مقارنة التفاسير
المائدة · الآية 69
إِنَّ ٱلَّذِينَ مَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ ﴿٦٩﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
المائدة · الآية 69
إِنَّ ٱلَّذِينَ مَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ ﴿٦٩﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
إن الذين آمنوا (وهم المسلمون) واليهودَ -والصابئون كذلك (وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دينَ مقرَّرٌ لهم يتبعونه)- والنصارى (وهم أتباع المسيح) من آمن منهم بالله الإيمان الكامل، وهو توحيد الله والتصديق بمحمد ﷺ وبما جاء به، وآمن باليوم الآخر، وعمل العمل الصالح، فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما تركوه وراءهم في الدنيا.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يخبر تعالى عن أهل الكتب من أهل القرآن والتوراة والإنجيل، أن سعادتهم ونجاتهم في طريق واحد، وأصل واحد، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر [والعمل الصالح] فمن آمن منهم بالله واليوم الآخر، فله النجاة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من الأمور المخوفة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا منها. وهذا الحكم المذكور يشمل سائر الأزمنة.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 68 إلى 69 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 68.
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أَيْ: مِنَ الدِّينِ، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ أَيْ: حَتَّى تُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا بِأَيْدِيكُمْ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَتَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا وَمِمَّا فِيهَا الْأَمْرُ [في أ: "بما فيها من الأمر".] باتباع بمحمد ﷺ وَالْإِيمَانِ بِمَبْعَثِهِ، وَالِاقْتِدَاءِ بشريعته؛ ولهذا قال ليث ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
أَيْ: فَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا يَهيدنَّك ذَلِكَ مِنْهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَهُمُ: الْمُسْلِمُونَ ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ وَهُمْ: حَمَلَةُ التَّوْرَاةِ ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ -لَمَّا طَالَ الْفَصْلُ حَسُنَ الْعَطْفُ بِالرَّفْعِ. وَالصَّابِئُونَ: طَائِفَةٌ بَيْنَ [في ر، أ: "من".] النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، لَيْسَ لَهُمْ دِينٌ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَعَنْهُ: بَيْنَ [في ر، أ: "من".] الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَيْنَ [في ر، أ: "من".] الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَعَنِ الْحَسَنِ [وَالْحَكَمِ] [زيادة من أ.] إِنَّهُمْ كَالْمَجُوسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَيُصَلُّونَ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، ويقرؤون الزَّبُورَ. وَقَالَ وَهْب بْنُ مُنَبّه: هُمْ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ شَرِيعَةٌ يَعْمَلُونَ بِهَا، وَلَمْ يُحْدِثُوا كُفْرًا.
وَقَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزَّنَاد، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: الصائبون: قَوْمٌ مِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ، وَهُمْ بِكُوثَى، وَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّينَ كُلِّهِمْ، وَيَصُومُونَ كُلِّ سَنَةٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْيَمَنِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَمَعْرُوفُونَ، وَهُمْ حَمَلَةُ الْإِنْجِيلِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ آمَنَتْ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ [في أ: "واليوم".] الْآخِرِ، وَهُوَ الْمَعَادُ وَالْجَزَاءُ يَوْمُ الدِّينِ، وَعَمِلَتْ عَمَلًا صَالِحًا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بَعْدَ إِرْسَالِ صَاحِبِهَا الْمَبْعُوثِ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ فَمَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ [في أ: "يستقبلون".] وَلَا عَلَى مَا تَرَكُوا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمُ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرَاتِهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. [في أ: "إعادتها هاهنا".]
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين صدّقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام="والذين هادوا"، وهم اليهود [انظر تفسير"هاد" فيما سلف ص: ٣٤١، تعليق: ١، والمراجع هناك.] = والصابئون"، وقد بينا أمرهم [انظر تفسير"الصابئون" فيما سلف ٢: ١٤٥- ١٤٧.] ="والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر"، فصدّق بالبعث بعد الممات="وعمل"، من العمل="صالحًا" لمعاده"فلا خوف عليهم"، فيما قَدِموا عليه من أهوال القيامة="ولا هم يحزنون"، على ما خلَّفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، بعد معاينتهم ما أكرمهم الله به من جزيل ثوابه. [انظر تفسير"عمل صالحًا" فيما سلف ٢: ١٤٨ (وفهارس اللغة) . = وتفسير"اليوم الآخر"، فيما سلف من فهارس اللغة (أخر) . = وتفسير"لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" فيما سلف ٢: ١٥٠، وسائر فهارس اللغة.]
* *
وقد بينا وجه الإعراب فيه فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. [انظر ما سلف ٣: ٣٥٢- ٣٥٤/ ثم انظر الموضع الذي أشار إليه ٩: ٣٩٥- ٣٩٩. ثم انظر أيضًا معاني القرآن للفراء ١: ١٠٥- ١٠٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٧٢، ومشكل القرآن لابن قتيبة: ٣٦- ٣٩.]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
تَقَدَّمَ الكلام فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ. "وَالَّذِينَ هادُوا" مَعْطُوفٌ، وَكَذَا "وَالصَّابِئُونَ" مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُضْمَرِ فِي "هادُوا" فِي قَوْلِ الْكِسَائِيِّ وَالْأَخْفَشِ. قَالَ النَّحَّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجَّاجَ يَقُولُ: وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الْأَخْفَشِ وَالْكِسَائِيِّ: هَذَا خَطَأٌ مِنْ جِهَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا أَنَّ الْمُضْمَرَ الْمَرْفُوعَ يَقْبُحُ الْعَطْفُ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَكَّدَ. وَالْجِهَةُ الْأُخْرَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ شَرِيكُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّ الصَّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا فِي الْيَهُودِيَّةِ وَهَذَا مُحَالٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّمَا جَازَ الرَّفْعُ فِي "وَالصَّابِئُونَ" لِأَنَّ "إِنَّ" ضَعِيفَةٌ فَلَا تُؤَثِّرُ إلا في الاسم دون الخبر، و "الَّذِينَ" هُنَا لَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ الْإِعْرَابُ فَجَرَى عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ الْأَمْرَانِ [في ع: فجرى على جهة واحدة، ألا ترى أن جاز رفع الصابئين إلخ.] ، فَجَازَ رَفْعُ الصَّابِئِينَ رُجُوعًا إِلَى أَصْلِ الْكَلَامِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَسَبِيلُ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ الْإِعْرَابُ وَمَا لَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ الْإِعْرَابُ وَاحِدٌ. وَقَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كَذَلِكَ. وَأَنْشَدَ [البيت لبشر بن أبي حازم. والبغاة: جمع باغ وهو الساعي بالفساد. والشقاق: الخلاف.] سِيبَوَيْهِ وَهُوَ نَظِيرُهُ:
وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُمْ ... بُغَاةٌ مَا بَقِينَا فِي شِقَاقِ
وَقَالَ ضَابِئِ الْبُرْجُمِيِّ:
فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وَقَيَّارٌ [قيار: قيل اسم جمل ضابئ، وقيل: اسم فرسه. يقول: من كان بالمدينة بيته ومنزله، فلست منها ولا لي بها منزل.] بِهَا لَغَرِيبُ
وَقِيلَ: "إِنَّ" بِمَعْنَى "نَعَمْ" فَالصَّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَحُذِفَ الْخَبَرُ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ، فَالْعَطْفُ يَكُونُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ وانقضاء الاسم والخبر. وقال قيس الرقيات: بَكَرَ الْعَوَاذِلُ فِي الصَّبَا ... حَ يَلُمْنَنِي وَأَلُومُهُنَّهْ
وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلَا ... كَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهْ
قَالَ الْأَخْفَشُ: (إِنَّهْ) بِمَعْنَى (نَعَمْ)، وهذه (الهاء) أدخلت للسكت.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 68 إلى 71 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 68.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
أَيْ: تُقِيمُوا أَحْكَامَهُمَا وَمَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ فِيهِمَا، ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ﴾ فَلَا تَحْزَنْ، ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ وكان حقه: ﴿والصائبين﴾ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَجْهَ ارْتِفَاعِهِ [انظر فيما سبق تفسير الآية (٦٢) من سورة البقرة، في المجلد الأول.] . وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادَوْا وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَالصَّابِئُونَ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: بِاللِّسَانِ، وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: بِالْقَلْبِ، وَقِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: ثَبَتَ عَلَى الْإِيمَانِ، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ عِيسَى وَمُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا، ﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا.
﴿وَحَسِبُوا﴾ ظَنُّوا ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ: عَذَابٌ وَقَتْلٌ، وَقِيلَ: ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ، أَيْ: ظَنُّوا أَنْ لَا يُبْتَلَوْا وَلَا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " تَكُونُ " بِرَفْعِ النُّونِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ، وَنَصَبَهَا الْآخَرُونَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ لَا ﴿فَعَمُوا﴾ عَنِ الْحَقِّ فَلَمْ يُبْصِرُوهُ، ﴿وَصَمُّوا﴾ عَنْهُ فَلَمْ يَسْمَعُوهُ، يَعْنِي عَمُوا وَصَمُّوا بَعْدَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِبَعْثِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الناس أمامه سواء وأنه لا تفاضل بينهم إلا بالإِيمان والعمل الصالح ، وأن الإِيمان الحق يقطع ما قبله من عقائد زائفة . وأفعال سيئة فقال - تعالى - :( إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين . . . )الآية الكريمة تبين أن أساس النجاة يوم القيامة هو الإِيمان بالله واليوم الآخر ، وما يستتبع ذلك من أفعال طيبة وأعمال صالحة .وقد ذكر - سبحانه - في هذه الآية أربع فرق من الناس :أما الفرقة الأولى : فهي فرقة المؤمنين ، وهم الذين عبر عنهم - سبحانه - بقوله : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ ) أي : آمنوا إيمانا صادقاً ، بأن أذعنوا للحق الذي جاء به محمد ﷺ وابتعوه في كل ما جاء به .وقد ابتدأ القرآن بهم لشرفهم وعلو منزلتهم وللإِشعار بأن دين الإِسلام دين قائم على أساس أن الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإِيمان الصادق والعمل الصالح ، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك .والفرقة الثانية : فرقة الذين هادوا . أي اليهود . يقال : هاد وتهود إذا دخل في اليهودية . وسموا يهودا نسبة إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب - عليه السلام - وقد قلبت الذل في كلمة يهوذا دالا في التعريب . أو سموا حين تابوا من عبادة العجل من هاد يهود هودا بمعنى تاب ومنه قوله - تعالى - ( إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ) أي : تبنا ورجعنا إليك .والفرقة الثالثة : فرقة الصائبين جمع صابئ وهو الخارج من دين إلى دين . يقال صبا الظلف والناب والنجم - منع وكرم- إذا طلع .والمراد بهم قوم يعبدون الملائكة ، أو الكواكب ويزعمون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم ، ولا تزال بقية منهم تعيش في تخوم العراق ، ومن العسير الجزم بحقيقة معتقدهم ، لأنهم أكتم الناس لعقائدهم .وأما الفرقة الرابعة : فهي فرقة النصارى جمع نصران بمعنى نصراني قيل سموا بذلك لأنهم ادعوا أنهم أنصار عيسى - عليه السلام - وقيل سموا بذلك نسبة إلى قرية الناصرة التي ظهر بها عيسى - عليه السلام - واتبعه بعض أهلها .والإِيمان المشار إليه في قوله : ( مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ) يفسره بعض العلماء بالنسبة لليهود والنصارى والصابئين بمعنى صدور الإِيمان منهم على النحو الذي قرره الإِسلام . فمن لم تبلغه منهم دعوة الإِسلام ، وكان ينتمي إلى دين صحيح في أصله بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ويقوم بالعمل الصالح على الوجه الذي يرشده إليه دينه ، فله أجره على ذلك عند ربه .أما الذين بلغتهم دعوة الإِسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها؛ فإنهم لا يكونون ناجين من عذاب الله مهما ادعوا أنهم يؤمنون بغيرها؛ لأن شريعة الإِسلام قد نسخت ما قبلها ، والرسول ﷺ قال : " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " .ويفسرونه - أي الإِيمان المشار إليه سابقا - بالنسبة للمؤمنين الذين عبر الله عنهم بقوله : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ ) على أنه بمعنى الثبات والدوام والإِذعان ، وبذلك ينتظم عطف قوله - تعالى - ( وعَمِلَ صَالِحاً ) على قوله ( آمَنَ ) مع مشاركته هؤلاء المؤمنين لتلك الفرق إيمانا بالنبي ﷺ وبما جاء به من عند ربه .قالوا : لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإِسلام ، وأما بيان من ماضى على دين آخر قبل نسخه فلا ملابسة له بالمقام ، فضلا عن أن الصابئين ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات .وقوله : ( فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون ) بيان الحسن عاقبتهم ، وجزيل ثوابهم .أي : فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة بل هم في مأمن منها ، ولا هم يحزنون على ما مضى من أعمارهم لأنهم أنفقوها في العمل الصالح .هذا وقد قرأ جمهور القراء ( والصابئون ) بالرفع . وقرأ ابن كثير بالنصب .وقد ذكر النحويون وجوها من الإِعراب لتخريج قراءة الرفع التي قرأها الرفع التي قرأها الأكثرون ، ولعل خير هذه الوجوه ما ذكره الشيخ الجمل في قوله : وقوله : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ ) أي : إيمانا حقا لا نفاقا . وخبر إن محذوف تقديره : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . دل عليه المذكور ، وقوله : ( والذين هَادُواْ ) مبتدأ . فالواو لعطف الجمل أو للاستئناف وقوله ( والصابئون والنصارى ) عطف على هذا المبتدأ . وقوله ( فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) . خبر عن هذه المبتدآت الثلاثة . وقوله : ( مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ) بدل من كل منها بدل بعض من كل فهو مخصص . فكأنه قال : الذين آمنوا من اليهود والنصارى ومن الصابئين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . فالأخبار عن اليهود ومن بعدهم بما ذكر مشروط بالإِيمان لا مطلقا .وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر فقال : قوله : ( والصابئون ) رفع على الابتداء وخبره محذوف . والنية به التأخير عما في حيز ( إن ) من اسمها وخبرها . كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا . والصابئون كذلك .ثم قال : فإن قلت ما التأخير والتقديم إلا لفائدة فما فائدة هذا التقديم؟قلت : فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإِيمان والعمل الصالح فما الظن بغيرهم؟ وذلك لأن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا ، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبأوا عن الأديان كلها أي : خرجوا .والخلاصة ، أن الآية الكريمة مسوقة للترغيب في الإِيمان والعمل الصالح ببيان أن كل من آمن بالله واليوم الآخر ، واتبع ما جاء به النبي ﷺ واستمر على هذا الإِيمان وهذا الاتباع إلى أن فارق هذه الحياة ، فإن الله - تعالى - يرضى عنه ويثيبه ثوابا حسنا ، وبتجاوز عما فرط منه من ذنوب ، لأن الإِيمان الصادق يجب ما قبله ، من عقائد زائفة ، وأعمال باطلة وأقوال فاسدة .وبعد أن فتح - سبحانه - باب الإِيمان أمام أهل الكتاب وغيرهم لكي يدخلوه فينالوا رضاه ومثوبته . عقب ذلك باستئناف الحديث من أنواع أخرى من الرذائل التي عرفت عن بني إسرائيل فقال - تعالى - :( لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ . . . )