مقارنة التفاسير
الواقعة · الآية 52
مِن مِّن ﴿٥٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الواقعة · الآية 52
مِن مِّن ﴿٥٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف الآيات من 51 إلى 55 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 51.
ثم إنكم أيها الضالون عن طريق الهدى المكذِّبون بوعيد الله ووعده، لآكلون من شجر من زقوم، وهو من أقبح الشجر، فمالئون منها بطونكم؛ لشدة الجوع، فشاربون عليه ماء متناهيًا في الحرارة لا يَرْوي ظمأ، فشاربون منه بكثرة، كشرب الإبل العطاش التي لا تَرْوى لداء يصيبها.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ وهو أقبح الأشجار وأخسها، وأنتنها ريحا، وأبشعها منظرا.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 41 إلى 56 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 41.
لَمَّا [في م: "ولما".] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ.
﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ".
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ.
﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ.
وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا.
وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 51 إلى 53 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 51.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) ﴾
يقول تعالى ذكره لأصحاب الشمال: ثم إنكم أيها الضالون عن طريق الهدى، المكذّبون بوعيد الله ووعده، لآكلون من شجر من زقوم.
* *
وقوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾
يقول: فمالئون من الشجر الزَّقوم بطونهم.
واختلف أهل العربية في وجه تأنيث الشجر في قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : أي من الشجر، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ لأن الشجر تؤنث وتذكر، وأنث لأنه حمله على الشجرة لأن الشجرة قد تدلّ على الجميع، فتقول العرب: نبتت قبلنا شجرة مرّة وبقلة رديئة، وهم يعنون الجميع، وقال بعض نحويي الكوفة ﴿لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ ، وفي قراءة عبد الله ﴿لآكِلُونَ مِنْ شجرة مِنْ زَقُّومٍ﴾ على واحدة، فمعنى شجر وشجرة واحد، لأنك إذا قلت أخذت من الشاء، فإن نويت واحدة أو أكثرّ من ذلك، فهو جائز، ثم قال ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ يريد من الشجرة؛ ولو قال: فمالئون منه إذا لم يذكر الشجر كان صوابا يذهب إلى الشجر في منه، ويؤنث الشجر، فيكون منها كناية عن الشجر والشجر يؤنث ويذكر، مثل التمر يؤنث ويذكر.
والصواب من القول في ذلك عندنا القول الثاني، وهو أن قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾ مراد به من الشجر أنث للمعنى، وقال ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ مذكرا للفظ الشجر.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ مَا أَصْحابُ الشِّمالِ﴾ ذَكَرَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ وَسَمَّاهُمْ أَصْحَابَ الشِّمَالِ، لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، ثُمَّ عَظَّمَ ذِكْرَهُمْ في البلاد وَالْعَذَابِ فَقَالَ: (مَا أَصْحابُ الشِّمالِ. فِي سَمُومٍ) وَالسَّمُومُ الرِّيحُ الْحَارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ فِي مَسَامِّ الْبَدَنِ. وَالْمُرَادُ هُنَا حَرُّ النَّارِ وَلَفْحُهَا.
(وَحَمِيمٍ) أَيْ مَاءٍ حَارٍّ قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ، إِذَا أَحْرَقَتِ النَّارُ أَكْبَادَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ فَزِعُوا إِلَى الْحَمِيمِ، كَالَّذِي يَفْزَعُ مِنَ النَّارِ إِلَى الْمَاءِ لِيُطْفِئَ بِهِ الْحَرَّ فَيَجِدُهُ حَمِيمًا حَارًّا فِي نِهَايَةِ الحرارة والغليان. وقد مضى في (القتال) [راجع ج ١٦ ص ٢٣٧.] (وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ).
(وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) أَيْ يَفْزَعُونَ مِنَ السَّمُومِ إِلَى الظِّلِّ كَمَا يَفْزَعُ أَهْلُ الدُّنْيَا فَيَجِدُونَهُ ظِلًّا مِنْ يَحْمُومٍ، أَيْ مِنْ دُخَانِ جَهَنَّمَ أَسْوَدَ شَدِيدِ السَّوَادِ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا. وَكَذَلِكَ الْيَحْمُومُ فِي اللُّغَةِ: الشَّدِيدُ السَّوَادُ وَهُوَ يَفْعُولٌ مِنَ الْحَمِّ وَهُوَ الشَّحْمُ الْمُسْوَدُّ بِاحْتِرَاقِ النَّارِ. وقيل: هو مأخوذ مِنَ الْحُمَمِ وَهُوَ الْفَحْمُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: النَّارُ سَوْدَاءُ وَأَهْلُهَا سُودٌ وَكُلُّ مَا فِيهَا أَسْوَدُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: النَّارُ سَوْدَاءُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْيَحْمُومُ جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ يَسْتَغِيثُ إلى ظله أهل النار.
(لَا بارِدٍ) بَلْ حَارٌّ لِأَنَّهُ مِنْ دُخَانِ شَفِيرِ جَهَنَّمَ.
(وَلا كَرِيمٍ) عَذْبٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: وَلَا حَسُنَ مَنْظَرُهُ، وكل مالا خير فيه فليس بكريم. وَقِيلَ: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) أَيْ مِنَ النَّارِ يُعَذَّبُونَ بِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ [راجع ج ١٥ ص ٢٤٣.] ظُلَلٌ).
(إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ) أَيْ إِنَّمَا اسْتَحَقُّوا هَذِهِ الْعُقُوبَةَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُتَنَعِّمِينَ بِالْحَرَامِ. وَالْمُتْرَفُ الْمُنَعَّمُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: (مُتْرَفِينَ) أَيْ مُشْرِكِينَ.
(وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) أَيْ يُقِيمُونَ عَلَى الشِّرْكِ، عَنِ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَابْنِ زَيْدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: الذَّنْبُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَتُوبُونَ مِنْهُ. الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ، يُقَالُ: حَنِثَ فِي يَمِينِهِ أَيْ لَمْ يبرها ورجح فيها. وكانوا يقسمون أن لأبعث، وَأَنَّ الْأَصْنَامَ أَنْدَادُ اللَّهِ فَذَلِكَ حِنْثُهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) [راجع ج ١٠ ص ١٥.] . وَفِي الخبر: كَانَ يَتَحَنَّثُ فِي حِرَاءٍ، أَيْ يَفْعَلُ مَا يُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ الْحِنْثَ وَهُوَ الذَّنْبُ.
(وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا) هَذَا اسْتِبْعَادٌ مِنْهُمْ لِأَمْرِ الْبَعْثِ وَتَكْذِيبٌ لَهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (قُلْ) لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ (إِنَّ الْأَوَّلِينَ) مِنْ آبَائِكُمْ (وَالْآخِرِينَ) مِنْكُمْ (لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) يُرِيدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ الْقَسَمُ وَدُخُولُ اللَّامِ فِي قول تَعَالَى: (لَمَجْمُوعُونَ) هُوَ دَلِيلُ الْقَسَمِ فِي الْمَعْنَى، أَيْ إِنَّكُمْ لَمَجْمُوعُونَ قَسَمًا حَقًّا خِلَافَ قَسَمِكُمُ الْبَاطِلِ (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ) عَنِ الْهُدَى (الْمُكَذِّبُونَ) بِالْبَعْثِ (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ) وَهُوَ شَجَرٌ كَرِيهُ الْمَنْظَرِ، كَرِيهُ الطَّعْمِ، وَهِيَ التي ذكرت في سورة (والصافات) [راجع ج ١٥ ص ٨٥.] .
(فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) أَيْ مِنَ الشَّجَرَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) الْأُولَى زَائِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا كَأَنَّهُ قَالَ: (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ) طَعَامًا. وَقَوْلُهُ: (مِنْ زَقُّومٍ) صِفَةٌ لِشَجَرٍ، وَالصِّفَةُ إِذَا قَدَّرْتَ الْجَارَّ زَائِدًا نُصِبَتْ عَلَى الْمَعْنَى، أَوْ جَرَرْتَ عَلَى اللَّفْظِ، فَإِنْ قَدَّرْتَ الْمَفْعُولَ مَحْذُوفًا لَمْ تَكُنِ الصِّفَةُ إِلَّا فِي مَوْضِعِ جَرٍّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ عَلَى الزَّقُّومِ أَوْ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ عَلَى الشَّجَرِ، لأنه يذكر ومؤنث.
(مِنَ الْحَمِيمِ) وَهُوَ الْمَاءُ الْمَغْلِيُّ الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ غَلَيَانُهُ وَهُوَ صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ أَيْ يورثهم حرما يَأْكُلُونَ مِنَ الزَّقُّومِ مَعَ الْجُوعِ الشَّدِيدِ عَطَشًا فَيَشْرَبُونَ مَاءً يَظُنُّونَ أَنَّهُ يُزِيلُ الْعَطَشَ فَيَجِدُونَهُ حَمِيمًا مُغْلًى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَعَاصِمٍ وَحَمْزَةَ (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ. الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا لُغَتَانِ جَيِّدَتَانِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: شَرِبْتُ شُرْبًا وَشَرْبًا وَشِرْبًا وَشُرُبًا بِضَمَّتَيْنِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ بِضَمِّ الشِّينِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا، وَالْفَتْحُ هُوَ الْمَصْدَرُ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ كُلَّ مَصْدَرٍ مِنْ ذَوَاتِ الثَّلَاثَةِ فَأَصْلُهُ فَعْلٌ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَرُدُّهُ إِلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، فَتَقُولُ: فَعْلَةٌ نَحْوُ شَرْبَةٍ وَبِالضَّمِّ الِاسْمُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَفْتُوحَ وَالِاسْمَ مَصْدَرَانِ، فَالشَّرْبُ كَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبُ كَالذُّكْرِ، وَالشِّرْبُ بِالْكَسْرِ الْمَشْرُوبُ كَالطِّحْنِ الْمَطْحُونِ. وَالْهِيمُ الْإِبِلُ العطاش التي لا تروى لِدَاءٍ يُصِيبُهَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَيْضًا: هِيَ الْإِبِلُ الْمِرَاضُ. الضَّحَّاكُ: الْهِيمُ الْإِبِلُ يُصِيبُهَا دَاءٌ تَعْطَشُ مِنْهُ عَطَشًا شَدِيدًا، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ. وَيُقَالُ لِذَلِكَ الدَّاءِ الْهُيَامُ، قَالَ قَيْسُ بْنُ الْمُلَوَّحِ:
يُقَالُ بِهِ دَاءُ الْهُيَامِ أَصَابَهُ ... وَقَدْ عَلِمَتْ نَفْسِي مَكَانَ شِفَائِهَا
وَقَوْمٌ هِيمٍ أَيْضًا أَيْ عِطَاشٌ، وَقَدْ هَامُوا هُيَامًا. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ فِي الْإِبِلِ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ وَالْجَمْعُ هُيَّمٌ، قَالَ لَبِيَدٌ:
أَجَزْتُ إِلَى مَعَارِفِهَا بِشُعْثِ [شعث: رجال ساءت حالهم من الجهد والسفر. وأطلاح: ابل مهازيل والواحد طليح. والعيدي: ابل منسوبة إلى فحل، ويقال منسوبة إلى قوم يقال لهم العيد.] ... وَأَطْلَاحٍ مِنَ الْعِيدِيِّ هِيمُ [أي خففت وكسرت الهاء لأجل الياء.]
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالْأَخْفَشُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ كَيْسَانَ: الْهِيمُ الْأَرْضُ السَّهْلَةُ ذَاتُ الرَّمَلِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَيَشْرَبُونَ شُرْبَ الرِّمَالِ الَّتِي لَا تُرْوَى بِالْمَاءِ. المهدوي: ويقال لكل مالا يُرْوَى مِنَ الْإِبِلِ وَالرَّمَلِ أَهْيَمُ وَهَيْمَاءُ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَالْهُيَامُ بِالضَّمِّ أَشَدُّ الْعَطَشِ. وَالْهُيَامُ كَالْجُنُونِ مِنَ الْعِشْقِ. وَالْهُيَامُ دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَتَهِيمُ فِي الْأَرْضِ لَا تَرْعَى. يُقَالُ: نَاقَةٌ هَيْمَاءُ. وَالْهَيْمَاءُ أَيْضًا الْمَفَازَةُ لَا مَاءَ بِهَا. وَالْهَيَامُ بِالْفَتْحِ: الرَّمْلُ الَّذِي لَا يَتَمَاسَكُ أَنْ يَسِيلَ مِنَ الْيَدِ لِلِينِهِ وَالْجَمْعُ هِيمٌ مِثْلُ قَذَالٍ وَقُذُلٍ. وَالْهِيَامُ بِالْكَسْرِ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الْوَاحِدُ هَيْمَانُ، وَنَاقَةٌ هَيْمَاءُ مِثْلُ عَطْشَانَ وَعَطْشَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ رِزْقُهُمُ الَّذِي يُعَدُّ لَهُمْ، كَالنُّزُلِ الَّذِي يُعَدُّ لِلْأَضْيَافِ تَكْرِمَةً لَهُمْ، وَفِيهِ تَهَكُّمٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ»
أَلِيمٍ) وَكَقَوْلِ أَبِي السَّعْدِ الضَّبِّيِّ:
وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ بِالْجَيْشِ ضَافَنَا ... جَعَلْنَا الْقَنَا وَالْمُرْهَفَاتِ لَهُ نُزُلَا
وَقَرَأَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وَعَبَّاسٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو (هَذَا نُزُلُهُمْ) بِإِسْكَانِ الزَّايِ، وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ (آلِ عِمْرَانَ) [راجع ج ٤ ص ٣٢١] الْقَوْلُ فِيهِ.
(يَوْمَ الدِّينِ) يَوْمَ الْجَزَاءِ، يَعْنِي في جهنم
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ: "شُرْبَ" بِضَمِّ الشِّينِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ، فَالْفَتْحُ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَالضَّمُّ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ كَالضَّعْفِ وَالضُّعْفِ وَ"الْهِيمُ" الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، قَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: الْهُيَامُ: دَاءٌ يُصِيبُ الْإِبِلَ لَا تُرْوَى مَعَهُ، وَلَا تَزَالُ تَشْرَبُ حَتَّى تَهْلَكَ. يُقَالُ: جَمَلٌ أَهْيَمُ، وَنَاقَةٌ هَيْمَاءُ، وَالْإِبِلُ هِيمٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ: "الْهِيمُ" الْأَرْضُ السَّهْلَةُ ذَاتُ الرَّمْلِ.
﴿هَذَا نُزُلُهُمْ﴾ يَعْنِي مَا ذُكِرَ مِنَ الزَّقُّومِ وَالْحَمِيمِ، أَيْ رِزْقُهُمْ وَغِذَاؤُهُمْ وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ، ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يَوْمَ يُجَازَوْنَ بِأَعْمَالِهِمْ ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ فِي الْبَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: خَلَقْنَاكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا وَأَنْتُمْ تعلمون ذلك ١٥١/ب ﴿فَلَوْلَا﴾ فَهَلَّا ﴿تُصَدِّقُونَ﴾ بِالْبَعْثِ.
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ تَصُبُّونَ فِي الْأَرْحَامِ مِنَ النُّطَفِ.
﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ يَعْنِي أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ مَا تُمْنُونَ بَشَرًا ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَالْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ ﴿بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْهَرَمَ وَمِنْكُمْ مَنْ يَمُوتُ صَبِيًّا وَشَابًّا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَقْدِيرُهُ: إِنَّهُ جَعَلَ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ فِيهِ سَوَاءً، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى "قَدَّرْنَا": قَضَيْنَا.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ بِمَغْلُوبِينَ عَاجِزِينَ عَنْ إِهْلَاكِكُمْ وَإِبْدَالِكُمْ بِأَمْثَالِكُمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
و ( مِن ) فى قوله : ( مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ) ابتدائية ، وفى قوله : ( مِّن زَقُّومٍ ) بيانية .وشجر الزقوم : لا وجود له فى الدنيا ، وإنما يخلقه الله - تعالى - فى النار كما يخلق غيره من أصناف العذاب ، كالحيات والعقارب .وقيل : هو شجر سام ، متى مسه جسد إنسان ، تورم هذا الإنسان ومات ويوجد هذا الشجر فى الأراضى المجدبة المجاورة للصحراء .والزقوم من التزقم ، وهو ابتلاع الشىء الكريه ، بمشقة شديدة .والمعنى : ثم قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التقريع والتبكيت : إنكم أيها الضالون عن الحق . المكذبون بالبعث والجزاء ، لآكلون يوم القيامة من شجر ، هو شجر الزقوم ، الذى هو أخبث الشجر وأبشعه .