مقارنة التفاسير
الشعراء · الآية 153
مِنَ ﴿١٥٣﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الشعراء · الآية 153
مِنَ ﴿١٥٣﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف الآيات من 153 إلى 154 معاً في نص واحد.
قالت ثمود لنبيها صالح: ما أنت إلا من الذين سُحروا سِحْرًا كثيرًا، حتى غلب السحر على عقلك. ما أنت إلا فرد مماثل لنا في البشرية من بني آدم، فكيف تتميز علينا بالرسالة؟ فأت بحجة واضحة تدل على ثبوت رسالتك، إن كنت صادقًا في دعواك أن الله أرسلك إلينا.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
فقالوا لصالح إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ أي قد سحرت فأنت تهذي بما لا معنى له
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 153 إلى 159 معاً في نص واحد.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ ثَمُودَ فِي جَوَابِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ: يَعْنُونَ مِنَ الْمَسْحُورِينَ.
وَرَوَى [في ف: "وقال".] أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [في ف، أ: "المسحورين".] : يَعْنِي مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَاسْتَشْهَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِمَا قَالَ الشَّاعِرُ [هو لبيد بن ربيعة، والبيت في ديوانه ص (٥٦) أ. هـ، مستفادا من ط. الشعب.] : فَإِنْ تَسْأَلِينَا: فِيمَ نَحْنُ ؟ فَإِنَّنَا
عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الأنام المسحر يَعْنِي الَّذِينَ لَهُمْ سُحور، والسَّحر: هُوَ الرِّئَةُ.
وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وقَتَادَةَ: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّمَا أَنْتَ فِي قَوْلِكَ هَذَا مَسْحُورٌ لَا عَقْلَ لَكَ.
ثُمَّ قَالُوا: ﴿مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ يَعْنِي: فَكَيْفَ أُوحِيَ إِلَيْكَ دُونَنَا؟ كَمَا قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ﴾ [في ف، أ: "وأنزل" وهو خطأ.] [الْقَمَرِ: ٢٥، ٢٦] .
ثُمَّ إِنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ آيَةً يَأْتِيهِمْ بِهَا، لِيَعْلَمُوا صِدْقَهُ بِمَا [في أ: "فيما".] جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ فَطَلَبُوا مِنْهُ -وَقَدِ اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ -أَنْ يُخْرِجَ لَهُمُ الْآنَ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ -وَأَشَارُوا إِلَى صَخْرَةٍ عِنْدَهُمْ -نَاقَةً عُشَراء مِنْ صِفَتِهَا كَذَا وَكَذَا. فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَالِحٌ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ، لَئِنْ أَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا لَيُؤمنَنَ بِهِ، [وَلَيُصَدِّقُنَّهُ] [زيادة من ف، أ.] ، وَلَيَتَّبِعُنَّهُ، فَأَنْعَمُوا بِذَلِكَ. فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَالِحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَصَلَّى، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُجِيبَهُمْ إِلَى سُؤَالِهِمْ، فَانْفَطَرَتْ تِلْكَ الصَّخْرَةُ الَّتِي أَشَارُوا إِلَيْهَا عَنْ نَاقَةٍ عُشَراء، عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفُوهَا. فَآمَنَ بَعْضُهُمْ وَكَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ يَعْنِي: تَرِدُ مَاءَكُمْ يَوْمًا، وَيَوْمًا تَرِدُونَهُ أَنْتُمْ، ﴿وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَحَذَّرَهُمْ نِقْمَةَ اللَّهِ إِنْ أَصَابُوهَا بِسُوءٍ، فَمَكَثَتِ النَّاقَةُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الْوَرَقَ وَالْمَرْعَى. وَيَنْتَفِعُونَ بِلَبَنِهَا، يَحْتَلِبُونَ مِنْهَا مَا يَكْفِيهِمْ شُرْبًا وَرِيًّا، فَلَمَّا طَالَ عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالؤوا عَلَى قَتْلِهَا وَعَقْرِهَا.
﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ وَهُوَ أَنَّ أَرْضَهُمْ زُلزلت زِلْزَالًا شَدِيدًا، وَجَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ اقْتَلَعَتِ الْقُلُوبَ عَنْ مَحَالِّهَا، وَأَتَاهُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ، فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 151 إلى 153 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 151.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: لا تطيعوا أيها القوم أمر المسرفين على أنفسهم في تماديهم في معصية الله، واجترائهم على سخطه، وهم الرهط التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض، ولا يصلحون من ثمود الذين وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ يقول: الذين يسعون في أرض الله بمعاصيه، ولا يصلحون، يقول: ولا يصلحون أنفسهم بالعمل بطاعة الله.
* *
وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه إنما أنت من المسحورين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ قال: من المسحورين.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتاده، في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ قال: إنما أنت من المسحورين.
وقال آخرون: معناه: من المخلوقين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عبيد، قال: ثنا موسى بن عمرو، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ قال: من المخلوقين.
واختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك، فكان بعض أهل البصرة يقول: كل من أكل من إنس أو دابة فهو مسحر، وذلك لأن له سحرا يقري ما أكل فيه، واستشهد على ذلك بقول لبيد:
فَإِنْ تَسْأَلينا فِيمَ نَحْنُ فإنَّنا ... عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الأنامِ المُسَحَّر [سبق الاستشهاد ببيت لبيد هذا في (١٥: ٩٦) وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة الورقة ١٧٤) قال: وكل من أكل من إنس أو دابة فهو مسحر، وذلك أن له سحرًا يقرى فيه ما أكل، قال لبيد (وأنشد البيت) . وفي (اللسان: سحر) / سحره بالطعام والشراب يسحره سحرًا، وسحره: غذاه وعلله. وقيل: خدعه. والسحر: الغذاء. قال امرؤ القيس: أرَانَا مُوضِعِينَ لأَمْرِ غَيْبٍ ... وَنُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وَبِالْشَّرَابِ موضعين: مسرعين. ولأمر غيب: يريد الموت وأنه قد غيب عنا وقته، ونحن نلهى عنه بالطعام والشراب والسحر: الخديعة. وقول لبيد: "فإن تسألينا.." البيت. يكون على وجهين. وقوله تعالى: (إنما أنت من المسحرين) يكون من التغذية ومن الخديعة وقال الفراء: (إنما أنت من المسحرين) : قالوا لنبي الله: لست بملك، إنما أنت بشر مثلنا. قال: والمسحر: المجوف؛ كأنه أعلم، أخذ من قولك: انتفخ سحرك، أي أنك تأكل الطعام والشراب، فتعلل به. وقيل: (من المسحرين) أي: ممن سحر مرة بعد مرة.]
وقال بعض نحويي الكوفيين نحو هذا، غير أنه قال: أخذ من قولك: انتفخ سحرك: أي أنك تأكل الطعام والشراب، فتُسَحَّر به وتعلل. وقال: معنى قول لبيد: "من هذا الأنام المسحر": من هذا الأنام المعلل المخدوع. قال: ويُروى أن السحر من ذلك، لأنه كالخديعة.
والصواب من القول في ذلك عندي: القول الذي ذكرته عن ابن عباس، أن معناه: إنما أنت من المخلوقين الذين يعللون بالطعام والشراب مثلنا، ولست ربا ولا ملكا فنطيعك، ونعلم أنك صادق فيما تقول. والمسحر: المفعل من السحرة، وهو الذي له سحرة.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ذِكْرُ قِصَّةِ صَالِحٍ وَقَوْمِهِ وَهُمْ ثَمُودُ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الْحِجْرَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي "الْحِجْرِ" [راجع ج ١٠ ص ٤٥ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.] وَهِيَ ذَوَاتُ نَخْلٍ وَزُرُوعٍ وَمِيَاهٍ.
(أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هاهُنا آمِنِينَ) يَعْنِي فِي الدُّنْيَا آمِنِينَ مِنَ الْمَوْتِ وَالْعَذَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا مُعَمِّرِينَ لَا يَبْقَى الْبُنْيَانُ مَعَ أَعْمَارِهِمْ. وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: "وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها" فَقَرَّعَهُمْ صَالِحٌ وَوَبَّخَهُمْ وَقَالَ: أَتَظُنُّونَ أَنَّكُمْ بَاقُونَ فِي الدُّنْيَا بِلَا مَوْتٍ (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ). الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ قَالَ: "وَنَخْلٍ" بَعْدَ قَوْلِهِ: وَ "جَنَّاتٍ" وَالْجَنَّاتُ تَتَنَاوَلُ النَّخْلَ أَوَّلَ شي كَمَا يَتَنَاوَلُ النَّعَمُ الْإِبِلَ كَذَلِكَ مِنْ بَيْنِ الْأَزْوَاجِ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَذْكُرُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يَقْصِدُونَ إِلَّا النَّخْلَ، كَمَا يَذْكُرُونَ النَّعَمَ وَلَا يُرِيدُونَ إِلَّا الْإِبِلَ قَالَ زُهَيْرٌ:
كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مِنَ النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا
يَعْنِي النَّخْلَ، وَالنَّخْلَةُ السَّحُوقُ الْبَعِيدَةُ الطُّولِ. قُلْتُ: فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا- أَنْ يُخَصَّ النَّخْلُ بِإِفْرَادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي جُمْلَةِ سَائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلَى انْفِرَادِهِ عَنْهَا بِفَضْلِهِ عَنْهَا. وَالثَّانِي- أَنْ يُرِيدَ بِالْجَنَّاتِ غَيْرَهَا مِنَ الشَّجَرِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ ثُمَّ يُعْطَفُ عَلَيْهَا النَّخْلُ. وَالطَّلْعَةُ هِيَ الَّتِي تَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ، فِي جَوْفِهِ شَمَارِيخُ الْقِنْوِ، وَالْقِنْوُ اسْمٌ لِلْخَارِجِ مِنَ الْجِذْعِ كَمَا هُوَ بِعُرْجُونِهِ وَشَمَارِيخِهِ. وَ "هَضِيمٌ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَطِيفٌ مَا دَامَ فِي كُفُرَّاهُ. وَالْهَضِيمُ اللَّطِيفُ الدَّقِيقُ، وَمِنْهُ قَوْلُ امرئ القيس:
عَلَيَّ هَضِيمَ الْكَشْحِ رَيَّا الْمُخَلْخَلِ [صدر البيت. هصرت بفودي رأسها فمايلت]
الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ لِلطَّلْعِ هَضِيمٌ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ كُفُرَّاهُ، لِدُخُولِ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ. وَالْهَضِيمُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّطِيفَةُ الْكَشْحَيْنِ. وَنَحْوَهُ حَكَى الْهَرَوِيُّ، قَالَ: هُوَ الْمُنْضَمُّ فِي وِعَائِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ، وَمِنْهُ رَجُلٌ هَضِيمُ الْجَنْبَيْنِ أَيْ مُنْضَمُّهُمَا، هَذَا قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ اثْنَي عَشَرَ قَوْلًا: أَحَدُهَا: أَنَّهُ الرَّطْبُ اللَّيِّنُ، قال عِكْرِمَةُ. الثَّانِي- هُوَ الْمُذَنَّبُ مِنَ الرَّطْبِ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ- هُوَ ابْنُ أَبِي زِيَادٍ كُوفِيٌّ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ شَامِيٌّ- وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ قَالَ: مِنْهُ مَا قَدْ أَرْطَبَ وَمِنْهُ مُذَنَّبٌ. الثَّالِثُ- أَنَّهُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ نَوًى، قَالَهُ الْحَسَنُ. الرَّابِعُ- أَنَّهُ الْمُتَهَشِّمُ الْمُتَفَتِّتُ إِذَا مُسَّ تَفَتَّتَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَتَهَشَّمُ فِي الْفَمِ. الْخَامِسُ- هُوَ الَّذِي قَدْ ضَمَرَ بِرُكُوبِ بَعْضِهِ بَعْضًا، قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ. السَّادِسُ- أَنَّهُ الْمُتَلَاصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، قَالَهُ أَبُو صَخْرٍ. السَّابِعُ- أَنَّهُ الطَّلْعُ حِينَ يَتَفَرَّقُ وَيَخْضَرُّ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ أَيْضًا. الثَّامِنُ- أَنَّهُ الْيَانِعُ النَّضِيجُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. التَّاسِعُ- أَنَّهُ الْمُكْتَنِزُ قَبْلَ أَنْ يَنْشَقَّ عَنْهُ الْقِشْرُ، حَكَاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، قَالَ:
كَأَنَّ حَمُولَةً تُجْلَى عَلَيْهِ ... هَضِيمٌ مَا يُحَسُّ لَهُ شُقُوقُ
الْعَاشِرُ- أَنَّهُ الرِّخْوُ، قال الْحَسَنُ. الْحَادِي عَشَرَ- أَنَّهُ الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أَوَّلُ مَا يَخْرُجُ وَهُوَ الطَّلْعُ النَّضِيدُ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ. الثَّانِي عَشَرَ- أَنَّهُ الْبَرْنِيُّ [البرني: ضرب من الثمر وهو أجوده، واحدته برنية.] ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، فعيل بمعنى فاعل أي هنئ مرئ مِنْ انْهِضَامِ الطَّعَامِ. وَالطَّلْعُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّلُوعِ وَهُوَ الظُّهُورُ، وَمِنْهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ والنبات.
قوله تعالى: "وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ" النَّحْتُ النَّجْرُ وَالْبَرْيُ، نَحَتَهُ يَنْحِتُهُ (بِالْكَسْرِ) نَحْتًا إِذَا بَرَاهُ والنحاتة البراية. المنحت مَا يُنْحَتُ بِهِ. وَفِي "وَالصَّافَّاتِ" قَالَ: "أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ". وَكَانُوا يَنْحِتُونَهَا مِنَ الْجِبَالِ لَمَّا طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ وَتَهَدَّمَ بِنَاؤُهُمْ مِنَ الْمَدَرِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ: "فَرِهِينَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ. الْبَاقُونَ: "فارِهِينَ" بِأَلِفٍ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِ، مِثْلُ: "عِظاماً نَخِرَةً" وَ "نَاخِرَةً". وَحَكَاهُ قُطْرُبٌ. وَحَكَى فَرُهَ يَفْرُهُ فَهُوَ فَارِهٌ وَفَرِهَ يَفْرَهُ فَهُوَ فَرِهٌ وَفَارِهٌ إِذَا كَانَ نَشِيطًا. وَهُوَ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَوْمٌ فَقَالُوا: "فارِهِينَ" حَاذِقِينَ بِنَحْتِهَا، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي صَالِحٍ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: "فارِهِينَ" مُتَجَبِّرِينَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ مَعْنَى "فَرِهِينَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ أَشِرِينَ بَطِرِينَ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَرُوِيَ عَنْهُ شَرِهِينَ. الضَّحَّاكُ: كَيِّسِينَ. قَتَادَةُ: مُعْجَبِينَ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ، وَعَنْهُ: نَاعِمِينَ. وَعَنْهُ أَيْضًا آمِنِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ. وَقِيلَ: مُتَخَيِّرِينَ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِلَى فَرِهٍ يُمَاجِدُ كُلَّ أَمْرٍ ... قَصَدْتُ لَهُ لِأَخْتَبِرَ الطِّبَاعَا
وَقِيلَ: مُتَعَجِّبِينَ، قَالَهُ خُصَيْفٌ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَقْوِيَاءُ. وَقِيلَ: فَرِهِينَ فَرِحِينَ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ. وَالْعَرَبُ تُعَاقِبُ بَيْنَ الْهَاءِ وَالْحَاءِ، تَقُولُ: مَدَهْتُهُ وَمَدَحْتُهُ، فَالْفَرِهُ الْأَشِرُ الْفَرِحُ ثُمَّ الْفَرِحُ بِمَعْنَى الْمَرِحِ مَذْمُومٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً" وَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ". "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ" قِيلَ: الْمُرَادُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ. وَقِيلَ: التِّسْعَةُ الرَّهْطُ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ. قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى صَالِحٍ: إِنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُونَ نَاقَتَكَ، فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: مَا كُنَّا لِنَفْعَلَ. فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: إِنَّهُ سَيُولَدُ فِي شَهْرِكُمْ هَذَا غُلَامٌ يَعْقِرُهَا وَيَكُونُ هَلَاكُكُمْ عَلَى يَدَيْهِ، فَقَالُوا: لَا يُولَدُ فِي هَذَا الشَّهْرِ ذَكَرٌ إِلَّا قَتَلْنَاهُ. فَوُلِدَ لِتِسْعَةٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ فَذَبَحُوا أَبْنَاءَهُمْ، ثُمَّ وُلِدَ لِلْعَاشِرِ فَأَبَى أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ وَكَانَ لَمْ يُولَدْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَكَانَ ابْنُ الْعَاشِرَ أَزْرَقَ أَحْمَرَ فَنَبَتَ نَبَاتًا سَرِيعًا، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِالتِّسْعَةِ فَرَأَوْهُ قَالُوا: لَوْ كَانَ أَبْنَاؤُنَا أَحْيَاءً لَكَانُوا مِثْلَ هَذَا. وَغَضِبَ التِّسْعَةُ عَلَى صَالِحٍ، لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ قَتْلِهِمْ أَبْنَاءَهُمْ فَتَعَصَّبُوا وَتَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ. قَالُوا: نَخْرُجُ إِلَى سَفَرٍ فَتَرَى النَّاسُ سَفَرَنَا فَنَكُونُ فِي غَارٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ وَخَرَجَ صَالِحٌ إِلَى مَسْجِدِهِ أَتَيْنَاهُ فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ قُلْنَا مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، فَيُصَدِّقُونَنَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّا قَدْ خَرَجْنَا إِلَى سَفَرٍ. وَكَانَ صَالِحٌ لَا يَنَامُ مَعَهُمْ فِي [الْقَرْيَةِ وَكَانَ [الزيادة من "قصص الأنبياء" للثعلبي.] يَأْوِي إِلَى] مَسْجِدِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ أَتَاهُمْ فَوَعَظَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْغَارَ أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ الْغَارُ فَقَتَلَهُمْ، فَرَأَى ذَلِكَ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ، فَصَاحُوا فِي الْقَرْيَةِ: يَا عِبَادَ اللَّهِ! أَمَا رَضِيَ صَالِحٌ أَنْ أَمَرَ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ حَتَّى قَتَلَهُمْ، فَأَجْمَعَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ عَلَى قَتْلِ النَّاقَةِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّمَا اجْتَمَعَ التِّسْعَةُ عَلَى سَبِّ صَالِحٍ بَعْدَ عَقْرِهِمُ النَّاقَةَ وَإِنْذَارِهِمْ بِالْعَذَابِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ "النَّمْلِ" [في تفسير قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ".] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. "قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ" هُوَ مِنَ السِّحْرِ فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ عَلَى مَا قَالَ الْمَهْدَوِيُّ أَيْ أُصِبْتَ بِالسِّحْرِ فَبَطَلَ عَقْلُكَ، لِأَنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَلِمَ تَدَّعِ الرِّسَالَةَ دُونَنَا. وَقِيلَ: مِنَ الْمُعَلَّلِينَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْكَلْبِيُّ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ. وَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنَ السَّحْرِ وَهُوَ الرِّئَةُ أَيْ بَشَرٌ لَكَ سَحْرٌ أَيْ رِئَةٌ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ مِثْلَنَا كَمَا قَالَ [لَبِيَدٌ [في نسخ الأصل: امرؤ القيس، والتصويب من ديوان لبيد.] ]:
فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا ... عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الْأَنَامِ الْمُسَحَّرِ
وَقَالَ [امْرُؤُ القيس:]
ونسحر بالطعام وبالشراب [صدر البيت: أرانا موضعين لأمر غيب موضعين: مسرعين. وأمر غيب يريد الموت وأنه قد غيب منا وقته ونحن نلهى عنه بالطعام والشراب.]
(فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فِي قَوْلِكَ.
(قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالُوا إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَادْعُ اللَّهَ يُخْرِجُ لَنَا مِنْ هَذَا الْجَبَلِ نَاقَةً حَمْرَاءَ عُشَرَاءَ [ناقة عشراء: مضى لحملها عشرة أشهر.] فَتَضَعُ وَنَحْنُ نَنْظُرُ، وَتَرِدُ هَذَا الْمَاءَ فَتَشْرَبُ وَتَغْدُو علينا بمثله لبنا. فدعا الله وَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فَ "قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ" أَيْ حَظٌّ [مِنَ الْمَاءِ [زيادة يقتضيها المعنى.] ]، أَيْ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ وَلَهَا شِرْبُ يَوْمٍ، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهَا شَرِبَتْ مَاءَهُمْ كُلَّهُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَتَسْقِيهِمُ اللَّبَنَ آخِرَ النَّهَارِ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهِمْ كَانَ لِأَنْفُسِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَأَرْضِهِمْ، لَيْسَ لَهُمْ فِي يَوْمِ وُرُودِهَا أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ شِرْبِهَا شَيْئًا، وَلَا لَهَا أَنْ تَشْرَبَ فِي يَوْمِهِمْ مِنْ مَائِهِمْ شَيْئًا. قَالَ الْفَرَّاءُ: الشِّرْبُ الْحَظُّ مِنَ الْمَاءِ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَيُقَالُ فِيهِ شَرِبَ شَرْبًا وَشُرْبًا وَشِرْبًا وَأَكْثَرُهَا الْمَضْمُومَةُ، لِأَنَّ الْمَكْسُورَةَ وَالْمَفْتُوحَةَ يَشْتَرِكَانِ مَعَ شي آخَرَ فَيَكُونُ الشِّرْبُ الْحَظَّ مِنَ الْمَاءِ، وَيَكُونُ الشرب جمع شارب كما قال [هو الأعشى وتمامه: شيموا فكيف يشيم الشارب الثمل ودرنا (بضم الدال والفتح) موضع زعموا أنه بناحية اليمامة. اللسان.] :
فقلت للشرب في درنا وقد ثملوا
إِلَّا أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ وَالْكِسَائِيَّ يختاران الشرب بالفتح في الصدر، وَيَحْتَجَّانِ بِرِوَايَةِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشَرْبٍ".
(وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ) لَا يَجُوزُ إِظْهَارُ التضعيف ها هنا، لِأَنَّهُمَا حَرْفَانِ مُتَحَرِّكَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
(فَيَأْخُذَكُمْ) جواب النهي، ويجوز حَذْفُ الْفَاءِ مِنْهُ، وَالْجَزْمُ كَمَا جَاءَ فِي الْأَمْرِ إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ يُجِيزُهُ.
(فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ) أَيْ عَلَى عَقْرِهَا لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ أَنْظَرَهُمْ ثَلَاثًا فَظَهَرَتْ عَلَيْهِمُ الْعَلَامَةُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَنَدِمُوا وَلَمْ يَنْفَعْهُمُ النَّدَمُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ. وَقِيلَ: لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَّدَمُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتُوبُوا، بَلْ طَلَبُوا صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَقْتُلُوهُ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ. وَقِيلَ: كَانَتْ نَدَامَتُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْوَلَدِ إِذْ لَمْ يَقْتُلُوهُ مَعَهَا. وَهُوَ بَعِيدٌ.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) إِلَى آخِرِهِ تَقَدَّمَ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَا آمَنَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْأُمَمِ إِلَّا أَلْفَانِ وَثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ. وَقِيلَ: كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَ قَوْمُ صَالِحٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ قَبِيلٍ كُلُّ قَبِيلٍ نَحْوَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِوَى النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَلَقَدْ كَانَ قَوْمُ عَادٍ مِثْلَهُمْ سِتَّ مَرَّاتٍ.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 149 إلى 155 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 149.
﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ وَقُرِئَ: "فَرِهِينَ" قِيلَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ [ذهب إليه أبو عبيدة في "مجاز القرآن": ٢ / ٩٨.] . وَقِيلَ: فارهين أي: حادقين بِنَحْتِهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ فَرِهَ الرَّجُلُ فَرَاهَةً فَهُوَ فَارِهٌ، وَمَنْ قَرَأَ "فَرِهِينَ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشِرِينَ بَطِرِينَ [قال أبو جعفر النحاس في "معاني القرآن": (٥ / ٩٧) : "وهذا أعرفها في اللغة، وهو قول أبي عمرو، وأبي عبيدة، فكأن الهاء مبدلة من حاء، لأنهما من حروف الحلق".] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَاعِمِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَرِهِينَ. قَالَ قَتَادَةُ: مُعْجَبِينَ بِصَنِيعِكُمْ، قَالَ السُّدِّيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ فَرِحِينِ. وَالْعَرَبُ تُعَاقِبُ بَيْنَ الْهَاءِ وَالْحَاءِ مِثْلَ: مَدَحْتُهُ وَمَدَهْتُهُ. قَالَ الضَّحَّاكُ: كَيِّسِينَ [قال الطبري بعد أن عرض الأقوال في تفسير القراءتين: (١٩ / ١٠١) "والصواب أنهما قراءتان معروفتان، مستفيضة القراءة بكل واحدة منهما، في علماء القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. ومعنى قراءة من قرأ (فارهين) : حاذقين بنحتها، متخيرين لمواضع نحتها، كيسين، من الفراهة. ومعنى قراءة من قرأ (فارهين) : مرحين أشرين، وقد يجوز أن يكون معنى: فاره وفره، واحدا..".] .
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ.
﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بِالْمَعَاصِي، ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ لَا يُطِيعُونَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مِنَ الْمَسْحُورِينَ الْمَخْدُوعِينَ، أَيْ: مِمَّنْ سُحِرَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ: مِنَ الْمَخْلُوقِينَ الْمُعَلَّلِينَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، يُقَالُ: سَحَرَهُ، أَيْ: عَلَّلَهُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، يُرِيدُ: إِنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَلَسْتَ بَمَلَكٍ، بَلْ: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ عَلَى صِحَّةِ مَا تَقُولُ، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْنَا.
﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾ حَظٌّ وَنَصِيبٌ مِنَ الْمَاءِ، ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ولكن هذا النصح الحكيم من صالح لقومه ، لم يقابل منهم بأذن صاغية ، بل قابلوه بالتطاول والاستهتار وإنكار رسالته ( قالوا إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المسحرين مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ) .أى : قال قوم صالح له : أنت لست إلا من الذين غلب عليهم السحر ، وأثر فى عقولهم ، فصاروا يتكلمون بكلام المجانين .