مقارنة التفاسير
الزخرف · الآية 60
فِي ﴿٦٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الزخرف · الآية 60
فِي ﴿٦٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ولو نشاء لجعلنا بدلًا منكم ملائكة يَخْلُف بعضهم بعضًا بدلًا من بني آدم.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: لجعلنا بدلكم ملائكة يخلفونكم في الأرض، ويكونون في الأرض حتى نرسل إليهم ملائكة من جنسهم، وأما أنتم يا معشر البشر، فلا تطيقون أن ترسل إليكم الملائكة، فمن رحمة الله بكم، أن أرسل إليكم رسلا من جنسكم، تتمكنون من الأخذ عنهم.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 57 إلى 65 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 57.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَعَنُّتِ قُرَيْشٍ فِي كُفْرِهِمْ وَتَعَمُّدِهِمُ الْعِنَادَ وَالْجَدَلَ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ: يَضْحَكُونَ [في ت، أ: "وعكرمة وغيرهم يعني يعجبون".] ، أَيْ: أُعْجِبُوا بِذَلِكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَجْزَعُونَ وَيَضْحَكُونَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُعْرِضُونَ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ حَيْثُ قَالَ: وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي-يَوْمًا مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُمْ، وَفِي الْمَجْلِسِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ، فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَفْحَمَهُ، ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ الْآيَاتِ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨] . ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزّبعَرى التَّمِيمِيُّ [في ت، م، أ: "السهمي".] حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لَهُ: وَاللَّهِ مَا قَامَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لِابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَا قَعَدَ، وَقَدْ زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّا وَمَا نَعْبُدُ مِنْ آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لَخَصَمْتُه، سَلُوا [في ت، م: "فسلوا".] مُحَمَّدًا: أَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي جَهَنَّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَالْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، وَالنَّصَارَى تَعْبُدُ الْمَسِيحَ [عِيسَى] [زيادة من ت، م، أ.] ابْنَ مَرْيَمَ؟ فَعَجِبَ الْوَلِيدُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى، وَرَأَوْا أَنَّهُ قَدْ احْتَجَّ وَخَاصَمَ، فذُكِر ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "كُلُّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ الشَّيْطَانَ وَمَنْ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠١] أَيْ: عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَمَنْ عُبِدَ [في ت، م: "عبدوا".] مَعَهُمَا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَّخَذَهُمْ مَنْ يَعْبُدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَنَزَلَ فِيمَا يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَأَنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ الآيات [الأنبياء: ٢٦] ، ونزل فِيمَا يُذْكَرُ مَنْ أَمْرِ عِيسَى وَأَنَّهُ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَعَجَبِ [في أ: "وتعجب".] الْوَلِيدِ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ حُجَّتِهِ وَخُصُومَتِهِ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ أَيْ: يَصِدُّونَ عَنْ أَمْرِكَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ عِيسَى فَقَالَ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ. وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أَيْ: مَا وَضَعْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، فَكَفَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِ السَّاعَةِ، يَقُولُ: ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٣٥٨) .] .
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ رِوَايَةِ العَوفي، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قَالَ: يَعْنِي قُرَيْشًا، لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: فَمَا ابْنُ مَرْيَمَ؟ قَالَ: "ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يُرِيدُ هَذَا إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا، كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَبًّا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى [في ت، م: "عز وجل".] ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ .
وَقَالَ [في ت: "وروى".] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ أَبِي رَزِين، عَنْ أَبِي يَحْيَى -مَوْلَى ابْنِ عُقَيْلٍ الْأَنْصَارِيِّ-قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ عَلِمْتُ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ مَا سَأَلَنِي عَنْهَا رَجُلٌ قَطُّ، فَمَا أَدْرِي أَعَلِمَهَا النَّاسُ فَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْهَا، أَمْ لَمْ يَفْطِنُوا لَهَا فَيَسْأَلُوا عَنْهَا. قَالَ: ثُمَّ طَفِقَ يُحَدِّثُنَا، فَلَمَّا قَامَ تَلَاوَمْنَا أَلَّا نَكُونَ سَأَلْنَاهُ عَنْهَا. فَقُلْتُ: أَنَا لَهَا إِذَا رَاحَ غَدًا. فَلَمَّا رَاحَ الْغَدُ قُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، ذَكَرْتَ أَمْسِ أَنَّ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَسْأَلْكَ عَنْهَا رَجُلٌ قَطُّ، فَلَا تَدْرِي أَعَلِمَهَا النَّاسُ [في أ: "أعلمها الناس فلم يسألوا عنها".] أَمْ لَمْ يَفْطِنُوا لَهَا؟ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْهَا وَعَنِ اللَّاتِي قَرَأْتَ قَبْلَهَا. قَالَ: نَعَمْ، أن رسول الله ﷺ قَالَ لِقُرَيْشٍ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ"، وَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ النَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَمَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وَعَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ صَالِحًا، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا كَانَ [في م، أ: "فإن".] آلِهَتُهُمْ كَمَا تَقُولُونَ؟ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ . قُلْتُ: مَا يَصِدون؟ قَالَ: يَضْحَكُونَ، ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قَالَ: هُوَ خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَبْلَ الْقِيَامَةِ. [المسند (١/٣١٨) .]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ مَوْلَى الْأَنْصَارِ [في أ: "الأنصاريين".] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ". فَقَالُوا لَهُ: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وَعَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ صَالِحًا، فَقَدْ كَانَ يُعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ .
[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٥٤) .]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ : قَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ نَعْبُدَهُ كَمَا عَبَدَ قَوْمُ عِيسَى عِيسَى. وَنَحْوَ هَذَا قَالَ قَتَادَةُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ : قَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُونَ: آلِهَتُنَا خَيْرٌ مِنْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هَذَا"، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا﴾ أَيْ: مِرَاءً، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى الْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا لِمَا لَا يَعْقِلُ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨] . ثُمَّ هِيَ خُطَّابٌ لِقُرَيْشٍ، وَهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَالْأَنْدَادَ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ الْمَسِيحَ حَتَّى يُورِدُوهُ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ مَقَالَتَهُمْ إِنَّمَا كَانَتْ جَدَلًا مِنْهُمْ، لَيْسُوا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهَا.
وَقَدْ قَالَ [في ت: "روى".] الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ، إِلَّا أُورِثُوا الْجَدَلَ"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ .
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، بِهِ [المسند (٥/٢٥٦) وسنن الترمذي برقم (٣٢٥٣) وسنن ابن ماجه برقم (٤٨) وتفسير الطبري (٢٥/٥٣) .] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ كَذَا قَالَ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بِزِيَادَةٍ فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا مؤمَّل، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مَخْزُومٍ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -قَالَ حَمَّادٌ: لَا أَدْرِي رَفَعَهُ [في أ: "أرفعه".] أَمْ لَا؟ -قَالَ: مَا ضَلَّتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا كَانَ أَوَّلَ ضَلَالِهَا التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ، وَمَا ضَلَّتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا أُعْطُوا الْجَدَلَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [وفي إسناده القاسم بن عبد الرحمن الشامي، ضعفه ابن حبان، وقال: "كان يروى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المعضلات".]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ [في أ: "جعفر بن القاسم".] ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى كَأَنَّمَا صُبَّ عَلَى وَجْهِهِ الْخَلُّ، ثُمَّ قَالَ: "لَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَإِنَّهُ مَا ضَلَّ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أُوتُوا [في ت: "أورثوا".] الْجَدَلَ"، ثُمَّ تَلَا ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾
[تفسير الطبري (٢٥/٥٣) .]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَا هُوَ إِلَّا عَبْدٌ [مِنْ عِبَادِ اللَّهِ] [زيادة من ت، م.] أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَيْ: دَلَالَةً وَحُجَّةً وَبُرْهَانًا عَلَى قُدْرَتِنَا عَلَى مَا نَشَاءُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أَيْ: بَدَلَكُمْ [في ت: "بدلا منكم".] ﴿مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ، قَالَ السُّدِّيُّ: يَخْلُفُونَكَ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ: يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَمَا يَخْلُفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَهَذَا الْقَوْلُ يَسْتَلْزِمُ الْأَوَّلَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُعَمِّرُونَ الْأَرْضَ بَدَلَكُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ : تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ابْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ: مَا بُعث بِهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْقَامِ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَا حَكَاهُ قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَيِ الضَّمِيرُ فِي ﴿وَإِنَّهُ﴾ ، عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [زيادة من ت.] ، فَإِنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِهِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِذَلِكَ نُزُولُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أَيْ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٥٩] ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى: "وَإِنَّهُ لعَلَم لِلسَّاعَةِ" أَيْ: أَمَارَةٌ وَدَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ السَّاعَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أَيْ: آيَةٌ لِلسَّاعَةِ خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [زيادة من ت.] ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَعِكْرِمَةَ، والحسنن وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه أَخْبَرَ بِنُزُولِ عِيسَى [ابْنِ مَرْيَمَ] [زيادة من ت، م.] ، عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أَيْ: لَا تَشُكُّوا [في ت، م، أ: "تشكون".] فِيهَا، إِنَّهَا وَاقِعَةٌ وَكَائِنَةٌ لَا مَحَالَةَ، ﴿وَاتَّبَعُونِ﴾ أَيْ: فِيمَا أُخْبِرُكُمْ بِهِ ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أَيْ: عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ أَيْ: بِالنُّبُوَّةِ ﴿وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لَا الدُّنْيَوِيَّةِ [تفسير الطبري (٢٥/٥٥) .] . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ جَيِّدٌ، ثُمَّ رَدَّ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ "بَعْضَ" هَاهُنَا بمعنى "كل"، واستشهد بقول لبيد الشاعر: تَرّاك أمْكنَة إذَا لَمْ أرْضَها [في أ: "أرمنها".] أَوْ يَعْتَلق [في أ: "يقتلوا".] بَعْضَ النُّفُوسِ حمَامُها [البيت في تفسير الطبري (٢٥/٥٥) وديوان لبيد العامري (ص٣١٣) .]
وَأَوَّلُوهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ النُّفُوسِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْسَهُ فَقَطْ، وَعَبَّرَ بِالْبَعْضِ عَنْهَا. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَلٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: [فِيمَا] [زيادة من ت، م، أ.] أَمَرَكُمْ بِهِ، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ، فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أَيْ: أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ لَهُ، فُقَرَاءُ إِلَيْهِ، مُشْتَرِكُونَ فِي عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ عِبَادَةُ الرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ، وَحْدَهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أَيِ: اخْتَلَفَتْ الْفِرَقُ وَصَارُوا شِيَعًا فِيهِ، مِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ -وَهُوَ الْحَقُّ-وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ وُلَدُ اللَّهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ اللَّهِ -تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا-وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 58 إلى 60 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 58.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: وقال مشركو قومك يا محمد: آلهتنا التي نعبدها خير؟ أم محمد فنعبد محمدا؟ ونترك آلهتنا؟.
وذُكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب: " أآلهتنا خير أم هذا ".
ذكر الرواية بذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور عن معمر، عن قتادة أن في حرف أبي بن كعب " وقالوا أآلهتنا خير أم هذا " يعنون محمدا ﷺ.
وقال آخرون: بل عنى بذلك: آلهتنا خير أم عيسى؟.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ قال: خاصموه، فقالوا: يزعم أن كلّ من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعُزير والملائكة هؤلاء قد عُبدوا من دون الله، قال: فأنزل الله براءة عيسى.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فى قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ قال: عبد هؤلاء عيسى، ونحن نعبد الملائكة.
* *
وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾
.... إلى ﴿فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ . وقوله تعالى ذكره: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا﴾ يقول تعالى ذكره: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد ولا قالوا لك هذا القول إلا جدلا وخصومة يخاصمونك به ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ما بقومك يا محمد هؤلاء المشركين في محاجتهم إياك بما يحاجونك به طلب الحق ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ يلتمسون الخصومة بالباطل.
وذُكر عن النبي ﷺ أنه قال:" ما ضل قوم عن الحق إلا أوتوا الجدل".
ذكر الرواية ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعلى، قال: ثنا الحجاج بن دينار، عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ:"ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، وقرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا﴾ ... الآية.
⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن الكندي وأبو كُرَيب قالا ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا حجاج بن دينار، عن أبي أُمامة"أن رسول الله ﷺ، خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضبا شديدًا، حتى كأنما صبّ على وجهه الخلّ، ثم قال ﷺ:"لا تَضْرِبُوا كِتَابَ الله بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فإنَّهُ ما ضَلَّ قَوْمٌ قَطُّ إلا أُوتُوا الجَدَلَ"، ثم تلا ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ .
* *
وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾
يقول تعالى ذكره: فما عيسى إلا عبد من عبادنا، أنعمنا عليه بالتوفيق والإيمان، وجعلناه مثلا لبني إسرائيل، يقول: وجعلناه آية لبني إسرائيل، وحجة لنا عليهم بإرسالناه إليهم بالدعاء إلينا، وليس هو كما تقول النصارى من أنه ابن الله تعالى، تعالى الله عن ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ يعني بذلك عيسى ابن مريم، ما عدا ذلك عيسى ابن مريم، إن كان إلا عبدا أنعم الله عليه.
وبنحو الذي قلنا أيضا في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قالوا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن قتادة ﴿مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أحسبه قال: آية لبني إسرائيل.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي آية.
* *
قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: ولو نشاء معشر بني آدم أهلكناكم، فأفنينا جميعكم، وجعلنا بدلا منكم في الأرض ملائكة يخلفونكم فيها يعبدونني وذلك نحو قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ وكما قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أن منهم من قال: معناه: يخلف بعضهم بعضا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ يقول: يخلف بعضهم بعضا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ قال: يعمرون الأرض بدلا منكم.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ قال: يخلف بعضهم بعضا، مكان بني آدم.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ لو شاء الله لجعل في الأرض ملائكة يخلف بعضهم بعضا.
⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ قال: خلفا منكم.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 59 إلى 60 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 59.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ أَيْ مَا عِيسَى إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، وَجَعَلَهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، أَيْ آيَةً وَعِبْرَةً يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ عِيسَى كَانَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، ثُمَّ جُعِلَ إِلَيْهِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَالْأَسْقَامِ كُلِّهَا مَا لَمْ يُجْعَلْ لِغَيْرِهِ فِي زَمَانِهِ، مَعَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَوْمئِذٍ خَيْرَ الْخَلْقِ وَأَحَبَّهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالنَّاسُ دُونَهُمْ، لَيْسَ أَحَدٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِثْلَهُمْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعَبْدِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. "وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ" أَيْ بَدَلًا مِنْكُمْ "مَلائِكَةً" يَكُونُونَ خَلَفًا عَنْكُمْ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَنَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَلَائِكَةٌ يَعْمُرُونَ الْأَرْضَ بَدَلًا مِنْكُمْ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: إِنَّ "مِنْ" قَدْ تَكُونُ لِلْبَدَلِ، بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ. قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي "بَرَاءَةٌ" [راجع ج ٨ ص ١٤١] وَغَيْرِهَا. وَقِيلَ: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنَ الْإِنْسِ مَلَائِكَةً وَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِذَلِكَ، وَالْجَوَاهِرُ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَالِاخْتِلَافُ بِالْأَوْصَافِ، وَالْمَعْنَى: لَوْ نَشَاءُ لَأَسْكَنَّا الْأَرْضَ الْمَلَائِكَةَ، وَلَيْسَ فِي إِسْكَانِنَا إِيَّاهُمُ السَّمَاءَ شَرَفٌ حَتَّى يُعْبَدُوا، أَوْ يُقَالُ لَهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ. وَمَعْنَى "يَخْلُفُونَ" يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قاله ابن عباس.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 59 إلى 61 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 59.
ثُمَّ ذَكَرَ عِيسَى فَقَالَ: ﴿إِنْ هُوَ﴾ مَا هُوَ، يَعْنِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ بِالنُّبُوَّةِ، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا﴾ آيَةً وَعِبْرَةً، ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا يَشَاءُ حَيْثُ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ أَيْ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَهْلَكْنَاكُمْ وَجَعَلْنَا بَدَلًا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً، ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ يَكُونُونَ خَلَفًا مِنْكُمْ يُعَمِّرُونَ الْأَرْضَ وَيَعْبُدُونَنِي وَيُطِيعُونَنِي. وَقِيلَ: يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
﴿وَإِنَّهُ﴾ يَعْنِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ يَعْنِي نُزُولَهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ يُعْلَمُ بِهِ قُرْبُهَا، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَقَتَادَةُ: "وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ" بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْعَيْنِ أَيْ أَمَارَةٌ وَعَلَامَةٌ.
وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَتَهْلِكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ". [أخرجه البخاري في الأنبياء، باب: نزول عيسى بن مريم عليهما السلام: ٦ / ٤٩٠-٤٩١ ومسلم في الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد ﷺ برقم: (١٥٥) ١ / ١٣٥، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٨٠.]
وَيُرْوَى: "أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى ثَنِيَّةٍ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَعَلَيْهِ مُمَصَّرَتَانِ [تثنية ممصرة وهي الثياب التي فيها صفرة خفيفة.] ، وَشَعْرُ رَأْسِهِ دَهِينٌ، وَبِيَدِهِ حَرْبَةٌ وَهِيَ الَّتِي يَقْتُلُ بِهَا الدَّجَّالَ، فَيَأْتِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَالنَّاسُ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَيَتَأَخَّرُ الْإِمَامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسَى وَيُصَلِّي خَلْفَهُ عَلَى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ يَقْتُلُ الْخَنَازِيرَ وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيُخَرِّبُ الْبِيَعَ وَالْكَنَائِسَ، وَيَقْتُلُ النَّصَارَى إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ". [انظر: أبو داود في الملاحم، باب: خروج الدجال: ٦ / ١٧٧، مسند الإمام أحمد: ٢ / ٤٠٦،٤٣٧.]
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ"؟ [أخرجه البخاري في الأنبياء، باب: نزول عيسى بن مريم عليهما السلام: ٦ / ٤٩١، ومسلم في الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد ﷺ برقم: (١٥٥) : ١ / ١٣٦، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٨٢.]
وَقَالَ الْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ: "وَإِنَّهُ" يَعْنِي وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ يُعْلِمُكُمْ قِيَامَهَا، وَيُخْبِرُكُمْ بِأَحْوَالِهَا وَأَهْوَالِهَا، ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ فَلَا تَشُكَّنَّ فِيهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُكَذِّبُوا بِهَا، ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ عَلَى التَّوْحِيدِ، ﴿هَذَا﴾ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم أكد - سبحانه - كمال قدرته فقال : ( وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي الأرض يَخْلُفُونَ ) .و " من " فى قوله - تعالى - ( مِنكُمْ ) يصح أن تكون للبدلية ، فيكون المعنى : ولو نشاء إهلاككم أيها الكافرون لفعلنا ولجعلنا بدلا منكم ملائكة يخلفونكم بعد موتكم ، ولكنا لم نشأ ذلك لحكم نحن نعلمها .ويصح أن تكون للتبعيض فيكون المعنى : ولو نشاء لجعلنا منكم يا رجل قريش ملائكة ، بطريق التوليد منكم ، من غير واسطة نساء ، فهذا أمر سهل علينا ، مع أنه أعجب من حال عيسى الذى تستغربونه ، لأنه جاء من غير أب ، مع أن الأم من طبيعتها الولادة .فالمقصود بالآية الكريمة بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شئ ، وأن ما تعجبو منه ، الله - تعالى - قادر على أن يأتى بما هو أعجب منه .قال صاحب الكشاف : قوله ( وَلَوْ نَشَآءُ ) لقدرتنا على خلق عجائب الأمور ، وبدائع الفطر ، ( لَجَعَلْنَا مِنكُمْ ) أى : لولدنا منكم يا رجال ( مَّلاَئِكَةً ) يخلفونكم فى الأرض ، كما يخلفكم أولادكم ، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل ، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ، ولتعلموا أن الملائكة أجسام . . . وذات الله - تعالى - متعالية عن ذلك .