مقارنة التفاسير
الدخان · الآية 28
﴿٢٨﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الدخان · الآية 28
﴿٢٨﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
مثل ذلك العقاب يعاقب الله مَن كذَّب وبدَّل نعمة الله كفرًا، وأورثنا تلك النعم مِن بعد فرعون وقومه قومًا آخرين خلفوهم من بني إسرائيل.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
[كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا } أي: هذة النعمة المذكورة ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾فى الآية الأخرى ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 17 إلى 33 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 17.
يَقُولُ تَعَالَى: وَلَقَدِ اخْتَبَرْنَا قَبْلَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ، وَهُمْ قِبْطُ مِصْرَ، ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يَعْنِي: مُوسَى كَلِيمَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ،
﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [في ت، م، أ: "وأن أرسل" وهو خطأ.] [طه: ٤٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ أَيْ: مَأْمُونٌ عَلَى مَا أُبَلِّغُكُمُوهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: لَا تَسْتَكْبِرُوا عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِهِ، وَالِانْقِيَادِ لِحُجَجِهِ وَالْإِيمَانِ بِبَرَاهِينِهِ [في أ: "بألوهيته".] ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِرٍ: ٦٠] .
﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ [مُبِينٍ] ﴾ [زيادة من ت، م، أ.] أَيْ: بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَاضِحَةٍ، وَهِيَ مَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ البينات والأدلة القاطعة [في ت، من أ: "القاطعات".] .
﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو صَالِحٍ: هُوَ الرَّجْمُ بِاللِّسَانِ وَهُوَ الشَّتْمُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: [هُوَ] [زيادة من ت.] الرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ.
أَيْ [في أ: "إني".] أَعُوذُ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَكُمْ [مِنْ] [زيادة من ت، م.] أَنْ تَصِلُوا إليَّ بِسُوءٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.
﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ أَيْ: فَلَا تَتَعَرَّضُوا [في أ: "تعترضوا".] إليَّ، وَدَعُوا الْأَمْرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مُسَالِمَةً إِلَى أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَنَا. فَلَمَّا طَالَ مَقَامُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَأَقَامَ حُجَجَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ وَمَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا كُفْرًا وَعِنَادًا، دَعَا رَبَّهُ عَلَيْهِمْ دَعْوَةً نَفَذَتْ فِيهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يُونُسَ: ٨٨، ٨٩] . وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ فِرْعَوْنَ وَمُشَاوَرَتِهِ وَاسْتِئْذَانِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] .
* *
وَقَوْلُهُ هَاهُنَا: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا جَاوَزَ هُوَ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ، أَرَادَ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَصَاهُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ، لِيَصِيرَ حَائِلًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فِرْعَوْنَ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ. فَأَمَرَهُ اللَّهُ [في ت: "تعالى".] أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى حَالِهِ سَاكِنًا، وَبَشَّرَهُ بِأَنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ فِيهِ [في ت: "أي في البحر"، وفي أ: "أي فيه".] ، وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ دَرَكًا وَلَا يَخْشَى.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ كَهَيْئَتِهِ وامضِهْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿رَهْوًا﴾ طَرِيقًا يَبْسًا كَهَيْئَتِهِ، يَقُولُ: لَا تَأْمُرْهُ يَرْجِعُ، اتْرُكْهُ حَتَّى يَرْجِعَ آخِرُهُمْ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ وسِمَاك بْنُ حَرْبٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ [في ت: "وغيرهما".] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ﴾ وَهِيَ الْبَسَاتِينُ ﴿وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ﴾ وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَنْهَارُ وَالْآبَارُ، ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ وَهِيَ الْمَسَاكِنُ الْكَرِيمَةُ الْأَنِيقَةُ وَالْأَمَاكِنُ الْحَسَنَةُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ الْمَنَابِرُ.
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعة، عَنْ وَهْبِ [في م: "ولهب".] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَافِرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نِيلُ مِصْرَ سَيِّدُ الْأَنْهَارِ، سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ نَهْرٍ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وذلَّلَهُ لَهُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ نِيلَ مِصْرَ أَمَرَ كُلَّ نَهْرٍ أَنْ يَمُدَّهُ، فَأَمَدَّتْهُ الْأَنْهَارُ بِمَائِهَا، وَفَجَّرَ اللَّهُ لَهُ الْأَرْضَ عُيُونًا، فَإِذَا انْتَهَى جَرْيُهُ إِلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى كُلِّ مَاءٍ أَنْ يرجع إلى عنصره.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [في ت، م: "فأخرجناهم" وهو خطأ ولعل الناسخ أراد الآية: ٧٥ من سورة الشعراء.] قَالَ:، كَانَتِ الْجِنَانُ بِحَافَّتَيْ هَذَا النِّيلِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فِي الشِّقَّيْنِ جَمِيعًا، مَا بَيْنَ أَسْوَانَ إِلَى رَشِيدٍ، وَكَانَ لَهُ تِسْعَةُ [في ت، م: "تسع".] خُلُجٍ: خَلِيجُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَخَلِيجُ دِمْيَاطَ، وَخَلِيجُ سَرْدُوسَ، وَخَلِيجُ مَنْفٍ، وَخَلِيجُ الْفَيُّومِ، وَخَلِيجُ الْمَنْهَى، مُتَّصِلَةٌ لَا يَنْقَطِعُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَزُرُوعٌ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ كُلُّهُ مِنْ أَوَّلِ مِصْرَ إِلَى آخِرِ مَا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ، وَكَانَتْ جَمِيعُ أَرْضِ مِصْرَ تُرْوَى مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، لِمَا قَدَّرُوا وَدَبَّرُوا مِنْ قَنَاطِرِهَا وَجُسُورِهَا وَخُلُجِهَا.
﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ أَيْ: عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاؤوا وَيَلْبَسُونَ مَا أَحَبُّوا مَعَ الْأَمْوَالِ وَالْجَاهَاتِ وَالْحُكْمِ فِي الْبِلَادِ، فَسُلِبُوا ذَلِكَ جَمِيعُهُ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفَارَقُوا الدُّنْيَا وَصَارُوا إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَتِلْكَ الْحَوَاصِلِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَالْمَمَالِكِ الْقِبْطِيَّةِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٥٩] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ [في ت، م، أ: "الآية".] : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣٧] . وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، كَمَا تَقَدَّمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ﴾ أَيْ: لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ تَصْعَدُ فِي أَبْوَابِ السَّمَاءِ فَتَبْكِي عَلَى فَقْدِهِمْ، وَلَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ بِقَاعٌ عَبَدُوا اللَّهَ فِيهَا فَقَدَتْهُمْ؛ فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا أَلَّا يُنْظَرُوا وَلَا يُؤَخَّرُوا لِكُفْرِهِمْ وَإِجْرَامِهِمْ، وَعُتُوِّهِمْ وَعِنَادِهِمْ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ [في ت: "وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي بإسناده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ".] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ فِي السَّمَاءِ بَابَانِ: بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِزْقُهُ، وَبَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ [في ت، أ: "فيه".] عَمَلُهُ وَكَلَامُهُ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدَاهُ وَبَكَيَا عَلَيْهِ" وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ﴾ وذُكر أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَمِلُوا [في ت، م: "يعملون".] عَلَى الْأَرْضِ عَمَلًا صَالِحًا يَبْكِي عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَصْعَدْ لَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَا مِنْ عَمَلِهِمْ كَلَامٌ طَيِّبٌ، وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ فَتَفْقِدَهُمْ فَتَبْكِيَ عَلَيْهِمْ [مسند أبي يعلى (٧/١٦٠) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٢٥٥) من طريق موسى بن عبيدة به مختصر، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث".] .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ وَهُوَ الرَّبَذِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [في ت: "وروى ابن جرير أن رسول الله ﷺ قال".] إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا. أَلَا لَا غُرْبَةَ عَلَى مُؤْمِنٍ مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ فِي غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ والأرض". ثم قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ﴾ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُمَا لَا يَبْكِيَانِ عَلَى الْكَافِرِ" [تفسير الطبري (٢٥/٧٥) ورواه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت كما في الدر المنثور (٧/٤١٢) وهو مرسل.] .
وَقَالَ [في ت: "وروى".] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ-حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ تَبْكِي السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَلَى أَحَدٍ؟ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، إِنَّهُ لَيْسَ [مِنْ] [زيادة من ت، أ.] عَبْدٍ إِلَّا لَهُ مُصَلًّى فِي الْأَرْضِ، وَمَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّمَاءِ. وَإِنَّ آلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا عَمَلٌ يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّام، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مِنْهَالٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَتَى ابنَ عَبَّاسٍ رجلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ فَهَلْ تَبْكِي السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ إِلَّا وَلَهُ بَابٌ فِي السَّمَاءِ مِنْهُ يَنْزِلُ رِزْقُهُ، وَفِيهِ يَصْعَدُ عَمَلُهُ، فَإِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ فَأُغْلِقَ بَابُهُ مِنَ السَّمَاءِ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ وَيَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ بَكَى عَلَيْهِ، وَإِذَا فُقِدَ مُصَلَّاهُ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا وَيَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا بَكَتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ آثَارٌ صَالِحَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ خَيْرٌ، فَلَمْ تَبْكِ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ [تفسير الطبري (٢٥/٧٤) .] .
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَحْوَ هَذَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي يَحْيَى القَتَّات، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ [في ت: "وعن".] ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [زيادة من ت.] قَالَ: كَانَ يُقَالُ: تَبْكِي الْأَرْضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَتَبْكِي الْأَرْضُ؟ فَقَالَ: أَتَعْجَبُ؟ وَمَا لِلْأَرْضِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ، كَانَ يُعَمِّرُهَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؟ وَمَا لِلسَّمَاءِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ كَانَ لِتَكْبِيرِهِ وَتَسْبِيحِهِ فِيهَا دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ تَبْكِيَ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ سَابِقٍ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: مَا بَكَتِ السَّمَاءُ مُنْذُ كَانَتِ الدُّنْيَا إِلَّا عَلَى اثْنَيْنِ قُلْتُ لِعُبَيْدٍ: أَلَيْسَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ تَبْكِي عَلَى الْمُؤْمِنِ؟ قَالَ: ذَاكَ مَقَامُهُ حَيْثُ يَصْعَدُ عَمَلُهُ. قَالَ: وَتَدْرِي مَا بُكَاءُ السَّمَاءِ؟ قُلْتُ [في أ: "قال".] لَا قَالَ: تَحْمَرُّ وَتَصِيرُ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ، إِنَّ يحيى بْنَ زَكَرِيَّا لَمَّا قُتِلَ احْمَرَّتِ السَّمَاءُ وَقَطَرَتْ دَمًا. وَإِنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا قُتِلَ احْمَرَّتِ السَّمَاءُ.
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو -زُنَيج-حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ حُسَيْنُ [في ت، م: "الحسين".] بْنُ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، احْمَرَّتْ آفَاقُ السَّمَاءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قَالَ يَزِيدُ: وَاحْمِرَارُهَا بُكَاؤُهَا. وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: بُكَاؤُهَا: أَنْ تَحْمَرَّ أَطْرَافُهَا.
وَذَكَرُوا [في ت: "وذكر".] أَيْضًا فِي مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ مَا قُلِبَ حَجَرٌ يَوْمَئِذٍ إِلَّا وُجِدَ تَحْتَهُ دَمٌ عَبِيط، وَأَنَّهُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَاحْمَرَّ الْأُفُقُ، وَسَقَطَتْ حِجَارَةٌ. وَفِي كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ سُخْف الشِّيعَةِ وَكَذِبِهِمْ، لِيُعَظِّمُوا الْأَمْرَ -وَلَا شَكَّ أَنَّهُ عَظِيمٌ-وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ هَذَا الَّذِي اخْتَلَقُوهُ وَكَذَبُوهُ، وَقَدْ وَقَعَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ [ذَلِكَ] [زيادة من أ.] -قُتِلَ الْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّهُ قَدْ قُتِلَ أَبُوهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَقَعْ [في ت، أ: "يكن".] [شَيْءٌ مِنْ] [زيادة من ت، أ.] ذَلِكَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قُتِلَ مَحْصُورًا مَظْلُومًا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قُتِلَ فِي الْمِحْرَابِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَكَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تَطْرُقْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَيِّدُ الْبَشَرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَوْمَ مَاتَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ. وَيَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ النَّاسُ: [الشَّمْسُ] [زيادة من ت، وفي أ: "خسفت الشمس".] خَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صلاة الْكُسُوفِ، وَخَطَبَهُمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ [رواه البخاري في صحيحه برقم (١٠٤٣) ومسلم في صحيحه برقم (٩١٥) .] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ يَمْتَنُّ عَلَيْهِمْ تَعَالَى بِذَلِكَ، حَيْثُ أَنْقَذَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ إِهَانَةِ فِرْعَوْنَ وَإِذْلَالِهِ لَهُمْ، وَتَسْخِيرِهِ إِيَّاهُمْ فِي [في أ: "من".] الْأَعْمَالِ الْمُهِينَةِ الشَّاقَّةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا [مِنَ الْمُسْرِفِينَ] ﴾ [زيادة من أ.] أَيْ: مُسْتَكْبِرًا جَبَّارًا عَنِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ [وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا]﴾ [زيادة من أ.] [الْقِصَصِ: ٤] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٤٦] ، [وَقَوْلُهُ ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ ] [[فكان فرعون] زيادة من ت، أ.] [الْعَنْكَبُوتِ: ٣٩] ، [فَكَانَ فِرْعَوْنَ] سِرفًا [في ت، أ: "مسرفا".] فِي أَمْرِهِ، سَخِيفَ الرَّأْيِ عَلَى نَفْسِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ عَلَى مَنْ هُمْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: اخْتِيرُوا عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِمْ ذَلِكَ. وكان يقال: إن لِكُلِّ زَمَانٍ عَالَمًا. وَهَذِهِ [في م: "وهذا".] كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٤] أَيْ: أَهْلِ زَمَانِهِ، وَكَقَوْلِهِ لِمَرْيَمَ: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٤٢] أَيْ: فِي زَمَانِهَا؛ فَإِنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَكَذَا آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، أَوْ مُسَاوِيَةٌ لَهَا فِي الْفَضْلِ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ﴾ أَيْ: [مِنَ] [زيادة من ت.] الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ ﴿مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ أَيِ: اخْتِبَارٌ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ لِمَنِ اهْتَدَى بِهِ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 25 إلى 28 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 25.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: كم ترك فرعون وقومه من القبط بعد مهلكهم وتغريق الله إياهم من بساتين وأشجار، وهي الجنات، وعيون، يعني: ومنابع ما كان ينفجر في جنانهم وزروع قائمة في مزارعهم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ يقول: وموضع كانوا يقومونه شريف كريم.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى وصف الله ذلك المقام بالكرم، فقال بعضهم: وصفه بذلك لشرفه، وذلك أنه مَقام الملوك والأمراء، قالوا: وإنما أريد به المنابر.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني جعفر بن ابنة إسحاق الأزرق، قال: ثنا سعيد بن محمد الثقفي، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مُهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، في قوله ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ قال: المنابر.
⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا عبد الله بن داود الواسطي، قال: ثنا شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبير، في قوله ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ قال: المنابر.
وقال آخرون: وصف ذلك المقام بالكرم لحسنه وبهجته.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ : أي حسن.
* *
وقوله ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها فاكهين متفكهين ناعمين.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿فَاكِهِينَ﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر القارئ ﴿فَاكِهِينَ﴾ على المعنى الذي وصفت. وقرأه أبو رجاء العُطاردي والحسن وأبو جعفر المدنيّ ﴿فَكِهينَ﴾ بمعنى: أشِرِين بَطِرين.
والصواب من القراءة عندي في ذلك، القراءة التي عليها قرّاء الأمصار، وهي ﴿فَاكِهِينَ﴾ بالألف بمعنى ناعمين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ : ناعمين، قال: إي والله، أخرجه الله من جناته وعيونه وزروعه حتى ورّطه في البحر.
* *
وقوله ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: هكذا كما وصفت لكم أيها الناس فعلنا بهؤلاء الذي ذكرتُ لكم أمرهم، الذين كذّبوا رسولنا موسى ﷺ.
* *
وقوله ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾
يقول تعالى ذكره وأورثنا جناتهم وعيونهم وزروعهم ومقَاماتهم وما كانوا فيه من النعمة عنهم قوما آخرين بعد مهلكهم، وقيل: عُنِي بالقوم الآخرين بنو إسرائيل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ يعني بني إسرائيل.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلَى "كَذلِكَ". وَقِيلَ: إِنَّ الْكَافَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلَى تَقْدِيرٍ نَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ بِمَنْ نُرِيدُ إِهْلَاكَهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: "كَذلِكَ" أَفْعَلُ بِمَنْ عَصَانِي. وَقِيلَ: "كَذلِكَ" كَانَ أَمْرُهُمْ فَأُهْلِكُوا. "وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ" يَعْنِي بَنَى إِسْرَائِيلَ، مَلَّكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا فِيهَا مُسْتَعْبَدِينَ، فَصَارُوا لَهَا وَارِثِينَ، لِوُصُولِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ كَوُصُولِ الْمِيرَاثِ. وَنَظِيرُهُ ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا﴾ [آية ١٣٧ سورة الأعراف.] [الأعراف: ١٣٧]. الآية.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 28 إلى 32 معاً في نص واحد.
﴿كَذَلِكَ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أَفْعَلُ بِمَنْ عَصَانِي، ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ تَبْكِي عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ يَصْعَدُ لَهُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ فَتَبْكِي السَّمَاءُ عَلَى فَقْدِهِ، وَلَا لَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ عُمْرٌ صَالِحٌ فَتَبْكِي الْأَرْضُ عَلَيْهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشَّرِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَنْجَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْمَقْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرِّبْذِيُّ، أَخْبَرَنِي يَزِيدُ الرُّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا لَهُ فِي السَّمَاءِ بَابَانِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِزْقُهُ، وَبَابٌ يَدْخُلُ فِيهِ عَمَلُهُ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدَاهُ وَبَكَيَا عَلَيْهِ" وَتَلَا "فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ" [اخرجه الترمذي في التفسير (تفسير سورة الدخان) ٩ / ١٣٦-١٣٧ وقال: " هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرُّقاشي يُضعفان في الحديث"، وأبو يعلي في مسنده: ٤ / ١٥٧ والخطيب في تاريخ بغداد: ٨ / ٣٢٧. قال الهيثمي في المجمع: ٧ / ١٠٥: "رواه أبو يعلي وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف"، وعزاه ابن حجر في المطالب العالية: ٣ / ٣٧٠ لأبي يعلى بإسناد ضعيف. وقال البوصيري: رواه أبو يعلى بسند ضعيف لضعف يزيد الرقاشي وموسى بن عبيدة الربذي ورواه الترمذي مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ٧ / ٤١١ لابن أبي الدنيا، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية.] .
قَالَ عَطَاءٌ: بُكَاءُ السَّمَاءِ حُمْرَةُ أَطْرَافِهَا.
قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ، وَبُكَاؤُهَا حُمْرَتُهَا [انظر: القرطبي: ١٦ / ١٤١.] .
﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ لَمْ يَنْظُرُوا حِينَ أَخَذَهُمُ الْعَذَابُ لِتَوْبَةٍ وَلَا لِغَيْرِهَا.
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ قَتْلِ الْأَبْنَاءِ وَاسْتِحْيَاءِ النِّسَاءِ وَالتَّعَبِ فِي الْعَمَلِ.
﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ﴾ يَعْنِي مُؤْمِنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ بِهِمْ، ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ عَلَى عَالِمِي زَمَانِهِمْ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
وقوله : ( كَذَلِكَ ) فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف ، أى : الأمر كذلك .قال الجمل ما ملخصه : " قوله : ( كَذَلِكَ ) خبر مبتدأ محذوف . أى : الأمر كذلك فالوقف يكون على هذا اللفظ ، وتكون الجملة اعتراضية لتقرير وتوكيد ما قبلها . . . ويبتدأ بقوله : ( وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ) وهو معطوف على ( كَمْ تَرَكُواْ . . ) أى : تركوا أمورا كثيرة أورثناها قوما آخرين ، وهم بنو إسرائيل " .وقال الزمخشرى : الكاف فى محل نصب ، على معنى : مثل ذلك الإِخراج أخرجناهم منها ( وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ) ليسوا منهم .فعلى هذا يكون قوله ( وَأَوْرَثْنَاهَا ) معطوفا على تلك الجملة الناصبة للكاف ، فلا يجوز الوقف على ( كَذَلِكَ ) حينئذ .وقال الآلوسى : والمراد بالقوم الآخرين : بنو إسرائيل ، وهم مغيرون للقبط جنسا ودينا ، ويفسر ذلك قوله - تعالى - فى سورة الشعراء : ( كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ ) وهو ظاهر فى أن بنى اسرائيل رجعوا إلى مصر ، بعد هلاك فرعون وملكوها .وقيل : المراد بالقوم الآخرين غير بنى اسرائيل ممن ملك مصر بعد هلاك فرعون ، لأنه لم يرد فى مشهور التواريخ أن بنى اسرائيل رجعوا إلى مصر ، ولا أنهم ملكوها قط .وما فى سورة الشعراء من باب قوله - تعالى - : ( وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ) أو من باب : عندى درهم ونصفه . فليس المراد خصوص ما تركوه ، بل نوعه وما يشبهه .وقيل : المراد من إيراثها إياهم : تمكينهم من التصرف فيها ، ولا يتوقف ذلك على رجوعهم إلى مصر ، كما كانوا فيها أولا .والذى نراه - كما سبق أن قلنا عند تفسير سورة الشعراء - أن الآية صريحة فى توريث بنى اسرائيل للجنات والعيون . . التى خلفها فرعون وقومه بعد غرقهم ، بمعنى أنهم عادوا إلى مصر بعد غرق فرعون ومن معه ، ولكن عودتهم كانت لفترة معينة ، خرجوا بعدها إلى الأرض المقدسة التى دعاهم موسى - عليه السلام - لدخولها كما جاء فى قوله - تعالى - : ( يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ . . ).