادَّعَوْا قَتْلَ خَطَأٍ، وَإِنِ ادَّعَوْا قَتْلَ عَمْدٍ فَمِنْ مَالِهِ، وَلَا قَوَدَ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْثٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ ثُمَّ هَلْ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً أَمْ خَمْسِينَ يَمِينًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) يَمِينًا وَاحِدَةً كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى (وَالثَّانِي) يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا تَغْلِيظًا لِأَمْرِ الدَّمَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا حُكْمَ لِلَّوْثِ [وَلَا يَزِيدُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي] [في ب: لا يبدأ بيمين المدعي.] وَقَالَ: إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ يَخْتَارُ الْإِمَامُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ صُلَحَاءِ أَهْلِهَا فَيُحَلِّفُهُمْ أَنَّهُمْ مَا قَتَلُوهُ وَلَا عَرَفُوا لَهُ قَاتِلًا ثُمَّ يَأْخُذُ الدِّيَةَ مِنْ سُكَّانِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْبِدَايَةَ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي عِنْدَ وجود اللوث:
[ما أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ] [ساقط من الأصل، وهو في (ب) .] عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا لِحَاجَتِهِمَا فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَانْطَلَقَ هُوَ وعبد الرحمن ١٤/أأَخُو الْمَقْتُولِ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ" فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا" فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَعَزَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَقْلَهُ مِنْ عِنْدِهِ [رواه البخاري: في الجزية والموادعة - باب: الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره: ٦ / ٢٧٥. ومسلم: في القسامة والمحاربين والقصاص والديات - باب القسامة برقم (١٦٦٩) ٣ / ١٢٩١. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٢١١ وما بعدها دون زيادة فعزم النبي ﷺ عقله من عنده.] [وَفِي لَفْظٍ آخَرَ فَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَلَهُ مِنْ عِنْدِهِ] [زيادة من (ب) .] قَالَ بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ: قَالَ سَهْلٌ لَقَدْ رَكَضَتْنِي فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ فِي مِرْبَدٍ لَنَا، وَفِي رِوَايَةٍ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي نَاقَةٌ حَمْرَاءُ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ فِي مِرْبَدٍ لَنَا" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَثْنَى عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ. [وأخرجه مسلم من طرق أخرى عن يحيى بن سعيد في القسامة والمحاربين ٣ / ١٢٩٢.] .
وَجْهُ الدَّلِيلِ مِنَ الْخَبَرِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَدَأَ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ لِتُقَوِّي جَانِبَهُمْ بِاللَّوْثِ، وَهُوَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وُجِدَ قَتِيلًا فِي خَيْبَرَ، وَكَانَتِ الْعَدَاوَةُ ظَاهِرَةً بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ، وَكَانَ يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، وَالْيَمِينُ أَبَدًا تَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ يَقْوَى جَانِبُهُ وَعِنْدَ عَدَمِ اللَّوْثِ يَقْوَى جَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم كشف الله - تعالى - بعد ذلك عن الغاية التي من أجلها أمروا بذبح البقرة فقال تعالى : ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .المعنى : واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفساً ، فاختلفتم وتنازعتم في قاتلها ، ودفع كل واحد منكم التهمة عن نفسه ، والله - عز وجل - مخرج لا محالة ما كتمتم من أمر القاتل ، فقد بين - سبحانه - الحق في ذلك فقال على لسان رسوله موسى - عليه السلام - اضربوا القتيل بأي جزء من أجزاء البقرة ، فضربتموه ببعضها فعادت إليه الحياة - بإذن الله - وأخبر عن قاتله ، وبمثل هذا الإِحياء لذلك القتيل بعد موته ، يحيى الله الموتى للحساب والجزاء يوم القيامة ، ويبين لكم الدلائل الدالة على أنه قدير على كل شيء رجاء أن تعقلوا الأمور على وجهها السليم .وجمهور المفسرين على أن واقعة قتل النفس وتنازعهم فيها ، حصلت قبل الأمر بذبح البقرة ، إلا أن القرآن الكريم أخرها في الذكر ليعدد على بني إسرائيل جناياتهم وليشوق النفوس إلى معرفة الحكمة من وراء الأمر بذبحها ، فتتقبلها بشغف واهتمام .قال صاحب الكشاف : فإن قلت فما للقصة لم تفص على ترتيبها ، وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها ، وأن يقال : وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟ قلت : كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديداً لما وجد منهم من الجنايات ، وتقريعاً لهم عليها ، ولما حدد فيهم من الآيات العظام ، وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين .فالأولى : لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة وإلى الامتثال وما يتبع ذلك .والثانية : للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة ، وإنما قدم قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل ، لأنه لو عمل على عكسه لكانت القصة واحدة ، ولذهب الغرض من تثنية التقريع ، ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها ، أن وصلت بالأولى ، دلالة على اتحادهما ، بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله : ( اضربوه بِبَعْضِهَا ) حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع ونيته ، بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها ، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة " .وقد أسند القرآن الكريم القتل إلى جميعهم في قوله تعالى : ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ ) مع أن القاتل بعضهم ، للإِشعار بأن الأمة في مجموعها وتكافلها كالشخص الواحد .وأسند القتل - أيضاً - إلى اليهود المعاصرين للعهد النبوي ، لأنهم من سلالات أولئك الذين حدث فيهم القتل ، وكثيراً ما يستعمل القرآن الكريم هذا الأسلوب للتنبيه على أن الخلف قد سار على طريقة السلف في الانحراف والضلال .وقوله تعالى : ( فادارأتم فِيهَا ) بيان لما حصل منهم بعد قتل النفس التي ذكرنا قصتها ومعنى ادارأتم فيها : اختلفتم وتخاصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أي يدفعه ويزحمه ، أي تدافعتم بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض فدفع المطروح عليه الطارح ، ليدفع الجناية عن نفسه ويتهم غيره .وقوله تعالى : ( والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) معناه : والله - تعالى - مظهر ومعلن ما كنتم تسترونه من أمر القتيل الذي قتلتموه ، ثم تنازعتم في شأن قاتله ، وذلك ليتبين القاتل الحقيقي بدون أن يظلم غيره .