مقارنة التفاسير
الزمر · الآية 59
قَدۡ بِهَا مِنَ ﴿٥٩﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الزمر · الآية 59
قَدۡ بِهَا مِنَ ﴿٥٩﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ما القول كما تقول، قد جاءتك آياتي الواضحة الدالة على الحق، فكذَّبت بها، واستكبرت عن قَبولها واتباعها، وكنت من الكافرين بالله ورسله.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ الدالة دلالة لا يمترى فيها. على الحق ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ عن اتباعها ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فسؤال الرد إلى الدنيا، نوع عبث، ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ .
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 53 إلى 59 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 53.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ دَعْوَةٌ لِجَمِيعِ الْعُصَاةِ مِنَ الْكَفَرَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ تَابَ مِنْهَا وَرَجَعَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَهْمَا كَانَتْ وَإِنْ كَثُرَتْ وَكَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ. وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ هَذِهِ [الْآيَةِ] [زيادة من أ.] عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ [في ت: "التوبة".] ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ؛ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ: قَالَ يَعْلَى: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [في ت: "روى البخاري بسنده عن ابن عباس".] [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [زيادة من أ.] ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا. فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةٌ. فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الْفُرْقَانِ:٦٨] ، وَنَزَلَ [قَوْلُهُ] [زيادة من ت، س.] : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [صحيح البخاري برقم (٤٨١٠) وصحيح مسلم برقم (١٢٢) وسنن أبي داود برقم (٧٢٧٤) وسنن النسائي (٧/٨٦) .] .
وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الْآيَةَ. [الْفُرْقَانِ:٧٠] .
وَقَالَ [في ت: "وروى".] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو قَبِيلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرِّيَّ [في أ: "السري".] يَقُولُ: سَمِعْتُ [في ت: "سمعت عن".] ثَوْبَانَ -مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ أَشْرَكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيِّ [في ت: "رسول الله".] ﷺ ثُمَّ قَالَ: "أَلَا وَمَنْ أَشْرَكَ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [المسند (٥/٢٧٥) .] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ [في أ: "شريح".] بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ جَابِرٍ الْحُدَّانِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ [في ت: "وعن".] عَمْرِو بْنِ عَبَسة [في ت، ا: "عنبسة".] قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، شَيْخٌ كَبِيرٌ يُدَعِّمُ عَلَى عَصًا لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي غَدَرَاتٍ وَفَجَرَاتٍ، فَهَلْ يُغْفَرُ لِي؟ فَقَالَ: "أَلَسْتَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ " قَالَ: بَلَى، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: "قَدْ غُفِرَ لك غدراتك وفجراتك". تفرد به أحمد [المسند (٤/٣٨٥) .] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ [في ت: "وروى أيضا".] ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ [في أ: "يزيد رضي الله عنها".] قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هُودٍ:٤٦] وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وَلَا يُبَالِي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ، بِهِ [المسند (٦/٤٥٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٨٢) وسنن الترمذي برقم (٣٢٣٧) .] .
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّهُ يَغْفِرُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ التَّوْبَةِ، وَلَا يَقْنَطَنَّ [في ت: "ولا يقنط".] عَبْدٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَإِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبُهُ وَكَثُرَتْ؛ فَإِنَّ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاسِعٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:١٠٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ:١١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النِّسَاءِ:١٤٦، ١٤٥] ، وَقَالَ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الْمَائِدَةِ:٧٣] ، ثُمَّ قَالَ ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْمَائِدَةِ:٧٤] ، وَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [الْبُرُوجِ:١٠] .
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: انْظُرْ [في ت: "انظروا".] إِلَى هَذَا الْكَرَمِ وَالْجُودِ، قَتَلُوا أَوْلِيَاءَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ!.
وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَدِيثُ الَّذِي [في ت: "أن رجلا".] قَتَلَ تِسْعًا [في أ: "تسعة".] وَتِسْعِينَ نَفْسًا، ثُمَّ نَدِمَ وَسَأَلَ عَابِدًا مِنْ عُبَّاد بَنِي إِسْرَائِيلَ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَتَلَهُ وَأَكْمَلَ [في ت: "فأكمل".] بِهِ مِائَةً. ثُمَّ سَأَلَ عَالِمًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالذَّهَابِ إِلَى قَرْيَةٍ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا، فَقَصَدَهَا فَأَتَاهُ الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَقِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبُ فَهُوَ مِنْهَا. فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ إِلَيْهَا بِشِبْرٍ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ. وَذُكِرَ أَنَّهُ نَأَى بِصَدْرِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْبَلْدَةَ الْخَيِّرَةَ أَنْ تَقْتَرِبَ، وَأَمَرَ تِلْكَ الْبَلْدَةَ أَنْ تَتَبَاعَدَ [في أ: "تبتعد".] [رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٧٠) ومسلم برقم (٢٧٦٦) .] هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَقَدْ كتبناه في موضع آخر بلفظه.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [في س: "عنه".] [فِي] [زيادة من أ.] قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: قَدْ دَعَا اللَّهُ إِلَى مَغْفِرَتِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عُزَيْرًا [في ت: العزير."] ابْنُ اللَّهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْمَائِدَةِ:٧٤] ثُمَّ دَعَا إِلَى تَوْبَتِهِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ قَوْلًا مِنْ هَؤُلَاءِ، مَنْ قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ [النَّازِعَاتِ:٢٤] ، وَقَالَ ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [الْقَصَصِ:٣٨] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [زيادة من ت.] مَنْ آيَسَ عِبَادَ اللَّهِ [في أ: "العباد".] مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذَا فَقَدَ جَحَدَ كِتَابَ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ أَنْ يَتُوبَ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُتَير بْنِ شَكَل أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ إِنَّ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٥٥] ، وَإِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِخَيْرٍ وَشَرٍّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ [النَّحْلِ:٩٠] ، وَإِنَّ أَكْثَرَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَرَجًا فِي سُورَةِ الْغُرَفِ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ، وَإِنَّ أَشَدَّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَصْرِيفًا [في ت، س: "تفويضا".] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاقِ:٣، ٢] . فَقَالَ لَهُ مَسْرُوقٌ: صَدَقْتَ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الْكَنُودِ قَالَ: مَرَّ عَبْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ-عَلَى قَاصٍّ، وَهُوَ يَذَكِّرُ النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مُذَكِّرُ لِمَ تُقَنِّط [في س: "يقنط".] النَّاسَ؟ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
ذِكْرُ أَحَادِيثَ فِيهَا نَفْيُ الْقُنُوطِ:
قَالَ [في ت: "روى".] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ [في أ: "عبيد الله السدوسي".] ، حَدَّثَنِي أَخْشَنُ السَّدُوسِيُّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ [في ت: "عن ابن مالك" وفي أ: "أنس بن مالك رضي الله عنه".] فَقَالَ [في ت: "قال".] سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا [في ت: "تخطئون".] لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ" تَفَرَّدَ بِهِ [الْإِمَامُ] [زيادة من أ.] أَحْمَدُ [المسند (٣/٢٣٨) .] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى [في أ: "إسحاق بن أبي عيسى".] حَدَّثَنِي لَيْثٌ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ -قَاصُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ-عَنْ أَبِي صِرْمة، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: قَدْ كُنْتُ كَتَمْتُ مِنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يقول: "لولا أنكم تذنبون، لخلق الله قَوْمًا يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ".
هَكَذَا [في س: "كذا".] رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ جَمِيعًا، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِهِ [المسند (٥/٤١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٧٤٨) وسنن الترمذي برقم (٣٥٣٩) .] . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ أَبِي صِرْمَةَ -وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ صَحَابِيٌّ-عَنْ أَبِي أَيُّوبَ بِهِ [صحيح مسلم برقم (٢٧٤٨) .] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ النُّكري قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [في أ: "ابن عباس رضي الله عنهما".] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَفَّارَةُ الذَّنْبِ [في أ: "الذنوب".] النَّدَامَةُ"، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ" تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [المسند (١/٢٨٩) .] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرسِي، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَسْلَمَةُ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْبَجَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ". لَمْ يُخْرِجُوهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [زوائد عبد الله على المسند (١/٨٠) .] .
وَقَالَ [في ت: "وروى".] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنَّ إِبْلِيسَ -عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ-قَالَ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنَ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ آدَمَ، وَإِنِّي لَا أَسْتَطِيعُهُ إِلَّا بِسُلْطَانِكَ. قَالَ: فَأَنْتَ مُسَلَّطٌ. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: لَا يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ إِلَّا وُلِدَ لَكَ مِثْلُهُ. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: أَجْعَلُ صُدُورَهُمْ مَسَاكِنَ لَكُمْ، وَتَجْرُونَ مِنْهُمْ مَجْرَى الدَّمِ. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ، وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. فَقَالَ آدَمُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [زيادة من ت، س، أ.] يَا رَبِّ، قَدْ سَلَّطْتَهُ عَلَيَّ، وَإِنِّي لَا أَمْتَنِعُ [مِنْهُ] [زيادة من ت، س، أ.] إِلَّا بِكَ. قَالَ: لَا يُولَدُ لَكَ وَلَدٌ إِلَّا وَكَّلْتُ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: الْحَسَنَةُ عَشَرٌ أَوْ أَزِيدُ، وَالسَّيِّئَةُ وَاحِدَةٌ أَوْ أَمْحُوهَا. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ مَا كَانَ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ نَافِعٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي حَدِيثِهِ قَالَ: وَكُنَّا نَقُولُ مَا اللَّهُ بِقَابِلٍ مِمَّنِ افْتُتِنَ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَلَا تَوْبَةً، عَرَفُوا اللَّهَ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْكُفْرِ لِبَلَاءٍ أَصَابَهُمْ. قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِي قَوْلِنَا وَقَوْلِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
قَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي فِي صَحِيفَةٍ، وَبَعَثْتُ بِهَا إِلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: فَقَالَ هِشَامٌ: لَمَّا أَتَتْنِي جَعَلْتُ أَقْرَؤُهَا بِذِي طُوًى أصَعَّد بِهَا فِيهِ وَأُصَوِّتُ وَلَا أَفْهَمُهَا، حَتَّى قُلْتُ: اللَّهُمَّ أَفْهِمْنِيهَا. قَالَ: فَأَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِي أَنَّهَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِينَا، وَفِيمَا كُنَّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا، وَيُقَالُ فِينَا. فَرَجَعْتُ إِلَى بَعِيرِي فَجَلَسْتُ عَلَيْهِ، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ.
ثُمَّ اسْتَحَثَّ [سُبْحَانَهُ] [زيادة من ت، وفي أ: "الله".] وَتَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى التَّوْبَةِ، فَقَالَ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أَيِ: ارْجِعُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَسْلِمُوا لَهُ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أَيْ: بَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ،.
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أَيْ: مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُونَ وَلَا تَشْعُرُونَ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَحَسَّرُ الْمُجْرِمُ الْمُفَرِّطُ فِي التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، وَيَوَدُّ لَوْ كَانَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الْمُخْلِصِينَ الْمُطِيعِينَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا كَانَ عَمَلِي فِي الدُّنْيَا عَمَلَ سَاخِرٍ مُسْتَهْزِئٍ غَيْرِ مُوقِنٍ مُصَدِّقٍ.
﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ: تَوَدُّ أَنْ لَوْ [في ت: "أن لو أن".] أُعِيدَتْ إِلَى الدَّارِ فَتُحْسِنُ [في أ: "لتحسن".] الْعَمَلَ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ [في أ: "أخبرنا الله تعالى".] ، مَا الْعِبَادُ قَائِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَقُولُوهُ، وَعَمَلَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهُ [في ت، س: "وعلمهم قبل أن يعلموه".] ، وَقَالَ: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ:١٤] ،، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْ لَوْ رُدوا لَمَا قَدَرُوا عَلَى الْهُدَى، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ:٢٨] .
وَقَدْ قَالَ [في ت: "روى".] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ أَهْلِ النَّارِ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي؟! فَتَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ". قَالَ: "وَكُلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي! " قَالَ: "فَيَكُونُ لَهُ الشُّكْرُ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، بِهِ [المسند (٢/٥١٢) .] .
وَلَمَّا تَمَنَّى أَهْلُ الْجَرَائِمِ العَودَ إِلَى الدُّنْيَا، وَتَحَسَّرُوا عَلَى تَصْدِيقِ آيَاتِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ، قَالَ [اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى] [زيادة من ت، س، أ.] ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [في ت: "قل" وهو خطأ.] أَيْ: قَدْ جَاءَتْكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ النَّادِمُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ [في أ: "منه جاءتك".] آيَاتِي فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، وَقَامَتْ حُجَجِي عَلَيْكَ، فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ عَنِ اتِّبَاعِهَا، وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ بِهَا، الْجَاحِدِينَ لَهَا.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) ﴾
يقول تعالى ذكره مكذبا للقائل: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ، وللقائل: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ : ما القول كما تقولون ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ﴾ أيها المتمني على الله الرد إلى الدنيا لتكون فيها من المحسنين ﴿آيَاتِي﴾ يقول: قد جاءتك حججي من بين رسول أرسلته إليك، وكتاب أنزلته يتلى عليك ما فيه من الوعد والوعيد والتذكير ﴿فَكَذَبَتْ﴾ بآياتي ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ عن قبولها واتباعها ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يقول: وكنت ممن يعمل عمل الكافرين، ويستن بسنتهم، ويتبع منهاجهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: يقول الله ردًا لقولهم، وتكذيبا لهم، يعني لقول القائلين: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ ، والصنف الآخر: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ ... الآية.
وبفتح الكاف والتاء من قوله ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ﴾ على وجه المخاطبة للذكور، قرأه القرّاء في جميع أمصار الإسلام. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قرأ ذلك بكسر جميعه على وجه الخطاب للنفس، كأنه قال: أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، بلى قد جاءتك أيتها النفس آياتي، فكذّبت بها، أجرى الكلام كله على النفس، إذ كان ابتداء الكلام بها جرى، والقراءة التي لا أستجيز خلافها، ما جاءت به قرّاء الأمصار مجمعة عليه، نقلا عن رسول الله ﷺ، وهو الفتح في جميع ذلك.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 53 إلى 59 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 53.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ الْيَاءَ، لِأَنَّ النِّدَاءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ. النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَجَلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعْنَا على الهجرة، اتعدت أنا وهشام بن العاصي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَقُلْنَا: الْمَوْعِدُ أَضَاةُ [الاضاة غدير.] بَنِي غِفَارٍ، وَقُلْنَا: مَنْ تَأَخَّرَ مِنَّا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صاحبه. فأصبحت أنا وعياش ابن عُتْبَةَ وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَإِذَا بِهِ قَدْ فُتِنَ فَافْتُتِنَ، فَكُنَّا نَقُولُ بِالْمَدِينَةِ: هَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ افْتُتِنُوا لِبَلَاءٍ لَحِقَهُمْ لَا نَرَى لَهُمْ تَوْبَةً، وَكَانُوا هُمْ أَيْضًا يَقُولُونَ هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ قَالَ عُمَرُ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُهَا إِلَى هِشَامٍ. قَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طُوًى فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِينَا، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعَثُوا إِلَيْهِ: إن ما تدعو إليه لحسن أو تخبرنا أَنَّ لَنَا تَوْبَةً؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآية:" قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ "ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ" الْفُرْقَانِ" [راجع ج ١٣ ص ٧٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.] . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا نزلت في أهل مكة قالوا: بزعم مُحَمَّدٌ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسْلِمُ وَقَدْ عَبَدْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ، وَخَافُوا أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ لِذُنُوبٍ سَبَقَتْ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَطَاءٌ نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِسْلَامَهُ: وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى وَحْشِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأَجِرْنِي حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ عَلَى غَيْرِ جِوَارٍ فَأَمَّا إِذْ أَتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأَنْتَ فِي جِوَارِي حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" قَالَ: فَإِنِّي أَشْرَكْتُ بِاللَّهِ وَقَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَزَنَيْتُ، هَلْ يقبل الله منى توبة؟ فصمت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَتْ: "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ" [الفرقان: ٦٨ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَرَى شَرْطًا فَلَعَلِّي لَا أَعْمَلُ صَالِحًا، أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَدَعَا بِهِ فَتَلَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَعَلِّي مِمَّنْ لَا يَشَاءُ أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" فَقَالَ: نَعَمِ الْآنَ لَا أَرَى شَرْطًا. فَأَسْلَمَ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وَلَا يُبَالِي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ عَلَى التَّفْسِيرِ، أَيْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَهُوَ التَّائِبُ أَوْ مَنْ عَمِلَ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَبِيرَةٌ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ التَّائِبَ مَا بَعْدَهُ "وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ" فَالتَّائِبُ مَغْفُورٌ لَهُ ذُنُوبُهُ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [طه: ٨٢] فَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَوْسَعُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي [سُبْحَانَ [راجع ج: ١ ص ٣٢٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.] ]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَهَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ أرجى آية في القرآن قول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وقد مضى في [الرعد [راجع ج ٩ ص ٢٨٥ طبعه أولى أو ثانية.] ]. وقرى "وَلَا تَقْنِطُوا" بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي" الْحِجْرِ [راجع ج ١٠ ص ٣٦ طبعه أولى أو ثانية.] " بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ أَيِ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ يُغْفَرُ لَهُ أَمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَالْإِنَابَةُ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْإِخْلَاصِ.
(وَأَسْلِمُوا لَهُ) أَيِ اخْضَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) فِي الدنيا (ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) أَيْ لَا تُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِهِ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "من السَّعَادَةِ أَنْ يُطِيلَ اللَّهُ عُمُرَ الْمَرْءِ فِي الطَّاعَةِ وَيَرْزُقَهُ الْإِنَابَةَ وَإِنَّ مِنَ الشَّقَاوَةِ أَنْ يَعْمَلَ الْمَرْءُ وَيُعْجَبُ بِعَمَلِهِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ "أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ" هُوَ الْقُرْآنُ وَكُلُّهُ حَسَنٌ، وَالْمَعْنَى مَا قَالَ الْحَسَنُ: الْتَزِمُوا طَاعَتَهُ، وَاجْتَنِبُوا مَعْصِيَتَهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَحْسَنُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يعنى المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه، وقال: أنزل الله كتبا التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، ثُمَّ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ وَهُوَ الْمُعْجِزُ، وَقِيلَ: هَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَاضٍ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ وَجَمِيعُ الْكُتُبِ مَنْسُوخَةٌ- وَقِيلَ: يَعْنِي الْعَفْوَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ، وَقِيلَ مَا عَلَّمَ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَيْسَ بِقُرْآنٍ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَقِيلَ: أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الماضية. قوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ كَرَاهَةَ "أَنْ تَقُولَ" وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا تَقُولُ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ حَذَرَ "أَنْ تَقُولَ". وَقِيلَ: أَيْ مِنْ قَبْلِ "أن تقول نفس" لأنه قال قبل هَذَا: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ". الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ نُكِّرَتْ؟ قُلْتُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَعْضُ الْأَنْفُسِ وَهِيَ نَفْسُ الْكَافِرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ نَفْسًا مُتَمَيِّزَةً مِنَ الْأَنْفُسِ، إِمَّا بِلَجَاجٍ فِي الْكُفْرِ شَدِيدٍ، أَوْ بِعِقَابٍ عَظِيمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ التَّكْثِيرُ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
وَرُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا
وَهُوَ يُرِيدُ أَفْوَاجًا مِنَ الْكِرَامِ يَنْصُرُونَهُ لَا كَرِيمًا وَاحِدًا، وَنَظِيرُهُ رُبَّ بَلَدٍ قَطَعْتُ، وَرُبَّ بَطَلٍ قَارَعْتُ، وَلَا يُقْصَدُ إلا التكثير. "يا حَسْرَتى " وَالْأَصْلُ "يَا حَسْرَتى " فَأُبْدِلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ وَأَمْكَنُ فِي الِاسْتِغَاثَةِ بِمَدِّ الصَّوْتِ، وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْهَاءَ، أَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:
يَا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارٍ نَاجِيَهْ [الناجية: السريعة. وفى تفسير الفراء ناهية بدل ناجية وكذا روى في اللسان وشرح القاموس في مادة سنا. والسانية هنا مصدر على فاعلة بمعنى الاستسقاء، أراد قربته للسناية] ... إِذَا أَتَى قَرَّبْتُهُ لِلسَّانِيَهْ
وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْيَاءَ بَعْدَ الْأَلِفِ، لِتَدُلَّ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرٍ: يَا حَسْرَتَايَ وَالْحَسْرَةُ النَّدَامَةُ.
(عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قَالَ الْحَسَنُ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أَيْ فِي ثَوَابِ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنْبُ الْقُرْبُ وَالْجِوَارُ: يُقَالُ فُلَانُ يَعِيشُ فِي جَنْبِ فُلَانٍ أَيْ في جواره ومنه "وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ" أي على مَا فَرَّطْتُ فِي طَلَبِ جِوَارِهِ وَقُرْبِهِ وَهُوَ الْجَنَّةُ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ اللَّهِ الَّذِي دَعَانِي إِلَيْهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّبَبَ وَالطَّرِيقَ إِلَى الشَّيْءِ جَنْبًا، تَقُولُ تَجَرَّعْتُ فِي جَنْبِكَ غُصَصًا، أَيْ لِأَجْلِكَ وَسَبَبِكَ وَلِأَجْلِ مَرْضَاتِكَ. وَقِيلَ: "فِي جَنْبِ اللَّهِ" أَيْ فِي الْجَانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَثَوَابِهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجَانِبَ جَنْبًا، قَالَ الشَّاعِرَ:
قُسِمَ مَجْهُودًا لِذَاكَ الْقَلْبُ ... النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ
يَعْنِي النَّاسَ مِنْ جَانِبٍ وَالْأَمِيرَ مِنْ جَانِبٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَيْ تَرَكْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يُقَالُ مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فِي جَنْبِ حَاجَتِي، قَالَ كُثَيِّرٌ:
أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ
وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، أَيْ ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا جَلَسَ رَجُلٌ مَجْلِسًا وَلَا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجع لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ إِلَّا كان عليه ترة يوم القيامة" أي حَسْرَتى [فسرها ابن الأثير في النهاية بالنقص أو التبعة.] ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِنَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَالَهُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، قَدْ وَرِثَهُ وَعَمِلَ فِيهِ بِالْحَقِّ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَعَلَى الْآخَرِ وِزْرُهُ، وَمِنَ الْحَسَرَاتِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ عَبْدَهُ الَّذِي خَوَّلَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا أَقْرَبَ مَنْزِلَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَرَى رَجُلًا يَعْرِفُهُ أَعْمَى فِي الدُّنْيَا قَدْ أَبْصَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَمِيَ هُوَ، (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) أَيْ وَمَا كُنْتُ إِلَّا مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بالقرآن وبالرسول في الدنيا، بأولياء الله، قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طَاعَةَ اللَّهِ حَتَّى سَخِرَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَحَلُّ "إِنْ كُنْتُ" النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَرَّطْتُ وَأَنَا سَاخِرٌ، أَيْ فَرَّطْتُ فِي حَالِ سُخْرِيَتِي، وَقِيلَ وَمَا كُنْتُ إِلَّا فِي سُخْرِيَةٍ وَلَعِبٍ وَبَاطِلٍ أَيْ مَا كَانَ سَعْيِي إِلَّا فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هَذِهِ النَّفْسُ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي) أَيْ أَرْشَدَنِي إِلَى دِينِهِ (لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي الشرك والمعاسى، وَهَذَا الْقَوْلُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَاهْتَدَيْتُ قَوْلَ صِدْقٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ احْتِجَاجِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَخْبَرَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَزَّ عَنْهُمْ فِي قَوْلُهُ: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا" فَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ لَا حُكْمَ إلا لله، (أَوْ تَقُولَ) يعنى هَذِهِ النَّفْسَ (حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً) أي رَجْعَةً، (فَأَكُونَ) نَصْبٌ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى "كَرَّةً" لِأَنَّ مَعْنَاهُ أن أكر، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ»
:
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:
فَمَا لَكَ مِنْهَا غَيْرُ ذِكْرَى وَخَشْيَةٍ ... وَتَسْأَلَ عَنْ رُكْبَانِهَا أَيْنَ يَمَّمُوا فنصب
و (تُسْئَلُ) على موضع الذكرى، لان معنى الكلام فمالك مِنْهَا إِلَّا أَنْ تَذْكُرَ، وَمِنْهُ لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ، أَيْ لَأَنْ أَلْبَسَ عَبَاءَةً وَتَقَرَّ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَ رَجُلٌ عَالِمٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَدَ رُقْعَةً، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَيُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجنة، فقال: ولاي شي أُتْعِبُ نَفْسِي فَتَرَكَ عَمَلَهُ وَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَكَ عُمُرٌ طَوِيلٌ فَتَمَتَّعْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ تَتُوبُ، فَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْفُجُورِ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي أَلَذِّ مَا كَانَ، فَقَالَ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، ذَهَبَ عُمُرِي فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَنَدِمَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ خَبَرَهُ فِي القرآن، وقال قتادة: هؤلان أصناف، صنف منهم قال: "يا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ". وَصِنْفٌ مِنْهُمْ قَالَ: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"، وَقَالَ آخَرُ: "لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا لِكَلَامِهِمْ (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي) قَالَ الزَّجَّاجُ: "بَلى " جَوَابُ النَّفْيِ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ لَفْظُ النَّفْيِ، وَلَكِنَّ مَعْنَى "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي" مَا هَدَانِي، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَالَ ما هديت، فقيل، بلى قَدْ بُيِّنَ لَكَ طَرِيقُ الْهُدَى فَكُنْتَ بِحَيْثُ لَوْ أَرَدْتَ أَنْ تُؤْمِنَ أَمْكَنَكَ أَنْ تُؤْمِنَ. "آياتِي" أَيِ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: عَنَى بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ، أَيْ وَضَحَ الدَّلِيلُ فَأَنْكَرْتَهُ وَكَذَّبْتَهُ، (وَاسْتَكْبَرْتَ) أَيْ تَكَبَّرْتَ عَنِ الْإِيمَانِ (وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ). وَقَالَ: "اسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" وَهُوَ خِطَابُ الذَّكَرِ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. يُقَالُ،: ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: تَقُولُ الْعَرَبُ نَفْسٌ وَاحِدٌ أَيْ إنسان واحد. وروى الربيع ابن أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَرَأَ "قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ". وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "بَلَى قد جاءته آياتي" وهذا يدل على التذكر- والربيع ابن أَنَسٍ لَمْ يَلْحَقْ أُمَّ سَلَمَةَ إِلَّا أَنَّ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: يَجِبُ إِذَا كُسِرَ التَّاءُ أَنْ تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لا يلزم، إلا تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَهُ، "أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: ثُمَّ قَالَ:" وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ "وَلَمْ يَقُلْ مِنَ السَّوَاخِرِ وَلَا مِنَ السَّاخِرَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ" وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" مِنَ الْجَمْعِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ النَّاسِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ القوم الساخرين.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 56 إلى 61 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 56.
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ يَعْنِي: لِئَلَّا تَقُولَ نَفْسٌ، كَقَوْلِهِ: "وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ" [النحل: ١٥] أَيْ: لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: أَيْ بَادِرُوا وَاحْذَرُوا أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: خَوْفَ أَنْ تَصِيرُوا إِلَى حَالٍ تَقُولُونَ هَذَا القول، ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ يَا نَدَامَتَا، وَالتَّحَسُّرُ الِاغْتِمَامُ عَلَى مَا فَاتَ، وَأَرَادَ: يَا حَسْرَتِي، عَلَى الْإِضَافَةِ، لَكِنَّ الْعَرَبَ تُحَوِّلُ يَاءَ الْكِنَايَةِ أَلِفًا فِي الِاسْتِغَاثَةِ، فَتَقُولُ: يَا حَسْرَتَا [في "ب": يا ويلتي.] وَيَا نَدَامَتَا، وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْيَاءَ بَعْدَ الْأَلِفِ لِيَدُلَّ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ ﴿يَا حَسْرَتَايَ﴾ ، وَقِيلَ: مَعْنَى قوله: "يا حسرتا" يَا أَيَّتُهَا الْحَسْرَةُ هَذَا وَقْتُكَ، ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: قَصَّرْتُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِي أَمْرِ اللَّهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فِي حَقِّ اللَّهِ. وَقِيلَ: ضَيَّعْتُ فِي ذَاتِ اللَّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَصَّرْتُ فِي الْجَانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى رِضَاءِ اللَّهِ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجَنْبَ جَانِبًا ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ قَالَ قَتَادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أَنْ ضَيَّعَ طَاعَةَ اللَّهِ حَتَّى جَعَلَ يَسْخَرُ بِأَهْلِ طَاعَتِهِ.
﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ عَيَانًا، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رَجْعَةً إِلَى الدُّنْيَا، ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الْمُوَحِّدِينَ.
ثُمَّ يُقَالُ لِهَذَا الْقَائِلِ: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ، ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ وَقُلْتَ إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ تَكَبَّرْتَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا، ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ .
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ فَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ وَلَدًا وَشَرِيكًا، ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عَنِ الْإِيمَانِ.
﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ: "بِمَفَازَاتِهِمْ" بِالْأَلِفِ عَلَى الْجَمْعِ أَيْ: بِالطُّرُقِ الَّتِي تُؤَدِّيهِمْ إِلَى الْفَوْزِ وَالنَّجَاةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: "بِمَفَازَتِهِمْ" عَلَى الْوَاحِدِ لِأَنَّ الْمَفَازَةَ بِمَعْنَى الْفَوْزِ، أَيْ: يُنَجِّيهِمْ بِفَوْزِهِمْ مِنَ النَّارِ بِأَعْمَالِهِمُ الْحَسَنَةِ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: الْمَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الْفَوْزِ، وَالْجَمْعُ حَسَنٌ كَالسَّعَادَةِ وَالسَّعَادَاتِ ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ لَا يُصِيبُهُمُ الْمَكْرُوهُ، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
وقوله - سبحانه - : ( بلى قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين ) رد منه - عز وجل - على هذا القائل : ( لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين ) وتكذيب له فى هذه الدعوى .والمراد بالآيات : الحجج والبراهين الدالة على حقيقة دين الإِسلام ، وعلى رأسها آيات القرآن الكريم .أى ليس الأمر كما ذكرت أيها النادم على ما فرط منه ، من أن الله لم يهدك إلى الطريق القويم ، بل الحق أن الله - تعالى قد أرشدك إليه عن طريق إرسال رسوله ، وإنزال كتابه ، ولكنك كذبت رسوله ، واستكبرت عن سماع آيات الله وعن اتباعها ، وكنت فى دنياك من الكافرين بها ، الجاحدين لصدقها ، فأصابك ما أصابك من عذاب الآخرة بسبب أعمالك القبيحة فى الدنيا .قال الشوكانى : وجاء - سبحانه - بخطاب المذكر فى قوله : " جاءتك ، وكذبت ، واستكبرت ، وكنت " لأن النفس تطلق على المذكر والمؤنث . قال المبرد : تقول العرب نفس واحد . أى ، إنسان واحد . .