مقارنة التفاسير
الشعراء · الآية 185
مِنَ ﴿١٨٥﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الشعراء · الآية 185
مِنَ ﴿١٨٥﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف الآيات من 185 إلى 187 معاً في نص واحد.
قالوا: إنما أنت -يا شعيب- مِنَ الذين أصابهم السحر إصابة شديدة، فذهب بعقولهم، وما أنت إلا واحد مثلنا في البشرية، فكيف تختص دوننا بالرسالة؟ وإن أكبر ظننا أنك من الكاذبين فيما تدَّعيه من الرسالة. فإن كنت صادقًا في دعوى النبوة، فادع الله أن يسقط علينا قطع عذاب من السماء تستأصلنا.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
قالوا له, مكذبين له, رادين لقوله: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ فأنت تهذي وتتكلم كلام المسحور, الذي غايته أن لا يؤاخذ به.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 185 إلى 191 معاً في نص واحد.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ جَوَابِ قَوْمِهِ لَهُ بِمِثْلِ مَا أَجَابَتْ بِهِ ثَمُودُ لِرَسُولِهَا [في ف، أ: "لرسلها".] -تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ -حَيْثُ قَالُوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ يَعْنُونَ: مِنَ الْمَسْحُورِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ.
﴿وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أَيْ: تَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فِيمَا تَقُولُهُ، لَا أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ إِلَيْنَا.
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ : قَالَ الضَّحَّاكُ: جَانِبًا مِنَ السَّمَاءِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قِطَعًا مِنَ السَّمَاءِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: عَذَابًا مِنَ السَّمَاءِ. وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ، إِلَى أَنْ قَالُوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٩٠-٩٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الْأَنْفَالِ:٣٢] ، وَهَكَذَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ الْجَهَلَةُ: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ .
﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يَقُولُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ جَازَاكُمْ بِهِ غَيْرَ ظَالِمٍ لَكُمْ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ بِهِمْ كَمَا سَأَلُوا، جَزَاءً وِفَاقًا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وَهَذَا مِنْ جِنْسِ مَا سَأَلُوا، مِنْ إِسْقَاطِ الْكِسَفِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، جَعَلَ عُقُوبَتَهُمْ [في أ: "عقوبته".] أَنْ أَصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ جِدًّا مُدَّةَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ لَا يَكُنُّهم منه شيء، ثم أَقْبَلَتْ إِلَيْهِمْ سَحَابَةٌ أَظَلَّتْهُمْ، فَجَعَلُوا يَنْطَلِقُونَ إِلَيْهَا يَسْتَظِلُّونَ بِظِلِّهَا مِنَ الْحَرِّ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا [كُلُّهُمْ] [زيادة من ف، أ.] تَحْتَهَا أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنْهَا شَرَرًا مِنْ نَارٍ، وَلَهَبًا وَوَهَجًا عَظِيمًا، وَرَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ وَجَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ أَزْهَقَتْ أَرْوَاحَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى صِفَةَ إِهْلَاكِهِمْ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ [في أ: "مواضع".] كُلُّ مَوْطِنٍ بِصِفَةٍ تُنَاسِبُ ذَلِكَ السِّيَاقَ، فَفِي الْأَعْرَافِ ذَكَرَ أَنَّهُمْ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الْأَعْرَافِ:٨٨] ، فَأَرْجَفُوا بِنَبِيِّ اللَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ. وَفِي سُورَةِ هُودٍ قَالَ: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هُودٍ:٩٤] ؛ وذلك لأنهم استهزؤوا بِنَبِيِّ اللَّهِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هُودٍ:٨٧] . قَالُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالِازْدِرَاءِ، فَنَاسَبَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ صَيْحَةٌ تُسْكِتُهُمْ، فَقَالَ: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [في ف: "فأخذتهم الصيحة".] وَهَاهُنَا قَالُوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمْ مَا اسْتَبْعَدُوا وُقُوعَهُ.
﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ [في ف، أ: "عمرو".] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْحَرَّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى مَا يُظِلُّهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَنْشَأَ لَهُمْ سَحَابَةً، فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا أَحَدُهُمْ وَاسْتَظَلَّ [في ف، أ: "فاستظل".] بِهَا، فَأَصَابَ تَحْتَهَا بَرْدًا وَرَاحَةً، فَأَعْلَمَ بِذَلِكَ قَوْمَهُ، فَأَتَوْهَا جَمِيعًا، فَاسْتَظَلُّوا تَحْتَهَا، فأجَّجتْ عَلَيْهِمْ نَارًا.
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ الظُّلَّةَ، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ، كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الظُّلَّةَ، وَأَحْمَى عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ، فَاحْتَرَقُوا كَمَا يَحْتَرِقُ الْجَرَادُ فِي الَمقْلَى.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظيّ: إِنَّ أَهْلَ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الْعَذَابِ: أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فِي دَارِهِمْ حَتَّى خَرَجُوا مِنْهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهَا أَصَابَهُمْ فَزَعٌ شَدِيدٌ، فَفَرقُوا أَنْ يَدْخُلُوا إِلَى الْبُيُوتِ فَتَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الظُّلَّةَ، فَدَخَلَ تَحْتَهَا رَجُلٌ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ظِلًّا [في ف: "ما رأيت ظلا كاليوم"] أَطْيَبَ وَلَا أَبْرَدَ مِنْ هَذَا. هَلُمُّوا أَيُّهَا النَّاسُ. فَدَخَلُوا جَمِيعًا تَحْتَ الظُّلَّةِ، فَصَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً، فَمَاتُوا جَمِيعًا. ثُمَّ تَلَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ -أَخُو حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ -حَدَّثَنِي حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ [في أ: "ضفيرة".] حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْبَاهِلِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ عليهم وَمَدَةً [في ف، أ: "رعدة".] وحرا شديدا، فأخذ بِأَنْفَاسِهِمْ [فَدَخَلُوا الْبُيُوتَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَجْوَافَ الْبُيُوتِ، فَأَخَذَ بِأَنْفَاسِهِمْ] [زيادة من ف، أ، والطبري.] فَخَرَجُوا مِنَ الْبُيُوتِ هِرَابًا إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً فَأَظَلَّتْهُمْ مِنَ الشَّمْسِ، فَوَجَدُوا لَهَا بَرْدًا وَلَذَّةً، فَنَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعُوا تَحْتَهَا أَرْسَلَهَا [في ف، أ: "أرسل".] اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَلِكَ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [تفسير الطبري (١٩/٦٧) .] .
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ : أَيِ: الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِنَ الْكَافِرِينَ، الرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 184 إلى 187 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 184.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿واتقوا﴾ أيها القوم عقاب ربكم ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ الْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ يعني بالجبلة: الخلق الأوّلين. وفي الجبلة للعرب لغتان: كسر الجيم والباء وتشديد اللام، وضم الجيم والباء وتشديد اللام؛ فإذا نزعت الهاء من آخرها كان الضم في الجيم والباء أكثر كما قال جلّ ثناؤه: "وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جُبُلا كَثِيرًا" وربما سكنوا الباء من الجبْل، كما قال أبو ذؤيب:
مَنايا يُقَرّبْنَ الحُتُوفَ لأهْلِها ... جِهارًا وَيَسْتَمْتِعْنَ بالأنس الجِبْلِ [البيت لأبي ذؤيب الهذلي (اللسان: جبل) والمنايا: جمع منية، وهي الموت. والحتوف جمع حتف، وهو الهلاك. والأنس الناس. والجبل: الأمة من الخلق. وفيه لغات، فيكون مثلث الجيم، ساكن الباء. ويكون بضم الجيم والباء وتشديد اللام. قال في اللسان: وحى جبل كثير. قال أبو ذؤيب: "منايا.." البيت. أي كثير. يقول: الناس كلهم متعة للموت، يستمتع بهم. قال ابن برى: ويروى: الجبل، بضم الجيم. قال: وكذا رواه أبو عبيدة. وقول الله عز وجل: (ولقد أضل منكم جبلا كثيرًا) : يقرأ: جبلا (بضم فسكون) عن أبي عمرو وجبلا (بضمتين) عن الكسائي. وجبلا (بكسر فسكون) عن الأعرج وعيسى بن عمر. وجبلا (بكسرتين فلام مشددة) عن أهل المدينة وجبلا (بضمتين مع التشديد) عن الحسن وابن أبي إسحاق قال: ويجوز أيضًا جبل (بكسر ففتح) جمع جبلة (بكسرة فسكون) وهو في جميع هذه الوجوه: خلقًا كثيرًا اهـ.]
وبنحو ما قلنا في معنى الجِبِلَّة قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ يقول: خلق الأوّلين.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ قال: الخليقة.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ قال: الخلق الأوّلين، الجبلة: الخلق.
* *
وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾
يقول: قالوا: إنما أنت يا شعيب معلل تعلل بالطعام والشراب، كما نعلل بهما، ولست ملَكا. ﴿وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تأكل وتشرب ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ . يقول: وما نحسبك فيما تخبرنا وتدعونا إليه، إلا ممن يكذب فيما يقول، فإن كنت صادقا فيما تقول بأنك رسول الله كما تزعم ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني قطعا من السماء، وهي جمع كِسفة، جمع كذلك كما تجمع تمرة: تمرا [كذا في الأصل وقياس الجمع الأخير على ما قبله ليس بواضح] .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿كسفا﴾ يقول: قِطَعا.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ : جانبا من السماء.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: ناحية من السماء، عذاب ذلك الكسف.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ الْأَيْكُ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ الْكَثِيرُ الْوَاحِدَةُ أَيْكَةٌ. وَمَنْ قَرَأَ: "أَصْحابُ الْأَيْكَةِ" فَهِيَ الْغَيْضَةُ. وَمَنْ قَرَأَ: "لَيْكَةُ" فَهُوَ اسْمُ الْقَرْيَةِ. وَيُقَالُ: هُمَا مِثْلُ بَكَّةَ وَمَكَّةَ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ "كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ" وَكَذَا قَرَأَ: فِي "ص". وَأَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى الْخَفْضِ فِي الَّتِي فِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَالَّتِي فِي سُورَةِ "ق" فَيَجِبُ أَنْ يُرَدَّ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ إِذْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ أَنَّ "لَيكَةَ" هِيَ اسْمُ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانُوا فيها وأن "الْأَيْكَةِ" اسم البلد فشى لَا يَثْبُتُ وَلَا يُعْرَفُ مَنْ قَالَهُ فَيَثْبُتُ عِلْمُهُ، وَلَوْ عُرِفَ مَنْ قَالَهُ لَكَانَ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أُمَّتَيْنِ: إِلَى قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ، وَإِلَى أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ، قَالَ: وَالْأَيْكَةُ غَيْضَةٌ مِنْ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ. وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أَهْلَ غَيْضَةٍ وَشَجَرٍ وَكَانَتْ عَامَّةُ شَجَرِهِمُ الدَّوْمَ وَهُوَ شَجَرُ الْمُقْلِ. وَرَوَى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: خَرَجَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ- يَعْنِي حِينَ أَصَابَهُمُ الْحَرُّ- فَانْضَمُّوا إِلَى الْغَيْضَةِ وَالشَّجَرِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَحَابَةً فَاسْتَظَلُّوا تَحْتَهَا، فَلَمَّا تَكَامَلُوا تَحْتَهَا أُحْرِقُوا. ولو لم يكن في هَذَا إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَ "الْأَيْكَةِ" الشَّجَرُ. وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ اخْتِلَافًا أَنَّ الْأَيْكَةَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ، فَأَمَّا احْتِجَاجُ بَعْضِ مَنِ احْتَجَّ بِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ فِي هَذَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ بِالْفَتْحِ أَنَّهُ فِي السَّوَادِ "لَيْكَةِ" فَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَالْقَوْلُ فِيهِ: إِنَّ أَصْلَهُ الْأَيْكَةُ ثُمَّ خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ فَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى اللَّامِ فَسَقَطَتْ وَاسْتَغْنَتْ عَنْ أَلِفِ الْوَصْلِ، لِأَنَّ اللَّامَ قَدْ تَحَرَّكَتْ فَلَا يَجُوزُ عل هَذَا إِلَّا الْخَفْضُ، كَمَا تَقُولُ بِالْأَحْمَرِ تُحَقِّقُ الهمزة ثم تخفضها فنقول بِلَحْمَرِ، فَإِنْ شِئْتَ كَتَبْتَهُ فِي الْخَطِّ عَلَى مَا كَتَبْتَهُ أَوَّلًا، وَإِنْ شِئْتَ كَتَبْتَهُ بِالْحَذْفِ، وَلَمْ يَجُزْ إِلَّا الْخَفْضُ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ مَا لَا يَنْصَرِفُ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ أَوْ أُضِيفَ انْصَرَفَ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ سِيبَوَيْهِ فِي هَذَا. وَقَالَ الْخَلِيلُ: "الْأَيْكَةِ" غَيْضَةٌ تُنْبِتُ السِّدْرَ وَالْأَرَاكَ وَنَحْوَهُمَا مِنْ نَاعِمِ الشَّجَرِ.
(إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ) وَلَمْ يقبل أَخُوهُمْ شُعَيْبٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَخًا لِأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ فِي النَّسَبِ، فَلَمَّا ذَكَرَ مَدْيَنَ قَالَ: "أَخاهُمْ شُعَيْباً"، لِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [راجع ج ٧ ص ٢٤٧ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.] الْقَوْلُ فِي نَسَبِهِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَرْسَلَ اللَّهُ شُعَيْبًا رَسُولًا إِلَى قَوْمِهِ أَهْلِ مَدْيَنَ، وَإِلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ، وَقَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
(أَلا تَتَّقُونَ) تَخَافُونَ اللَّهَ (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) الآية. وَإِنَّمَا كَانَ جَوَابُ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ وَاحِدًا عَلَى صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى، وَالطَّاعَةِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ.
(أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ) الناقصين للكيل وَالْوَزْنِ.
(وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) أَيْ أَعْطُوا الْحَقَّ. وقد مضي في "سبحان" وغيرها.
(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) تَقَدَّمَ فِي "هود" وَغَيْرِهَا.
(وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الْجِبِلَّةُ هِيَ الْخَلِيقَةُ. وَجُبِلَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا أَيْ خُلِقَ، فَالْخُلُقُ جِبِلَّةٌ وَجُبُلَّةٌ وَجِبْلَةٌ وَجُبْلَةٌ وَجَبْلَةٌ ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ فِي "مَعَانِي الْقُرْآنِ". "وَالْجِبِلَّةَ" عُطِفَ عَلَى الْكَافِ وَالْمِيمِ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: الْجِبِلَّةُ وَالْجُبُلَّةُ وَالْجِبِلُّ وَالْجُبُلُّ وَالْجَبْلُ لُغَاتٌ، وَهُوَ الْجَمْعُ ذُو الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جِبِلًّا كَثِيراً﴾. قَالَ النَّحَّاسُ فِي كِتَابِ "إِعْرَابِ الْقُرْآنِ" لَهُ: وَيُقَالُ جِبِلَّةٌ وَالْجَمْعُ فِيهِمَا جَبَّالٌ، وَتُحْذَفُ الضَّمَّةُ وَالْكَسْرَةُ مِنَ الْبَاءِ، وَكَذَلِكَ التَّشْدِيدُ مِنَ اللَّامِ، فَيُقَالُ: جُبْلَةٌ وَجُبَلٌ، وَيُقَالُ: جِبلَةٌ وَجِبَالٌ، وَتُحْذَفُ الْهَاءُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ: "وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ" بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْبَاءِ، وَرُوِيَ عَنْ شَيْبَةَ وَالْأَعْرَجِ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ. قَالَ:
وَالْمَوْتُ أَعْظَمُ حَادِثٍ ... فِيمَا يَمُرُّ عَلَى الْجِبِلَّهْ
(قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ) أَيْ مَا نَظُنُّكَ إِلَّا مِنَ الْكَاذِبِينَ فِي أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَعَالَى.
(فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً [. "كسفا" بإسكان السين قراءة نافع.] مِنَ السَّماءِ) أَيْ جَانِبًا مِنَ السَّمَاءِ وَقِطْعَةً مِنْهُ، فَنَنْظُرُ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ: "وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ". وَقِيلَ: أَرَادُوا أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْعَذَابَ. وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي التَّكْذِيبِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلَ سِدْرٍ وَسِدْرَةٍ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَحَفْصٌ "كِسَفاً" جَمْعُ كِسْفَةٍ أَيْضًا وَهِيَ الْقِطْعَةُ وَالْجَانِبُ تَقْدِيرُهُ كِسْرَةٌ وَكِسْرٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْكِسْفَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، يُقَالُ أَعْطِنِي كِسْفَةً مِنْ ثَوْبِكَ وَالْجَمْعُ كِسَفٌ وَكِسْفٌ. وَيُقَالُ: الْكِسْفُ وَالْكِسْفَةُ وَاحِدٌ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: مَنْ قَرَأَ: "كِسْفًا" جَعَلَهُ وَاحِدًا وَمَنْ قَرَأَ "كِسَفاً" جَعَلَهُ جَمْعًا. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُورَةِ "سُبْحَانَ" [راجع ج ١٠ ص ٣٣٠ طبعه أولى أو ثانية.] وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: وَمَنْ قَرَأَ "كِسْفًا" عَلَى التَّوْحِيدِ فَجَمْعُهُ أَكْسَافٌ وَكُسُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ أو تسقطه علينا طبقا واحدا، وَهُوَ مِنْ كَسَفْتُ الشَّيْءَ كَسْفًا إِذَا غَطَّيْتُهُ.
(إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) تهديد، أَيْ إِنَّمَا عَلَيَّ التَّبْلِيغُ وَلَيْسَ الْعَذَابُ الَّذِي سألتم وَهُوَ يُجَازِيكُمْ.
(فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ سحَابَةً فَهَرَبُوا إِلَيْهَا لِيَسْتَظِلُّوا بِهَا، فَلَمَّا صَارُوا تَحْتَهَا صِيحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا. وَقِيلَ: أقامها الله فوق رؤوسهم، وَأَلْهَبَهَا حَرًّا حَتَّى مَاتُوا مِنَ الرَّمْدِ. وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ يَوْمٍ فِي الدُّنْيَا عَذَابًا. وَقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَمُومًا فَخَرَجُوا إِلَى الْأَيْكَةِ يَسْتَظِلُّونَ بِهَا فَأَضْرَمَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا فَاحْتَرَقُوا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَغَيْرِهِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَتَحَ عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، وأرسل عليهم هدة وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فَدَخَلُوا بُيُوتَهُمْ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ظِلٌّ وَلَا مَاءٌ فَأَنْضَجَهُمُ الْحَرُّ، فَخَرَجُوا هَرَبًا إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَحَابَةً فَأَظَلَّتْهُمْ فَوَجَدُوا لَهَا بَرْدًا وَرَوْحًا وَرِيحًا طَيِّبَةً، فَنَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فلما اجتمعوا تحت السحابة أهبها اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ نَارًا، وَرَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ، فَاحْتَرَقُوا كَمَا يَحْتَرِقُ الْجَرَادُ فِي الْمَقْلَى، فَصَارُوا رَمَادًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها" وَقَوْلُهُ: "فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ". وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْحَرَّ حَتَّى أَخَذَ بِأَنْفَاسِهِمْ، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ظِلٌّ وَلَا مَاءٌ فَكَانُوا يَدْخُلُونَ الْأَسْرَابَ، لِيَتَبَرَّدُوا فِيهَا فَيَجِدُوهَا أَشَدَّ حَرًّا مِنَ الظَّاهِرِ، فَهَرَبُوا إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَأَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ وَهِيَ الظُّلَّةُ، فَوَجَدُوا لَهَا بَرْدًا وَنَسِيمًا، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نَارًا فَاحْتَرَقُوا. وَقَالَ يَزِيدُ الْجُرَيْرِيُّ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحَرَّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ ثُمَّ رُفِعَ لَهُمْ جَبَلٌ مِنْ بَعِيدٍ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَإِذَا تَحْتَهُ أَنْهَارٌ وَعُيُونٌ وَشَجَرٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ، فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ تَحْتَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهِمُ الْجَبَلُ وَهُوَ الظُّلَّةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: بَعَثَ اللَّهُ شُعَيْبًا إِلَى أُمَّتَيْنِ: أَصْحَابِ مَدْيَنَ وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ فَأَهْلَكَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْأَيْكَةِ بِالظُّلَّةِ، وَأَمَّا أَصْحَابُ مَدْيَنَ فَصَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَهَلَكُوا أَجْمَعِينَ.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) قِيلَ: آمن بشعيب من الفئتين تسعمائة نفر.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: مِنْ نُقْصَانِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَلَيْسَ الْعَذَابُ إِلَيَّ وَمَا عَلَيَّ إِلَّا الدَّعْوَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخَذَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ، فَكَانُوا يَدْخُلُونَ الْأَسْرَابَ فَإِذَا دَخَلُوهَا وَجَدُوهَا أَشَدَّ حَرًّا فَخَرَجُوا، فَأَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ، وَهِيَ الظُّلَّةُ، فَاجْتَمَعُوا تَحْتَهَا، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نَارًا فَاحْتَرَقُوا، ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ هُودٍ.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ.
﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَفْصٌ: "نَزَلَ" خَفِيفٌ، "الرُّوحُ الْأَمِينُ" بِرَفْعِ الْحَاءِ وَالنُّونِ، أَيْ" نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْقُرْآنِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَالنُّونِ أَيْ: نَزَّلَ اللَّهُ بِهِ جِبْرِيلَ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ".
﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى وَعَيْتَهُ، ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ الْمُخَوِّفِينَ.
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِلِسَانِ قُرَيْشٍ لِيَفْهَمُوا مَا فِيهِ] [ما بين القوسين ساقط من "أ".] .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف الآيات من 185 إلى 186 معاً في نص واحد.
واستمع قوم شعيب إلى تلك النصائح الحكيمة . ولكن لم يتأثروا بها ، بل اتهموا نبيهم فى عقله وفى صدقه ، وتحدوه فى رسالته فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : ( إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المسحرين وَمَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السمآء إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ) .قالوا له بسفاهة وغرور : إنما أنت يا شعيب من الذين أصيبوا بسحر عظيم جعلهم لا يعقلون ما يقولون ، أو إنما أنت من الناس الذين يأكلون الطعام ، ويشربون الشراب ، ولا مزية لك برسالة أو بنبوة علينا ، فأنت بشر مثلنا ، وما نظنك إلا من الكاذبين فيما تدعيه .