مقارنة التفاسير
ق · الآية 9
مِنَ مَآءࣰ بِهِۦ ﴿٩﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
ق · الآية 9
مِنَ مَآءࣰ بِهِۦ ﴿٩﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ونزَّلنا من السماء مطرًا كثير المنافع، فأنبتنا به بساتين كثيرة الأشجار، وحب الزرع المحصود.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف الآيات من 9 إلى 10 معاً في نص واحد.
وحاصل هذا، أن ما فيها من الخلق الباهر، والشدة والقوة، دليل على كمال قدرة الله تعالى، وما فيها من الحسن والإتقان، وبديع الصنعة، وبديع الخلقة دليل على أن الله أحكم الحاكمين، وأنه بكل شيء عليم، وما فيها من المنافع والمصالح للعباد، دليل على رحمة الله، التي وسعت كل شيء، وجوده، الذي عم كل حي، وما فيها من عظم الخلقة، وبديع النظام، دليل على أن الله تعالى، هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد، وأنه الذي لا تنبغي العبادة، والذل [والحب] إلا له تعالى.وما فيها من إحياء الأرض بعد موتها، دليل على إحياء الله الموتى، ليجازيهم بأعمالهم، ولهذا قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 6 إلى 11 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 6.
يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا لِلْعِبَادِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَظْهَرَ بِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا تَعَجَّبُوا مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ ؟ أَيْ: بِالْمَصَابِيحِ، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي مِنْ شُقُوقٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فُتُوقٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ صُدُوعٍ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ: ٣، ٤] أَيْ: كَلِيلٌ، أَيْ: عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ نَقْصًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أَيْ: وَسِعْنَاهَا وَفَرَشْنَاهَا، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وَهِيَ: الْجِبَالُ؛ لِئَلَّا تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَتَضْطَرِبَ؛ فَإِنَّهَا مُقَرة عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْوَاعِ، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] ، وَقَوْلُهُ: ﴿بَهِيجٍ﴾ أَيْ: حَسَنٍ نَضِرٍ.
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أَيْ: ومشاهدة خلق السموات [وَالْأَرْضِ] [زيادة من م، أ.] وَمَا جَعَلَ [اللَّهُ] [زيادة من أ.] فِيهِمَا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ تَبْصِرَةٌ وَدَلَالَةٌ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، أَيْ: خَاضِعٍ خَائِفٍ وَجِلٍ رَجَّاع إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أَيْ: نَافِعًا، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: حَدَائِقَ مِنْ بَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وَهُوَ: الزَّرْعُ الَّذِي يُرَادُ لِحَبِّهِ وَادِّخَارِهِ.
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أَيْ: طِوَالًا شَاهِقَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ: الْبَاسِقَاتُ الطِّوَالُ. ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أَيْ: مَنْضُودٌ. ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: لِلْخَلْقِ، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وَهِيَ: الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ هَامِدَةً، فَلَمَّا نَزَلَ عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زَوْجٍ بَهِيجٍ، مِنْ أَزَاهِيرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَحَارُ الطَّرْفُ فِي [في م: "من".] حُسْنِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا كَانَتْ لَا نَبَاتَ بِهَا، فَأَصْبَحَتْ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ، فَهَذَا مِثَالٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى. وَهَذَا الْمُشَاهَدُ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالْحِسِّ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْكَرَهُ الْجَاحِدُونَ لِلْبَعْثِ [في م، أ: "البعث".] كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرٍ: ٥٧] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [في م: "هامدة" وهو خطأ.] [فصلت: ٣٩] .
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 9 إلى 11 معاً في نص واحد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) ﴾
يقول تعالى ذكره ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ مطرا مباركا، فأنبتنا به بساتين أشجارا، وحبّ الزرع المحصود من البرّ والشعير، وسائر أنواع الحبوب.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ هذا البرّ والشعير.
⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ قال: هو البرّ والشعير.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ قال: الحِنطة.
وكان بعض أهل العربية يقول في قوله ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ الحبّ هو الحصيد، وهو مما أضيف إلى نفسه مثل قوله ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ .
* *
وقوله ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾
يقول: وأنبتنا بالماء الذي أنزلنا من السماء النخل طوالا والباسق: هو الطويل يقال للجبل الطويل: حبل باسق، كما قال أبو نوفل لابن هُبَيرة:
يا بْنَ الَّذِينَ بِفَضْلِهِمْ ... بَسَقَتْ عَلى قَيْسٍ فَزَارَهْ [البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢٢٥ ب) قال: " والنخل باسقات ": طوال. يقال جبل باسق، وحسب باسق، قال أبو نوفل لابن هبيرة: " يا بن الذين ... " البيت. وفي اللسان: بسق (بسق الشيء يبسق بسوقًا: تم طوله) . وفي التنزيل: " والنخل باسقات " الفراء: باسقات: طوالا، فهن طوال النخل، وبسق على قومه: علاهم في الفضل. وأنشد ابن بري لأبي نوفل: " يا بن الذين ... البيت ". أهـ.]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ﴿باسِقاتٍ﴾ يقول: طوال.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ قال: النخل الطوال.
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن شدّاد في قوله ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ قال: بسُوقها: طولها في إقامة.
⁕ حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرِمة، في قوله ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ الباسقات: الطوال.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿باسِقاتٍ﴾ قال: الطوال.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ قال: بسوقها طولها.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ قال: يعني طولها.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ قال: البسوق: الطول.
* *
وقوله ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾
يقول: لهذا النخل الباسقات طلع وهو الكُفُرَّى، نضيد: يقول: منضود بعضه على بعض متراكب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قال: يقول بعضه على بعض.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، لها: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿نَضِيدٌ﴾ قال: المنضَّد.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ يقول: بعضه على بعض.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ينضد بعضه على بعض.
* *
وقوله ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾
يقول: أنبتنا بهذا الماء الذي أنزلناه من السماء هذه الجنات، والحبّ والنخل قوتا للعباد، بعضها غذاء، وبعضها فاكهة ومتاعا.
* *
وقوله ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾
يقول تعالى ذكره وأحيينا بهذا الماء الذي أنزلناه من السماء بلدة ميتا قد أجدبت وقحطت، فلا زرع فيها ولا نبت.
* *
وقوله ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾
يقول تعالى ذكره: كما أنبتنا بهذا الماء هذه الأرض الميتة، فأحييناها به، فأخرجنا نباتها وزرعها، كذلك نخرجكم يوم القيامة أحياء من قبوركم من بعد بلائكم فيها بما ينزل عليها من الماء.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 6 إلى 11 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 6.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ﴾ نَظَرَ اعْتِبَارٍ وَتَفَكُّرٍ، وَأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى إِيجَادِهَا قَادِرٌ عَلَى الْإِعَادَةِ.
(كَيْفَ بَنَيْناها) فَرَفَعْنَاهَا بِلَا عَمَدٍ (وَزَيَّنَّاها) بِالنُّجُومِ (وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ) جَمْعُ فَرْجٍ وَهُوَ الشَّقُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ القيس:
تَسُدُّ بِهِ فَرْجَهَا مِنْ دُبُرْ [البيت في وصف فرنه، وصدره: لها ذنب مثل ذيل العروس]
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: لَيْسَ فِيهَا تَفَاوُتٌ وَلَا اخْتِلَافٌ وَلَا فُتُوقٌ.
(وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ) تَقَدَّمَ فِي (الرَّعْدِ) [راجع ج ٩ ص ٢٨٠.] بَيَانُهُ.
(وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ) أَيْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ النَّبَاتِ (بَهِيجٍ) أَيْ حَسَنٍ يَسُرُّ النَّاظِرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي (الْحَجِّ) [راجع ج ١٢ ص ١٤.] بَيَانُهُ.
(تَبْصِرَةً) أَيْ جَعَلْنَا ذَلِكَ تَبْصِرَةً لِنَدُلَّ بِهِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِنَا. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، يَعْنِي جَعَلْنَا ذَلِكَ تبصيرا وتنبيها على قدرتنا (وَذِكْرى) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ.
(لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) رَاجِعٌ إِلَى الله تعالى مفكر في قدرته. قوله تعالى: (وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ) أَيْ مِنَ السَّحَابِ (مَاءً مُبارَكاً) أَيْ كَثِيرَ الْبَرَكَةِ.
(فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) التَّقْدِيرُ: وَحَبُّ النَّبْتِ الْحَصِيدُ وَهُوَ كُلُّ مَا يُحْصَدُ. هَذَا قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: هُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، كَمَا يُقَالُ: مَسْجِدُ الْجَامِعِ وَرَبِيعُ الْأَوَّلِ وحق اليقين وحبل الوريد ونحوها، قاله الْفَرَّاءُ. وَالْأَصْلُ الْحَبُّ الْحَصِيدُ فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَأُضِيفَ الْمَنْعُوتُ إِلَى النَّعْتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: حَبُّ الْحَصِيدِ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ. وَقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ وَيُدَّخَرُ وَيُقْتَاتُ.
(وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ) نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ [هكذا في الأصول، ولعل صواب العبارة أن تكون كما قال السمين: (وَالنَّخْلَ) منصوب على العطف أي وأنبتنا النخل، و (باسِقاتٍ) حال.] رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) وَ (باسِقاتٍ) حَالٌ. وَالْبَاسِقَاتُ الطِّوَالُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: بُسُوقُهَا اسْتِقَامَتُهَا في الطول. وقال سعيد بن جبير: مُسْتَوِيَاتٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ أَيْضًا وَالْفَرَّاءُ: مَوَاقِيرُ حَوَامِلُ، يُقَالُ لِلشَّاةِ بَسَقَتْ إِذَا وَلَدَتْ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَمَّا تَرَكْنَا الدَّارَ ظَلَّتْ مُنِيفَةً ... بِقُرَّانَ فِيهِ الْبَاسِقَاتُ الْمَوَاقِرُ
وَالْأَوَّلُ فِي اللُّغَةِ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ، [يُقَالُ] بَسَقَ النَّخْلُ بُسُوقًا إِذَا طَالَ. قَالَ:
لَنَا خَمْرٌ وَلَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ... وَلَكِنْ مِنْ نِتَاجِ الْبَاسِقَاتِ
كِرَامٌ فِي السَّمَاءِ ذَهَبْنَ طُولًا ... وَفَاتَ ثِمَارُهَا أَيْدِي الْجُنَاةِ
وَيُقَالُ: بَسَقَ فُلَانٌ عَلَى أَصْحَابِهِ أَيْ عَلَاهُمْ، وَأَبْسَقَتِ النَّاقَةُ إِذَا وَقَعَ فِي ضَرْعِهَا اللَّبَنُ [في ح، ز، ى: اللبأ وهو وزان عنب، أول اللبن عند الولادة.] قَبْلَ النِّتَاجِ فَهِيَ مُبْسِقٌ وَنُوقٌ مَبَاسِيقٌ. وَقَالَ قُطْبَةُ بْنُ مَالِكٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ (بَاصِقَاتٍ) بِالصَّادِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. قُلْتُ: الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيْتُ وَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) حَتَّى قَرَأَ (وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ) قَالَ فَجَعَلْتُ أُرَدِّدُهَا وَلَا أَدْرِي مَا قَالَ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُ الصَّادِ مِنَ السِّينِ لِأَجْلِ الْقَافِ.
(لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ) الطَّلْعُ هُوَ أَوَّلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقَالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا وَأَطْلَعَتِ النَّخْلَةُ، وَطَلْعُهَا كُفُرَّاهَا قَبْلَ أَنْ يَنْشَقَّ.
(نَضِيدٌ) أَيْ مُتَرَاكِبٌ قَدْ نَضَدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. وَفِي الْبُخَارِيِّ (النَّضِيدُ) الْكُفُرَّى مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ وَمَعْنَاهُ مَنْضُودٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
(رِزْقاً لِلْعِبادِ) أَيْ رَزَقْنَاهُمْ رِزْقًا، أَوْ عَلَى مَعْنَى أَنْبَتْنَاهَا رِزْقًا، لِأَنَّ الْإِنْبَاتَ فِي مَعْنَى الرِّزْقِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ أَنْبَتْنَاهَا لِرِزْقِهِمْ، وَالرِّزْقُ مَا كَانَ مُهَيَّأً لِلِانْتِفَاعِ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ»
.
(وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ) أَيْ مِنَ الْقُبُورِ أَيْ كَمَا أَحْيَا اللَّهُ هَذِهِ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ فَكَذَلِكَ يُخْرِجُكُمْ أَحْيَاءً بَعْدَ مَوْتِكُمْ، فَالْكَافُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ [راجع ج ١ ص ١٧٧ وص ٢١١] . وَقَالَ (مَيْتاً) لِأَنَّ المقصود المكان ولو قال ميتة لجاز.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 6 إلى 11 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 6.
ثُمَّ دَلَّهُمْ عَلَى قُدْرَتِهِ، فَقَالَ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ بِغَيْرِ عَمَدٍ، ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بِالْكَوَاكِبِ، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ شُقُوقٍ وَفُتُوقٍ وَصُدُوعٍ، وَاحِدُهَا فَرْجٌ.
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ بَسَطْنَاهَا عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جِبَالًا ثَوَابِتَ، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ حَسَنٍ كَرِيمٍ يُبْهَجُ بِهِ، أَيْ: يَسُرُّ.
﴿تَبْصِرَةً﴾ [أَيْ جَعَلْنَا ذَلِكَ تَبْصِرَةً] [ما بين القوسين زيادة من "ب".] ﴿وَذِكْرَى﴾ أَيْ تَبْصِيرًا وَتَذْكِيرًا، ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أَيْ: لِيُبْصِرَ بِهِ وَيَتَذَكَّرَ بِهِ.
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ كَثِيرَ الْخَيْرِ وَفِيهِ حَيَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الْمَطَرُ، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ يَعْنِي الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ وَسَائِرَ الْحُبُوبِ الَّتِي تَحْصُدُ، فَأَضَافَ الْحَبَّ إِلَى الْحَصِيدِ، وَهُمَا وَاحِدٌ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، كَمَا يُقَالُ: مَسْجِدُ الْجَامِعِ وَرَبِيعُ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: "وَحَبُّ الْحَصِيدِ" أَيْ: وَحَبُّ النَّبْتِ [الْحَصِيدِ] [ما بين القوسين زيادة من "ب".] .
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وقَتَادَةُ: طِوَالًا يُقَالُ: بَسَقَتِ [النَّخْلَةُ] [ساقط من "أ".] بُسُوقًا إِذَا طَالَتْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِيَاتٌ.
﴿لَهَا طَلْعٌ﴾ ثَمَرٌ وَحَمْلٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَطَّلِعُ، وَالطَّلْعُ أَوَّلُ مَا يَظْهَرُ قَبْلَ أَنْ يَنْشَقَّ [في "ب" يتشقق.] ﴿نَضِيدٌ﴾ مُتَرَاكِبٌ مُتَرَاكِمٌ مَنْضُودٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فِي أَكْمَامِهِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ جَعَلْنَاهَا رِزْقًا لِلْعِبَادِ، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أَيْ بِالْمَطَرِ، ﴿بَلْدَةَ مَيْتًا﴾ أَنْبَتْنَا فِيهَا الْكَلَأَ ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ مِنَ الْقُبُورِ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم انتقلت الآيات إلى بيان مظاهر قدرته فى إنزال المطر ، بعد بيان مظاهر قدرته فى خلق السماوات والأرض وما اشتملنا عليه من كائنات ، فقال - تعالى - : ( وَنَزَّلْنَا مِنَ السمآء مَآءً مُّبَارَكاً ) أى : ماء كثير المنافع والخيرات للناس والدواب والزروع .( فَأَنبَتْنَا بِهِ ) أى : بذلك الماء ( جَنَّاتٍ ) أى : بساتين كثيرة زاخرة بالثمار ..( وَحَبَّ الحصيد ) أى : وحب النبات الذى من شأنه أن يحصد عند استوائه كالقمح والشعير وما يشبههما من الزروع .فالحصيد بمعنى المحصود ، وهو صفة لموصوف محذوف أى : وحب الزرع الحصيد . فهذا التركيب من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه للعلم به .وخص الحب بالذكر ، لاحتياج الناس إليه أكثر من غيره ، فصار كأنه المقصود بالبيان .