وأيُّ شيء يمنعكم - أيها المسلمون - من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وقد بيَّن الله سبحانه لكم جميع ما حَرَّم عليكم؟ لكن ما دعت إليه الضرورة بسبب المجاعة، مما هو محرم عليكم كالميتة، فإنه مباح لكم. وإن كثيرًا من الضالين ليُضلون عن سبيل الله أشياعَهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال بأهوائهم؛ جهلًا منهم. إن ربك -أيها الرسول- هو أعلم بمن تجاوز حده في ذلك، وهو الذي يتولى حسابه وجزاءه.
وأنه، أي شيء يمنعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل الله لعباده ما حرم عليهم، وبينه، ووضحه؟ فلم يبق فيه إشكال ولا شبهة، توجب أن يمتنع من أكل بعض الحلال، خوفا من الوقوع في الحرام، ودلت الآية الكريمة، على أن الأصل في الأشياء والأطعمة الإباحة، وأنه إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها، فإنه باق على الإباحة، فما سكت الله عنه فهو حلال، لأن الحرام قد فصله الله، فما لم يفصله الله فليس بحرام. ومع ذلك، فالحرام الذي قد فصله الله وأوضحه، قد أباحه عند الضرورة والمخمصة، كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثم حذر عن كثير من الناس، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾
ثم أنكر - سبحانه - عليهم ترددهم فى أكل ما أحله الله من طعام لأنهم لم يتعودوه قبل ذلك فقال : ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ﴾ .أى : أى مانع يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ، وأى فائدة تعود عليكم من ذلك؟ فالاستفهام لإنكار أن يكون هناك شىء يدعوهم إلى اجتناب الأكل من الذبائح التى ذكر اسم الله عليها سواء أكانت تلك الذبائح من البحائر أو السوائب أو غيرها مما حرمه المشركون على أنفسهم بدون علم .وقوله ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ جملة حالية مؤكدة للإنكار السابق أى والحال أن الله - تعالى - قد فصل لكم على لسان رسلوكم ﷺ ما حرمه عليكم من المطعومات ، وبين لكم ذلك فى كتابه كما فى قوله - تعالى - ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
يفسّر المؤلف الآيات من 118 إلى 119 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 118.
نسخمشاركةأضف إلى مجلد
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل العلم بكلام العرب في تأويل قوله: ﴿وما لكم أن لا تأكلوا﴾ . فقال بعض نحويي البصريين: معنى ذلك: وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا. قال: وذلك نظير قوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ﴾ ، [سورة البقرة: ٢٤٦] . يقول: أيّ شيء لنا في ترك القتال؟ قال: ولو كانت"لا"، زائدة لا يقع الفعل. ولو كانت في معنى:"وما لنا وكذا"، لكانت: وما لنا وأن لا نقاتل. * * وقال غيره: إنما دخلت"لا" للمنع، لأن تأويل"ما لك"، و"ما منعك" واحد."ما منعك لا تفعل ذلك"، و"ما لك لا تفعل"، واحد. فلذلك دخلت"لا". قال: وهذا الموضع تكون فيه"لا"، وتكون فيه"أنْ"، مثل
نسخمشاركةأضف إلى مجلد
يفسّر المؤلف الآيات من 118 إلى 119 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 118.