مقارنة التفاسير
الزمر · الآية 18
ٱلَّذِينَ ٱلَّذِينَ ٱللَّهُۖ هُمۡ ﴿١٨﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الزمر · الآية 18
ٱلَّذِينَ ٱلَّذِينَ ٱللَّهُۖ هُمۡ ﴿١٨﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف الآيات من 17 إلى 18 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 17.
والذين اجتنبوا طاعة الشيطان وعبادة غير الله، وتابوا إلى الله بعبادته وإخلاص الدين له، لهم البشرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن والتوفيق من الله، وفي الآخرة رضوان الله والنعيم الدائم في الجنة. فبشِّر -أيها النبي- عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أرشده. وأحسن الكلام وأرشده كلام الله ثم كلام رسوله ﷺ. أولئك هم الذين وفقهم الله للرشاد والسداد، وهداهم لأحسن الأخلاق والأعمال، وأولئك هم أصحاب العقول السليمة.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
[ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ } وهذا جنس يشمل كل قول فهم يستمعون جنس القول ليميزوا بين ما ينبغي إيثاره مما ينبغي اجتنابه، فلهذا من حزمهم وعقلهم أنهم يتبعون أحسنه، وأحسنه على الإطلاق كلام اللّه وكلام رسوله، كما قال في هذه السورة: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية.وفي هذه الآية نكتة، وهي: أنه لما أخبر عن هؤلاء الممدوحين أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كأنه قيل: هل من طريق إلى معرفة أحسنه حتى نتصف بصفات أولي الألباب، وحتى نعرف أن من أثره علمنا أنه من أولي الألباب؟قيل: نعم، أحسنه ما نص اللّه عليه ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية.﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ لأحسن الأخلاق والأعمال ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقول الزاكية.ومن لبهم وحزمهم، أنهم عرفوا الحسن من غيره، وآثروا ما ينبغي إيثاره، على ما سواه، وهذا علامة العقل، بل لا علامة للعقل سوى ذلك، فإن الذي لا يميز بين الأقوال، حسنها، وقبيحها، ليس من أهل العقول الصحيحة، أو الذى يميز، لكن غلبت شهوته عقله، فبقي عقله تابعا لشهوته فلم يؤثر الأحسن، كان ناقص العقل.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 17 إلى 18 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 17.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ نَزَلَتْ فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيل، وَأَبِي ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا شاملةٌ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، مِمَّنِ اجْتَنَبَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَأَنَابَ إِلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ. فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أَيْ: يَفْهَمُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى حِينَ آتَاهُ التَّوْرَاةَ: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الْأَعْرَافِ:١٤٥] .
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أَيِ: الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هُمُ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [في س: "والأخرى".] ، أَيْ: ذَوُو العقول الصحيحة، والفطَر المستقيمة.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 16 إلى 18 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 16.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ (١٨) ﴾
يقول تعالى ذكره لهؤلاء الخاسرين يوم القيامو في جهنم: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ وذلك كهيئة الظلل المبنية من النار ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ يقول: ومن تحتهم من النار ما يعلوهم، حتى يصير ما يعلوهم منها من تحتهم ظللا وذلك نظير قوله جلّ ثناؤه لَهُمْ: ﴿مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ يغشاهم مما تحتهم فيها من المهاد.
* *
وقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾
يقول تعالى ذكره: هذا الذي أخبرتكم أيها الناس به، مما للخاسرين يوم القيامة من العذاب، تخويف من ربكم لكم، يخوفكم به لتحذروه، فتجتنبوا معاصيه، وتنيبوا من كفركم إلى الإيمان به، وتصديق رسوله، واتباع أمره ونهيه، فتنجوا من عذابه في الآخرة ﴿فَاتَّقُونِ﴾ يقول: فاتقوني بأداء فرائضي عليكم، واجتناب معاصيّ، لتنجوا من عذابي وسخطي.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾
: أي اجتنبوا عبادة كلّ ما عبد من دون الله من شيء. وقد بيَّنا معنى الطاغوت فيما مضى قبل بشواهد ذلك، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وذكرنا أنه في هذا الموضع: الشيطان، وهو في هذا الموضع وغيره بمعنى واحد عندنا.
ذكر من قال ما ذكرنا في هذا الموضع:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ قال: الشيطان.
⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ قال: الشيطان.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ قال: الشيطان هو ها هنا واحد وهي جماعة.
والطاغوت على قول ابن زيد هذا واحد مؤنث، ولذلك قيل: أن يعبدوها. وقيل: إنما أُنثت لأنها في معنى جماعة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾
يقول: وتابوا إلى الله ورجعوا إلى الإقرار بتوحيده، والعمل بطاعته، والبراءة مما سواه من الآلهة والأنداد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ : وأقبلوا إلى الله.
⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ قال: أجابوا إليه.
* *
وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾
يقول: لهم البشرى في الدنيا بالجنة في الآخرة ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: فبشر يا محمد عبادي الذين يستمعون القول من القائلين، فيتبعون أرشده وأهداه، وأدله على توحيد الله، والعمل بطاعته، ويتركون ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل على رشاد، ولا يهدي إلى سداد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ وأحسنه طاعة الله.
⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ قال: أحسن ما يؤمرون به فيعلمون به.
* *
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾
يقول تعالى ذكره: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الذين هداهم الله، يقول: وفقهم الله للرشاد وإصابة الصواب، لا الذين يعرضون عن سماع الحقّ، ويعبدون ما لا يضرّ، ولا ينفع.
* *
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ﴾
يعني: أولو العقول والحجا.
وذُكر أن هذه الآية نزلت في رهط معروفين وحَّدوا الله، وبرئوا من عبادة كل ما دون الله قبل أن يُبعث نبيّ الله، فأنزل الله هذه الآية على نبيه يمدحهم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا ... ﴾ الآيتين، حدثني أبي أن هاتين الآيتين نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو، وأبي ذرّ الغفاري، وسلمان الفارسيّ، نزل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في جاهليتهم ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ لا إله إلا الله، أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ﴾ .
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 17 إلى 18 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 17.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ قَالَ الْأَخْفَشُ: الطَّاغُوتُ جَمْعٌ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً مُؤَنَّثَةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ [راجع ج ٥ ص ٢٨٠ طبعه أولى أو ثانيه.] أَيْ تَبَاعَدُوا مِنَ الطَّاغُوتِ وَكَانُوا مِنْهَا عَلَى جَانِبٍ فَلَمْ يَعْبُدُوهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ الْأَوْثَانُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الْكَاهِنُ. وَقِيلَ إِنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مِثْلَ طَالُوتَ وَجَالُوتَ وَهَارُوتَ وَمَارُوتَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيَانِ، وَ "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نصب بدلا من الطاغوت، تقديره: والذين اجْتَنَبُوا عِبَادَةَ الطَّاغُوتِ. "وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ" أَيْ رَجَعُوا إِلَى عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ. "لَهُمُ الْبُشْرى " فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِالْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى. رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدٍ وَسَعِيدٍ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، سَأَلُوا أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِإِيمَانِهِ فَآمَنُوا. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَوْلُهُ: "فَبَشِّرْ عِبادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الرَّجُلُ يَسْمَعُ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ فَيَتَحَدَّثُ بِالْحَسَنِ وَيَنْكَفُّ عَنِ الْقَبِيحِ فَلَا يَتَحَدَّثُ بِهِ. وَقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ وَغَيْرَهُ فَيَتَّبِعُونَ الْقُرْآنَ. وَقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ وَأَقْوَالَ الرَّسُولِ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أَيْ مُحْكَمَهُ فَيَعْمَلُونَ بِهِ. وَقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ عَزْمًا وَتَرْخِيصًا فَيَأْخُذُونَ بِالْعَزْمِ دُونَ التَّرْخِيصِ. وَقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الْعُقُوبَةَ الْوَاجِبَةَ لَهُمْ وَالْعَفْوَ فَيَأْخُذُونَ بِالْعَفْوِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَحْسَنَ الْقَوْلِ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْآيَةَ فِيمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، وَاتَّبَعُوا أَحْسَنَ مَا صَارَ مِنَ الْقَوْلِ إِلَيْهِمْ. "أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ" لِمَا يرضاه. "وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ" أي أصحاب العقول من المؤمنين الذين انتفعوا بعقولهم
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 11 إلى 20 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 11.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ مُخْلِصًا لَهُ التَّوْحِيدَ لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ وَعَبَدْتُ غَيْرَهُ، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وَهَذَا حِينَ دُعِيَ إِلَى دِينِ آبَائِهِ.
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أَمْرُ تَوْبِيخٍ وَتَهْدِيدٍ، كَقَوْلِهِ: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ" [فصلت: ٤٠] ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾ أَزْوَاجَهُمْ وَخَدَمَهُمْ، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلًا فَمَنْ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ الْمَنْزِلُ وَالْأَهْلُ لَهُ، وَمَنْ عَمِلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ دَخَلَ النَّارَ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَنْزِلُ وَالْأَهْلُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ [انظر: القرطبي: ١٥ / ٢٤٢.] . وَقِيلَ: خُسْرَانُ النَّفْسِ بِدُخُولِ النَّارِ، وَخُسْرَانُ الْأَهْلِ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ أَطْبَاقُ سُرَادِقَاتٍ مِنَ النَّارِ وَدُخَّانِهَا، ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ فِرَاشٌ وَمِهَادٌ مِنْ نَارٍ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْقَعْرِ، وَسَمَّى الْأَسْفَلَ ظُلَلًا لِأَنَّهَا ظُلَلٌ لِمَنْ تَحْتِهُمْ نَظِيرُهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ" [الأعراف: ٤١] .
﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ .
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الأوثان ١٠٥/ب ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ رَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ فِي الدُّنْيَا وَالْجَنَّةُ فِي الْعُقْبَى ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ .
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) ﴾
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ الْقُرْآنَ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ قَالَ الْسُّدِّيُّ: أَحْسُنُ مَا يُؤْمَرُونَ فَيَعْمَلُونَ بِهِ. وَقِيلَ: هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ الِانْتِصَارَ مِنَ الظَّالِمِ وَذَكَرَ الْعَفْوَ، وَالْعَفْوُ أَحْسَنُ الْأَمْرَيْنِ. وَقِيلَ: ذَكَرَ الْعَزَائِمَ وَالرُّخَصَ فَيَتَّبِعُونَ الْأَحْسَنَ وَهُوَ الْعَزَائِمُ. وَقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ وَغَيْرَ الْقُرْآنِ فَيَتَّبِعُونَ الْقُرْآنَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: آمَنَ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ عُثْمَانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، فَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِإِيمَانِهِ فَآمَنُوا، فَنَزَلَتْ فيهم [ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٤٢٦.] : "فبشر عباد الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" وَكُلُّهُ حَسَنٌ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ "وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ" الْآيَتَانِ، فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بن نفيل، وأبو ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ [أخرجه الطبري: ٢٣ / ٢٠٧، وزاد السيوطي في الدر المنثور: ٧ / ٢١٧ نسبته لابن أبي حاتم.] . وَالْأَحْسَنُ: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَقِيلَ: كَلِمَةُ الْعَذَابِ [قَوْلُهُ: "لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ"، وَقِيلَ:] [ساقط من "ب".] قَوْلُهُ: "هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي" [أخرج الإمام أحمد في مسنده: ٥ / ٢٣٩ عن معاذ بن جبل: "أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية أصحاب اليمين وأصحاب الشمال فقبض بيده قبضتين فقال: هذه في الجنة ولا أبالي، وهذه في النار ولا أبالي"، وانظر: مجمع الزوائد: ٧ / ١٨٥-١٨٦.] .
﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أَيْ: لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَبَا لَهَبٍ وَوَلَدَهُ.
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ أَيْ: مَنَازِلُ فِي الْجَنَّةِ رَفِيعَةٌ، وَفَوْقَهَا مَنَازِلُ أَرْفَعُ مِنْهَا، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ أَيْ: وَعَدَهُمُ اللَّهُ تِلْكَ الْغُرَفَ وَالْمَنَازِلَ وَعْدًا لَا يُخْلِفُهُ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سَلِيمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لِتُفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: "بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ" [أخرجه البخاري: في بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة: ٦ / ٣٢٠، ومسلم: في الجنة باب: ترائي أهل الجنة الغرف كما يرى الكوكب في السماء، برقم: (٢٨٣١) ، ٤ / ٢١٧٧، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢١٥.] .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم وصفهم - سبحانه - بما يدل على صفاء عقولهم ، وطهارة قلوبهم ، فقال : ( الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ . . . ) .وللعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة أقوال منها : أن المراد بالقول الذى يتبعون أحسنه . ما يشمل تعاليم الإِسلام كلها النابعة من الكتاب والسنة .والمراد بالأحسن الواجب والأفضل ، مع جواز الأخذ بالمندوب والحسن .فهم يتركون العقاب مع أنه جائز ، ويأخذون بالعفو لأنه الأفضل ، كما قال - تعالى - ( وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى . . . ) وكما قال - سبحانه - : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ) فيكون المعنى : الذين يستمعون الأقوال الحسنة والأشد حسنا فيأخذون بما هو أشد حسنا . . .ومنها أن المراد بالقول هنا ما يشمل الأقوال كلها سواء أكانت طيبة أم غير طيبة ، فهم يستمعون من الناس إلى أقوال متباينة ، فيتبعون الطيب منها ، وينبذون غيره .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : ( الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) هم الذين اجتنبوا وأنابوا لأغيرهم ، وإنما أراد بهم أن يكونوا مع الاجتناب والإِنابة على هذه الصفة . . وأراد أن يكونوا نقادا فى الدين ، مميزين بين الحسن والأحسن ، والفاضل والأفضل ، فإذا اعترضهم أمران : واجب ومندوب ، اختاروا الواجب . . . فهم حريصون على فعل ما هو أكثر ثواباً عند الله .وقيل : يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن . وقيل : يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها . نحو القصاص والعفو ، والانتصار والإِغضاء .وعن ابن عباس : هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساوئ ، فيحدث بأحسن ما سمع ، ويكف عما سواه .ويبدو لنا أن هذا القول الأخير المأثور عن ابن عباس - رضى الله عنهما - هو أقرب الأقوال إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى الجملة الكريمة .وقوله - سبحانه - : ( وأولئك هُمْ أُوْلُواْ الألباب ) ثناء آخر من الله - تعالى - على هؤلاء المؤمنين الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت ، وأخلصوا لله - تعالى - العبادة .أى : أولئك الذين هداهم الله - تعالى - إلى دينه الحق ، وإلى الصراط المستقيم ، وأولئك هم أصحاب العقول السليمة ، والمدارك القويمة ، والقلوب الطاهرة النقية ..قال الآلوسى : وفى الآية دلالة على حط قدر التقليد المحض ، ولذا قيل :شمر وكن فى أمور الدين مجتهداً ... ولا تكن مثل عير قيد فانقاداواستدل بها على أن الهداية تحصل بفعل الله - تعالى - وقبول النفس لها . . .