مقارنة التفاسير
الزمر · الآية 21
تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ مِنَ مَآءࣰ فِي ثُمَّ بِهِۦ ثُمَّ ثُمَّ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ ﴿٢١﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الزمر · الآية 21
تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ مِنَ مَآءࣰ فِي ثُمَّ بِهِۦ ثُمَّ ثُمَّ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ ﴿٢١﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ألم تر -أيها الرسول- أن الله أنزل من السحاب مطرًا فأدخله في الأرض، وجعله عيونًا نابعة ومياهًا جارية، ثم يُخْرج بهذا الماء زرعًا مختلفًا ألوانه وأنواعه، ثم ييبس بعد خضرته ونضارته، فتراه مصفرًّا لونه، ثم يجعله حطامًا متكسِّرًا متفتتًا؟ إن في فِعْل الله ذلك لَذكرى وموعظة لأصحاب العقول السليمة.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يذكر تعالى أولي الألباب، ما أنزله من السماء من الماء، وأنه سلكه ينابيع في الأرض، أي: أودعه فيها ينبوعا، يستخرج بسهولة ويسر، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ من بر وذرة، وشعير وأرز، وغير ذلك. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ عند استكماله، أو عند حدوث آفة فيه ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ متكسرا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يذكرون بها عناية ربهم ورحمته بعباده، حيث يسر لهم هذا الماء، وخزنه بخزائن الأرض تبعا لمصالحهم.ويذكرون به كمال قدرته، وأنه يحيي الموتى، كما أحيا الأرض بعد موتها، ويذكرون به أن الفاعل لذلك هو المستحق للعبادة.اللّهم اجعلنا من أولي الألباب، الذين نوهت بذكرهم، وهديتهم بما أعطيتهم من العقول، وأريتهم من أسرار كتابك وبديع آياتك ما لم يصل إليه غيرهم، إنك أنت الوهاب.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 21 إلى 22 معاً في نص واحد.
يُخْبِرُ تَعَالَى: أَنَّ أَصْلَ الْمَاءِ فِي الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ:٤٨] ، فَإِذَا أَنْزَلَ الْمَاءَ مِنَ السَّمَاءِ كَمَن فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يَصْرِفُهُ تَعَالَى فِي أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَمَا يَشَاءُ، ويُنِبُعه عُيُونًا مَا بَيْنَ صِغَارٍ وَكِبَارٍ، بِحَسْبِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ﴾ .
قَالَ [في ت: "روى".] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ عُتْبَةُ بْنُ يَقْظَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ [في ت: "بسنده".] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ﴾ ، قَالَ: لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مَاءٌ إِلَّا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَكِنْ عروق في الأرض تُغَيِّرُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ﴾ ، فمن سره أن يعود الملح عذاب فَلْيُصَعِّدْهُ.
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: أَنَّ كُلَّ مَاءٍ فِي الْأَرْضِ فَأَصْلُهُ مِنَ السَّمَاءِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَصْلُهُ مِنَ الثَّلْجِ يَعْنِي: أَنَّ الثَّلْجَ يَتَرَاكَمُ عَلَى الْجِبَالِ، فَيَسْكُنُ فِي قَرَارِهَا، فَتَنْبُعُ الْعُيُونُ مِنْ أَسَافِلِهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أَيْ: ثُمَّ يُخْرِجُ بِالْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ وَالنَّابِعِ مِنَ الْأَرْضِ زَرْعًا ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أَيْ: أَشْكَالُهُ وَطُعُومُهُ وَرَوَائِحُهُ وَمَنَافِعُهُ، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أَيْ: بَعْدَ نَضَارَتِهِ وَشَبَابِهِ يَكْتَهِلُ [في ت، أ: "يتكهل".] ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ ، قَدْ خَالَطَهُ اليُبْس، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: ثُمَّ يَعُودُ يَابِسًا يَتَحَطَّمُ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ أَيِ: الَّذِينَ يَتَذَكَّرُونَ بِهَذَا فَيَعْتَبِرُونَ إِلَى أَنَّ الدُّنْيَا هَكَذَا، تَكُونُ خَضرةً نَضِرَةً حَسْنَاءَ، ثُمَّ تَعُودُ عَجُوزا شَوْهَاءَ، وَالشَّابُّ يَعُودُ شَيْخًا هَرِما كَبِيرًا ضَعِيفًا [قَدْ خَالَطَهُ الْيُبْسُ] [زيادة من ت، أ.] ، وَبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ الْمَوْتُ. فَالسَّعِيدُ مَنْ كَانَ حَالُهُ بَعْدَهُ إِلَى خَيْرٍ، وَكَثِيرًا مَا يَضْرِبُ اللَّهُ تَعَالَى مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِمَا يُنَزِّلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ، وَيُنْبِتُ بِهِ زُرُوعًا وَثِمَارًا، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ حُطاما، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الْكَهْفِ:٤٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أَيْ: هَلْ يَسْتَوِي هَذَا وَمَنْ هُوَ قَاسِي الْقَلْبِ بِعِيدٌ مِنَ الْحَقِّ؟! كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الْأَنْعَامِ:١٢٢] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ: فَلَا تَلِينُ عِنْدَ ذِكْرِهِ [في ت، أ: "ذكر الله".] ، وَلَا تَخْشَعُ وَلَا تَعِي وَلَا تَفْهَمُ، ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ (٢١) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهو المطر ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ﴾ يقول: فأجراه عيونا في الأرض، وأحدها ينبوع، وهو ما جاش من الأرض.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبيّ، في قوله: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ﴾ قال: كلّ ندى وماء في الأرض من السماء نزل.
⁕ قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن الحسن بن مسلم بن بيان، قال: ثم أنبت بذلك الماء الذي أنزله من السماء فجعله في الأرض عيونا زرعا ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ يعني: أنواعا مختلفة من بين حنطة وشعير وسمسم وأرز، ونحو ذلك من الأنواع المختلفة ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ يقول: ثم ييبس ذلك الزوع من بعد خُضرته، يقال للأرض إذا يبس ما فيها من الخضر وذوى: هاجت الأرض، وهاج الزرع.
* *
وقوله: ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾
يقول: فتراه من بعد خُضرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر، وكذلك الزرع إذا يبس اصفرّ ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ والحطام: فتات التبن والحشيش، يقول: ثم يجعل ذلك الزرع بعد ما صار يابسا فُتاتا متكسرا.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾
يقول تعالى ذكره: إن في فعل الله ذلك كالذي وصف لذكرى وموعظة لأهل العقول والحجا يتذكرون به، فيعلمون أن من فعل ذلك فلن يتعذر عليه إحداث ما شاء من الأشياء، وإنشاء ما أراد من الأجسام والأعراض، وإحياء من هلك من خلقه من بعد مماته وإعادته من بعد فنائه، كهيئته قبل فنائه، كالذي فعل بالأرض التي أنزل عليها من بعد موتها الماء، فأنبت بها الزرع المختلف الألوان بقدرته.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً﴾ أَيْ إِنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ فِي إِحْيَاءِ الْخَلْقِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِنْزَالِ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ. "أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ" أَيْ مِنَ السحاب "ماء" أي المطر "فسلكه" أَيْ فَأَدْخَلَهُ فِي الْأَرْضِ وَأَسْكَنَهُ فِيهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]. "يَنابِيعَ" جَمْعُ يَنْبُوعٍ وَهُوَ يَفْعُولٌ مِنْ نَبَعَ يَنْبُعُ وَيَنْبَعُ وَيَنْبِعَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ. النَّحَّاسُ: وَحَكَى لَنَا ابْنُ كَيْسَانَ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ [قائله عنترة: ويروى، غضوب حرة. وتمامه: زيافة مثل الفنيق المقرم] :
يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ
أَنَّ مَعْنَاهُ يَنْبُعُ فَأَشْبَعَ الْفَتْحَةَ فَصَارَتْ أَلِفًا، نُبُوعًا خَرَجَ. وَالْيَنْبُوعُ عَيْنُ الْمَاءِ وَالْجَمْعُ الْيَنَابِيعُ. وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحانَ" [راجع ج ١٠ ص ٣٣٠ طبعه أولى أو ثانيه.] . "ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ" أَيْ بِذَلِكَ الْمَاءِ الْخَارِجِ مِنْ يَنَابِيعِ الْأَرْضِ "زَرْعاً" هُوَ لِلْجِنْسِ أَيْ زُرُوعًا شَتَّى لَهَا أَلْوَانٌ مُخْتَلِفَةٌ، حُمْرَةً وَصُفْرَةً وَزُرْقَةً وَخُضْرَةً وَنُورًا. قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ: كُلُّ مَاءٍ فِي الْأَرْضِ فَمِنَ السَّمَاءِ نَزَلَ، إِنَّمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الصَّخْرَةِ، ثُمَّ تُقْسَمُ مِنْهَا الْعُيُونُ وَالرَّكَايَا. "ثُمَّ يَهِيجُ" أَيْ يَيْبَسُ. "فَتَراهُ" أَيْ بَعْدَ خُضْرَتِهِ "مُصْفَرًّا" قَالَ الْمُبَرِّدُ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ هَاجَتِ الْأَرْضُ تَهِيجُ إِذَا أَدْبَرَ نَبْتُهَا وَوَلَّى. قَالَ: كَذَلِكَ هَاجَ النَّبْتُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ الْأَصْمَعِيِّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هَاجَ النَّبْتُ هِيَاجًا أَيْ يَبِسَ. وَأَرْضٌ هَائِجَةٌ يَبِسَ بَقْلُهَا أَوِ اصْفَرَّ، وَأَهَاجَتِ الرِّيحُ النَّبْتَ أَيْبَسَتْهُ، وَأَهْيَجْنَا الْأَرْضَ أَيْ وَجَدْنَاهَا هَائِجَةَ النَّبَاتِ، وَهَاجَ هَائِجُهُ أَيْ ثَارَ غَضَبُهُ، وَهَدَأَ هَائِجُهُ أَيْ سَكَنَتْ فَوْرَتُهُ. "ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا" أَيْ فُتَاتًا مُكَسَّرًا مِنْ تَحَطَّمَ الْعُودُ إِذَا تَفَتَّتَ مِنَ الْيُبْسِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى هَذَا قَدَرَ عَلَى الْإِعَادَةِ. وَقِيلَ: هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ وَلِصُدُورِ مَنْ فِي الْأَرْضِ، أَيْ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ قُرْآنًا فَسَلَكَهُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ "ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ" أَيْ دِينًا مُخْتَلِفًا بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَزْدَادُ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَأَمَّا الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ فَإِنَّهُ يَهِيجُ كَمَا يَهِيجُ الزَّرْعُ. وَقِيلَ: هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيَا، أَيْ كَمَا يَتَغَيَّرُ النَّبْتُ الْأَخْضَرُ فَيَصْفَرُّ كَذَلِكَ الدُّنْيَا بَعْدَ بَهْجَتِهَا. "إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ".
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 21 إلى 22 معاً في نص واحد.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ﴾ أَدْخَلَ ذَلِكَ الْمَاءَ، ﴿يَنَابِيعَ﴾ عُيُونًا وَرَكَايَا [جمع، مفرده (ركية) وهي البئر.] ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ الشَّعْبِيُّ: كُلُّ مَاءٍ فِي الْأَرْضِ فَمِنَ السَّمَاءِ نَزَلَ، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ أَيْ: بِالْمَاءِ ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أَحْمَرُ وَأَصْفَرُ وَأَخْضَرُ، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يَيْبَسُ ﴿فَتَرَاهُ﴾ بُعْدَ خُضْرَتِهِ وَنَضْرَتِهِ، ﴿مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ فُتَاتًا مُتَكَسِّرًا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ وَسَّعَهُ لِقَبُولِ الْحَقِّ، ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ لَيْسَ كَمَنْ أَقْسَى اللَّهُ قَلْبَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ فَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يَزِيدَ الْمَوْصِلِيُّ بِبَغْدَادَ، حَدَّثَنَا أَبُو فَرْوَةَ وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ انْشِرَاحُ صَدْرِهِ؟ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالتَّأَهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ" [عزاه السيوطي في الدر المنثور: ٧ / ٢١٩ لابن مردويه، وعزاه الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص ١٤٣ للثعلبي والحاكم والبيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود. وقال: "وفيه أبو فروة الرهاوي فيه كلام. ورواه الحكيم الترمذي في النوادر في الأصل السادس والثمانين".] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ قَلْبٍ، وَمَا غَضِبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا نَزَعَ مِنْهُمُ الرَّحْمَةَ [ذكره القرطبي: ١٥ / ٢٤٨.] .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لسرعة زوال الحياة الدنيا ، وقرب اضمحلال بهجتها . كما بين حال من شرح الله صدره للإِسلام فقال - تعالى - :( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ . . . ) .الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً . . . ) للتقرير .والينابيع : جمع ينبوع ، وهو المنبع أو المجرى الذى يكون فى باطن الأرض ، والذى يحمل الكثير من المياه الجارية أو المخزونة فى جوف الأرض .والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - أنزل من السحب المرتفعة فى جو السماء ، ماء كثيرا ، فأدخله بقدرته في عيون ومسارب فى الأرض ، هذه العيون والمسارب تارة تكون ظاهرة على وجه الأرض ، وتارة تكون فى باطنها ، وكل ذلك من أعظم الأدلة على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده .ثم بين - سبحانه - مظرهاه آخر من مظاهر قدرته فقال : ( ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ . . . ) .أى : هذا الماء الذى أنزله - سبحانه - بقدرته من السماء ، قد سلكه ينابيع فى الأرض ، ثم يخرج بسبب هذا الماء زرعا مختلفا فى ألوانه وفى أشكاله ، فمنه ما هو أخضر ومنه ما هو أصفر ، ومنه ما ليس كذلك مما يدل على كمال قدرة الله - تعالى - .وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ) بيان لمظهر ثالث من مظاهر قدرته - عز وجل - .والفعل " يهيج " مأخوذ من الهيْج بمعنى اليُبْس والجفَاف . يقال : هاج النبات هَيْجاً وهِيَاجا ، إذا يبس واصفر . أو مأخوذ من الهيج بمعنى شدة الحركة . يقال : هاج الشئ يهيج ، إذا ثار لمشقة أو ضرر ، ثم يعقب ذلك الهيجان الجفاف واليبس .أى : ثم يصاب هذا الزرع المختلف الألوان بالجفاف والضمور ، فتراه مصفرا من بعد اخضراره ونضارته ، ثم يجعله - سبحانه - ( حُطَاماً ) أى : فتاتا متكسرا . يقال : حَطِمَ الشئ حطَما - من باب تعب - إذا تكسر وتفتت وتحطم .( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الذى ذكرناه من إنزال الماء من السماء ، ومن سلكه ينابيع فى الأرض ، ومن إخراج النبات المختلف الألوان بسببه ( لذكرى ) عظيمة ( لأُوْلِي الألباب ) .أى : لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة .والمقصود من هذه الآية الكريمة ، التحذير من الإنهماك فى الحياة الدنيا ومتعها ، حيث شبهها - سبحانه - فى سرعة زوالها وقرب اضمحلالها - بالزرع الذى يبدو مخضرا وناضراً . . . ثم يعقب ذلك الجفاف والذبول والاضمحلال .وفى هذا المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً ).