مقارنة التفاسير
الأعراف · الآية 162
ٱلَّذِينَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِمۡ مِّنَ بِمَا ﴿١٦٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الأعراف · الآية 162
ٱلَّذِينَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِمۡ مِّنَ بِمَا ﴿١٦٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
فغيَّر الذين كفروا بالله منهم ما أمرهم الله به من القول، ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعرة، فأرسلنا عليهم عذابًا من السماء، أهلكناهم به؛ بسبب ظلمهم وعصيانهم.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي: عصوا اللّه واستهانوا بأمره قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فقالوا بدل طلب المغفرة، وقولهم: حِطَّة (حبة في شعيرة)، وإذا بدلوا القول - مع يسره وسهولته - فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا دخلوا وهم يزحفون على أستاههم. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ حين خالفوا أمر اللّه وعصوه رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ أي: عذابا شديدا، إما الطاعون وإما غيره من العقوبات السماوية. وما ظلمهم اللّه بعقابه وإنما كان ذلك بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ أي: يخرجون من طاعة الله إلى معصيته، من غير ضرورة ألجأتهم ولا داع دعاهم سوى الخبث والشر الذي كان كامنا في نفوسهم.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 160 إلى 162 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 160.
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا كُلِّهِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ"، وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، وَهَذَا السِّيَاقُ مَكِّيٌّ، وَنَبَّهْنَا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا السِّيَاقِ وَذَاكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ [سورة البقرة الآية: ٦٠.]
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 162 إلى 163 معاً في نص واحد.
القول في تأويل قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فغيَّر الذين كفروا بالله منهم ما أمرهم الله به من القول، فقالوا= وقد قيل لهم: قولوا: هذه حطة=: "حنطة في شعيرة". وقولهم ذلك كذلك، هو غير القول الذي قيل لهم قولوه. يقول الله تعالى: "فأرسلنا عليهم رجزًا من السماءِ"، بَعثنا عليهم عذابًا، أهلكناهم بما كانوا يغيِّرون ما يؤمرون به، فيفعلون خلاف ما أمرهم الله بفعله، ويقولون غير الذي أمرهم الله بفعله. [(١) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف ٢: ١١٢ - ١١٩.]
* *
وقد بينا معنى الرجز فيما مضى. [(٢) انظر تفسير ((الرجز)) فيما سلف ٢: ١١٧، ١١٨ / ١٢: ٥٢١ / ١٣: ٧٢.]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود، وهم مجاوروك، عن أمر "القرية التي كانت حاضرة البحر"، يقول: كانت بحضرة البحر، أي بقرب البحر وعلى شاطئه.
* *
واختلف أهل التأويل فيها.
فقال بعضهم: هي "أيلة".
ذكر من قال ذلك:
١٥٢٥٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: هي قرية يقال لها "أيلة"، بين مَدْين والطور.
١٥٢٥٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير في قوله: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" قال: سمعنا أنها أيلة.
١٥٢٥٤- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال، حدثنا ابن جريج، عن عكرمة قال: دخلتُ على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك، جعلني الله فداك؟ فقال: ويلك، وتعرِف القرية التي كانت حاضرة البحر؟ فقلت: تلك أيلة! [(١) الأثر: ١٥٢٥٤ - ((سلام بن سالم الخزاعى)) ، شيخ الطبري، مضى برقم: ٢٥٢، ٦٥٢٩. و ((يحيى بن سليم الطائفي)) ، مضى برقم: ٤٨٩٤، ٧٨٣١. وانظر هذا الخبر وتمامه فيما سيأتي رقم ١٥٢٧١.]
١٥٢٥٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: هي أيلة.
١٥٢٥٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: هي قرية على شاطئ البحر، بين مصر والمدينة، يقال لها: "أيلة".
١٥٢٥٧- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هم أهل أيلة، القرية التي كانت حاضرة البحر.
١٥٢٥٨- حدثني الحارث قال، حدثنا أبو سعد، عن مجاهد في قوله: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: أيلة.
* *
وقال آخرون: معناه: ساحلُ مدين.
١٥٢٥٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" الآية، ذكر لنا أنها كانت قرية على ساحل البحر، يقال لها أيلة.
* *
وقال آخرون: هي مَقْنا.
ذكر من قال ذلك:
١٥٢٦٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: هي قرية يقال لها "مقنا"، بين مدين وعَيْنُوني. [(١) ((عينونى)) ، وتكتب أيضاً (عينونا)) ، و ((عينون)) ، ذكرها ياقوت في معجمه في الباب، وذكرها البكرى في معجم ما استعجم في ((حبرى)) ، ولم يفرد لها باباً. قال ياقوت: ((من قرى باب المقدس. وقيل: قرية من وراء البثنية من دون القلزم، في طرف الشام، ذكرها كثير: إِذْ هُنَّ فِي غَلَسِ الظَّلامِ قوارِبٌ ... أَعْدَادَ عَيْنٍ من عُيُونِ أُثَالِ يَجْتَزْنَ أَوْدِيَةَ البُضَيْعِ جَوَازِعًا ... أجْوَازَ عَيْنُونَا، فَنَعْفَ قِبَالِ وقال يعقوب: سمعت من يقول: عين أنا ... وقال البكرى: هي قرية يطؤها طريق المصريين إذا حجوا. وأنا، واد)) . وفي الخبر (ابن سعد ١/٢/٢١، ٢٢) : ((أن رسول الله ﷺ، كتب لنعيم ابن أوس، أخي تميم الدارى، أن له ((حيرى)) ، و ((عينون)) بالشام، قريتها كلها، سهلها وجبلها وماءها وأنباطها وبقرها، ولعقبة من بعده، لا يحاقه فيها أحد، ولا يلجه عليهم بظلم، ومن ظلمهم وأخذ منهم شيئاً فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وكتب على)) . قال البكرى في معجم ما استعجم (٤٢٠) : ((وكان سليمان بن عبد الملك إذا مر بها لم يعرج ويقول: أخاف أن تمسنى دعوة رسول الله ﷺ)) .]
* *
وقال آخرون: هي مدين.
ذكر من قال ذلك:
١٥٢٦١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هي قرية بين أيلة والطور، يقال لها "مَدْين".
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: هي قرية حاضرة البحر= وجائز أن تكون أيلة= وجائز أن تكون مدين= وجائز أن تكون مقنا= لأن كل ذلك حاضرة البحر، ولا خبر عن رسول الله ﷺ يقطع العذر بأيِّ ذلك من أيٍّ، [(١) في المطبوعة: ((بأن ذلك من أي)) ، ظن أنه يصحح ما في المخطوطة، فخلط خلطاً لا مخرج منه. وهذا تعبير مضى مرارًا، وأشرت إليه ١: ٥٢٠ س: ١٦ / ٢: ٥١٧ س: ١٥ / ٣: ٦٤ س: ٧ / ٦: ٢٩١ س: ٦ / ٨: ٨٥، ٨٦ تعليق: ١، فراجعه هناك ٍ، فقد غيره الناشر في كل هذه المواضع.] والاختلاف فيه على ما وصفت. ولا يوصل إلى علم ما قد كان فمضى مما لم نعاينه، إلا بخبر يوجب العلم. ولا خبر كذلك في ذلك.
* *
وقوله: "إذ يعدون في السبت"، يعني به أهله، إذ يعتدون في السبت أمرَ الله، ويتجاوزونه إلى ما حرمه الله عليهم.
* *
يقال منه: "عدا فلان أمري" و"اعتدى"، إذا تجاوزه. [(٢) انظر تفسير: ((عدا)) و ((اعتدى)) فيما سلف ١٢: ٣٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]
* *
وكان اعتداؤهم في السبت: أن الله كان حرَّم عليهم السبت، فكانوا يصطادون فيه السمك. [(١) انظر معنى ((السبت)) واعتداؤهم فيه فيما سلف ٢: ١٦٦ - ١٨٢ / ٩: ٣٦١، ٣٦٢.]
* *
= "إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا"، يقول: إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهوا فيه العمل= "شرَّعًا"، يقول: شارعة ظاهرةً على الماء من كل طريق وناحية، كشوارع الطرق، كالذي: -
١٥٢٦٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: "إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا"، يقول: ظاهرة على الماء. [(٢) الأثر: ١٥٢٦٢ - ((عثمان بن سعيد الزيات الأحول)) ، لا بأس به، مضى برقم: ١٣٧. وكان في المطبوعة والمخطوطة: ((عثمان بن سعد)) ، وهو خطأ محض. و ((بشر بن عمارة الخثعمي)) ، ضعيف، مضى أيضاً برقم: ١٣٧. وهذا الخبر جزء من خبر طويل مضى قديماً برقم: ١١٣٨ (٢: ١٦٨) .]
١٥٢٦٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "شرعًا"، يقول: من كلّ مكان.
* *
وقوله: "ويوم لا يسبتون"، يقول: ويوم لا يعظمونه تعظيمهم السَّبت، وذلك سائر الأيام غير يوم السبت= "لا تأتيهم"، الحيتان= "كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون"، يقول: كما وصفنا لكم من الاختبار والابتلاء الذي ذكرنا، بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في اليوم المحلل صيده [(٣) في المطبوعة والمخطوطة: ((وإخفائها)) ، والسياق يقتضى ما أثبت.] = "كذلك نبلوهم"، ونختبرهم [(٤) انظر تفسير ((الابتلاء)) فيما سلف من فهارس اللغة (بلا) .] = "بما كانوا يفسقون"، يقول: بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها. [(١) انظر تفسير ((الفسق) فيما سلف من فهارس اللغة (فسق) .]
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: "ويوم لا يسبتون".
فقرئ بفتح "الياء" من ﴿يَسْبِتُونَ﴾ =من قول القائل: "سبت فلان يسبت سَبْتًا وسُبُوتًا"، إذا عظَّم "السبت".
* *
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: ﴿وَيَوْمَ لا يُسْبَتُونَ﴾ بضم الياء. =من "أسبت القوم يسبتون"، إذا دخلوا في "السبت"، كما يقال: "أجمعنا"، مرّت بنا جمعة، و"أشهرنا" مرّ بنا شهر، و"أسبتنا"، مرّ بنا سبت.
* *
ونصب "يوم" من قوله: "ويوم لا يسبتون"، بقوله: "لا تأتيهم"، لأن معنى الكلام: لا تأتيهم يوم لا يسبتون.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 160 إلى 162 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 160.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً﴾ ١٦٠ عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَعَلَهُمْ أَسْبَاطًا لِيَكُونَ أَمْرُ كُلِّ سِبْطٍ مَعْرُوفًا مِنْ جِهَةِ رَئِيسِهِمْ، فَيَخِفُّ الْأَمْرُ عَلَى مُوسَى. وَفِي التَّنْزِيلِ "وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً" وَقَدْ تَقَدَّمَ [راجع ج ٦ ص ١١٢.] . وَقَوْلُهُ: "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ" وَالسِّبْطُ مُذَكَّرٌ لِأَنَّ بَعْدَهُ "أُمَماً ١٦٠"" فَذَهَبَ التَّأْنِيثُ إِلَى الْأُمَمِ. وَلَوْ قَالَ: اثْنَيْ عَشَرَ لِتَذْكِيرِ السِّبْطِ جَازَ، عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْأَسْبَاطِ الْقَبَائِلَ وَالْفِرَقَ، فَلِذَلِكَ أَنَّثَ الْعَدَدَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنَّ قُرَيْشًا كُلَّهَا عَشْرُ أَبْطُنٍ ... وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِهَا الْعَشْرِ
فَذَهَبَ بِالْبَطْنِ إِلَى الْقَبِيلَةِ وَالْفَصِيلَةِ، فَلِذَلِكَ أَنَّثَهَا. وَالْبَطْنُ مُذَكَّرٌ، كَمَا أَنَّ الْأَسْبَاطَ جَمْعُ مُذَكَّرٍ. الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى قَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً. "أَسْباطاً ١٦٠" بَدَلٌ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ "أُمَماً ١٦٠" نَعْتٌ لِلْأَسْبَاطِ. وَرَوَى الْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ "وَقَطَّعْناهُمُ ١٦٠" مُخَفَّفًا. "أَسْباطاً ١٦٠" الْأَسْبَاطُ فِي وَلَدِ إِسْحَاقَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبَائِلِ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَالْأَسْبَاطُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّبَطِ وَهُوَ شَجَرٌ تَعْلِفُهُ الْإِبِلُ. وقد مضى في البقرة [راجع ج ٢ ص ١٤٠.] مستوفى. وروى معمر عن همام بن منبه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ" قَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ. وَقِيلَ لَهُمْ: "ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً" فَدَخَلُوا مُتَوَرِّكِينَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ. بِما كانُوا يَظْلِمُونَ مَرْفُوعٌ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ. وَ "مَا" بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، أَيْ بِظُلْمِهِمْ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ [راجع ج ١ ص ٤٠٩.] . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 160 إلى 162 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 160.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ أَيْ: فَرَّقْنَاهُمْ، يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾
قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّمَا قَالَ: "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ"، وَالسِّبْطُ مُذَكَّرٌ لِأَنَّهُ قَالَ: "أُمَمًا" فَرَجَعَ التَّأْنِيثُ إِلَى الْأُمَمِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَمًا، وَإِنَّمَا قَالَ: "أَسْبَاطًا أُمَمًا"، بِالْجَمْعِ وَمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ لَا يُفَسَّرُ بِالْجَمْعِ، فَلَا يُقَالُ: أَتَانِي اثْنَا عَشَرَ رِجَالًا لِأَنَّ الْأَسْبَاطَ فِي الْحَقِيقَةِ نَعْتُ الْمُفَسِّرِ الْمَحْذُوفِ وَهُوَ الْفِرْقَةُ، أَيْ: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً أُمَمًا.
وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وَقَطَّعْنَاهُمْ أَسْبَاطًا أُمَمًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَالْأَسْبَاطُ الْقَبَائِلُ وَاحِدُهَا سِبْطٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ فِي التِّيهِ، ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ انْفَجَرَتْ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: عَرِقَتْ وَهُوَ الِانْبِجَاسُ، ثُمَّ انْفَجَرَتْ، ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ كُلُّ سِبْطٍ، ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ وَكُلُّ سِبْطٍ بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ فِي التِّيهِ تَقِيهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ، ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عامر ويعقوب: "نغفر" بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الْفَاءِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِ الْفَاءِ، ﴿خَطِيئَاتِكُمْ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "خَطِيئَتَكُمْ" عَلَى التَّوْحِيدِ وَرَفْعِ التَّاءِ، [وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: "خَطَايَاكُمْ"، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ: "خَطِيئَاتِكُمْ" بِالْجَمْعِ وَرَفْعِ التَّاءِ] [ما بين القوسين ساقط من "ب".] . وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَمْعِ وَكَسْرِ التَّاءِ ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ عَذَابًا ﴿مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
لقد حكى القرآن ما كان منهم من جحود وبطر فقال : ( فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ ) .قال صاحب الكشاف : " أى وضعوا مكان حطة قولا غيرها ، يعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ، ولم يمتثلوا أمر الله ، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاءوا بلفظ آخر ، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به لم يؤخذوا به ، كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك ، أو اللهم اعف هنا وما أشبه ذلك " .وقال الإمام ابن كثير : " وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل . فقد أمروا أن يدخلوا الباب سجدا فدخلوا يزحفون على أستاهم رافعى رؤوسهم . وأمروا أن يقولوا حطة - أى احطط عنا ذنوبنا - فاستهزأوا وقالوا حنطة فى شعيرة . وهذا فى غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وخروجهم عن طاعته .وأخرج البخارى عن أبى هريرة عن النبى ﷺ أنه قال : " قيل لبنى إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على أستاهم وقالوا . حبة فى شعيرة " .والعبرة التى تؤخذ من هذه الجملة الكريمة أن من أمره الله - تعالى - بقول أو فعل فتركه وأتى بآخر لم يأذن به الله دخل فى زمرة الظالمين ، وعرض نفسه لسوء المصير .وقوله - تعالى - ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ) تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم وتمردهم وجحودهم لنعم الله .والرجز : هو العذاب ، سواء أكان بالأمراض المختلفة أو بغيرها .وفى النص على أن الرجز قد أتاهم من السماء إشعار بأنه عذاب لا يمكن دفعه ، وأنه لم يكن له سبب أرضى من عدوى أو نحوها ، بل رمتهم به الملائكة من جهة السماء فأصيب به الذين ظلموا دون غيرهم .هذا وقد وردت فى سورة البقرة آيتان تشبهان فى ألفاظهما هاتين الآيتين اللتين معنا هنا فى سورة الأعراف ، أما آيتا سورة البقرة فهما قوله - تعالى - :( وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المحسنين فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السمآء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) وقد عقد الإمام الرازى مقارنة بين أسلوب الآيتين فى كل من السورتين فقال ما ملخصه : إن ألفاظ الآيتين فى سورة الأعراف تخالف ألفاظ آيتى سورة البقرة من وجوه :الأول : أنه قال - سبحانه - فى سورة البقرة : ( وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية ) وهنا قال : وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية .الثانى : أنه قال فى سورة البقرة : ( فَكُلُواْ ) بالفاء ، وقال هنا ( وَكُلُواْ ) بالواو .الثالث : أنه قال فى سورة البقرة : ( رَغَداً ) وهذه الكلمة غير مذكورة هنا .الرابع : أنه قال فى سورة البقرة : ( نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) وقال ها هنا ( نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيائاتكم ) .السادس : أنه قال فى سورة البقرة : ( وَسَنَزِيدُ المحسنين ) وها هنا حذف حرف الواو .السابع : أنه قال فى سورة البقرة : ( فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ ) وقال ها هنا ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ ) .الثامن : أنه قال فى سورة البقرة : ( بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) وقال ها هنا ( بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ) .واعلم أن هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها البتة ، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة من وجوه .الأول : وهو أنه قال فى سورة البقرة ( ادخلوا هذه القرية ) وقال ها هنا اسكنوا ، فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولا ثم سكناها ثانيا .الثانى : أنه هناك قال ( فَكُلُواْ ) بالفاء وهنا بالواو . والفرق أن الدخول حالة مخصوصة ، فإنه إنما يكون داخلا فى أول دخوله ، وأما ما بعد ذلك فيكون سكونا لا دخولا ، إذا ثبت هذا فنقول : الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار فلا جرم أن يحسن ذكر فاء التعقيب بعده ، فلهذا قال : ( ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ ) وأما السكون فحالة مستمرة باقية فيكون الأكل حاصلا معه لا عقيبه ، فظهر الفرق .وأما الثالث : وأنه ذكر هناك ( رَغَداً ) ولم يذكره هنا ، فالفرق أن الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل وأتم ، ولما كان الأمر كذلك ذكر كلمة " رغدا " وأما الأكل حال سكون القرية فالظاهر أنه لا يكون فى محل الحاجة الشديدة ولم تكن اللذة فيه متكاملة . فلا جرم ترك قوله ( رغدا ) فيه .وأما الرابع : وقو قوله هناك ( وادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ ) وهنا على العكس ، فالمراد التنبيه على أنه لا منافاة فى ذلك ، لأن المقصود هو تعظيم أمر الله وإظهار الخضوع والخشوع له ، فلم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير .وأما الخامس : وهو أنه قال هناك ( خَطَايَاكُمْ ) وقال هنا ( خطيائاتكم ) فهو إشارة إلى أن ، هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة فهى مغفورة عند الإتيان بهذا التضرع والدعاء .وأما السادس : وهو قوله هناك ( وَسَنَزِيدُ المحسنين ) بالواو ، وقال هنا ( سَنَزِيدُ ) بحذفها ، فالفائدة فى حذف الواو أنه تعالى وعد بشيئين : بالغفران وبالزيادة للمحسنين من الثواب وإسقاط الواو لا يخل بذلك لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل ماذا بعد الغفران فقيل : إنه سيزيد المحسنين .وأما السابع : وهو الفرق بين أنزلنا وبين أرسلنا ، فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة والإرسال يشعر بها . فكأنه - سبحانه - بدأ بإنزال العذاب القليل ثم جعله كثيراً .وأما الثامن : فهو الفرق بين قوله هناك ( يَفْسُقُونَ ) وقوله هنا ( يَظْلِمُونَ ) فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين لأجل أنهم ظلموا أنفسهم ، وبكونهم فاسقين لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله . فالفائدة فى ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين منهم .ثم قال : فهذا ما خطر بالبال فى ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة ، وتمام العلم بها عند الله - تعالى - " .وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أن بنى إسرائيل مكنوا من النعمة فنفروا منها ، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها ، فكانت عاقبتهم أن محقت النعم من بين أيديهم ، وسلط الله عليهم عذابا شديدا من عنده بسبب ظلمهم وفسوقهم عن أمره .وفى ذلك إثارة لحسرة اليهود المعاصرين للعهد النبوى على ما ضاع من أسلافهم بسبب انتهاكهم لحرمات الله وتحذير لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصابهم من عذاب أليم .ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن رذيلة أخرى من رذائل بنى إسرائيل الكثيرة ، وهى تحايلهم على استحلال محارم الله بسبب جهلهم وجشعهم وضعف إرادتهم .وذلك أن الله - تعالى - أخذ عليهم عهدا بأن يتفرغوا لعبادته فى يوم السبت ، وحرم عليهم الاصطياد فيه دون سائر الأيام ، واختباراً منه - سبحانه - لإيمانهم ووفائهم بعهودهم أرسل إليهم الحيتان فى يوم السبت دون غيره ، فكانت تتراءى لهم على الساحل فى ذلك اليوم ، قريبة المأخذ ، سهلة الاصطياد .وهنا سال لعاب شهواتهم ومطامعهم وفكروا فى حيلة لاصطياد هذه الحيتان فى يوم السبت فقالوا : لا مانع من أن نحفر إلى جانب ذلك البحر الذى يزخر بالأسماك فى يوم السبت أحواضا تنساب إليها المياه ومعها الأسماك ، ثم نترك هذه الأسماك محبوسة فى الأحواض فى يوم السبت - لأنها لا تستطيع الرجوع إلى البحر لضآلة الماء الذى فى الأحواض . ثم نصطادها بعد ذلك فى غير يوم السبت ، وبذلك نجمع بين احترام ما عهد إلينا فى يوم السبت وبين ما تشتهيه أنفسنا من الحصول على تلك الأسماك .ولقد نصحهم الناصحون بأن عملهم هذا هو احتيال على محارم الله ، وأن حبس الحيتان فى الأحواض هو صيد لها فى المعنى ، وهو فسوق عن أمر الله ونقض لعهوده .ولكنهم لجهلهم واستيلاء المطامع على نفوسهم لم يعبأوا بنصح الناصحين بل نفذوا حيلتهم الشيطانية ، فغضب الله عليهم ومسخهم قردة ، وجعلهم عبرة لمن عاصرهم ولمن أتى بعدهم وموعظة للمتقين .