مقارنة التفاسير
الأعراف · الآية 179
مِّنَ لَّا بِهَا لَّا بِهَا لَّا بِهَآۚ بَلۡ هُمۡ هُمُ ﴿١٧٩﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الأعراف · الآية 179
مِّنَ لَّا بِهَا لَّا بِهَا لَّا بِهَآۚ بَلۡ هُمۡ هُمُ ﴿١٧٩﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ولقد خلقنا للنار -التي يعذِّب الله فيها مَن يستحق العذاب في الآخرة- كثيرًا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يعقلون بها، فلا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا، ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، ولهم آذان لا يسمعون بها آيات كتاب الله فيتفكروا فيها، هؤلاء كالبهائم التي لا تَفْقَهُ ما يقال لها، ولا تفهم ما تبصره، ولا تعقل بقلوبها الخير والشر فتميز بينهما، بل هم أضل منها؛ لأن البهائم تبصر منافعها ومضارها وتتبع راعيها، وهم بخلاف ذلك، أولئك هم الغافلون عن الإيمان بالله وطاعته.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يقول تعالى مبينا كثرة الغاوين الضالين، المتبعين إبليس اللعين: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا أي: أنشأنا وبثثنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ صارت البهائم أحسن حالة منهم. لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا أي: لا يصل إليها فقه ولا علم، إلا مجرد قيام الحجة. وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا ما ينفعهم، بل فقدوا منفعتها وفائدتها. وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا سماعا يصل معناه إلى قلوبهم. أُولَئِكَ الذين بهذه الأوصاف القبيحة كَالأنْعَامِ أي: البهائم، التي فقدت العقول، وهؤلاء آثروا ما يفنى على ما يبقى، فسلبوا خاصية العقل. بَلْ هُمْ أَضَلُّ من البهائم، فإن الأنعام مستعملة فيما خلقت له، ولها أذهان، تدرك بها، مضرتها من منفعتها، فلذلك كانت أحسن حالا منهم. أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ الذين غفلوا عن أنفع الأشياء، غفلوا عن الإيمان باللّه وطاعته وذكره. خلقت لهم الأفئدة والأسماع والأبصار، لتكون عونا لهم على القيام بأوامر اللّه وحقوقه، فاستعانوا بها على ضد هذا المقصود. فهؤلاء حقيقون بأن يكونوا ممن ذرأ اللّه لجهنم وخلقهم لها، فخلقهم للنار، وبأعمال أهلها يعملون. وأما من استعمل هذه الجوارح في عبادة اللّه، وانصبغ قلبه بالإيمان باللّه ومحبته، ولم يغفل عن اللّه، فهؤلاء، أهل الجنة، وبأعمال أهل الجنة يعملون.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ أَيْ: خَلَقْنَا وَجَعَلْنَا ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ﴾ أَيْ: هَيَّأْنَاهُمْ لَهَا، وَبِعَمَلِ أَهْلِهَا يَعْمَلُونَ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلَائِقَ، عَلِمَ مَا هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ كَوْنِهِمْ، فَكَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي كِتَابٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، كَمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ" [صحيح مسلم برقم (٢٦٥٣) .]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ خَالَتِهَا عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جِنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طُوبَى لَهُ، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ. فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] [زيادة من د.] أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ؟ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ النَّارَ، وَخَلَقَ لَهَا [في د، ك، م: "للنار".] أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ" [صحيح مسلم برقم (٢٦٦٢) .]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [زيادة من أ.] ثُمَّ يَبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلِكَ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ [في ك، م، أ: "أو".] سَعِيدٌ".
وَتَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [زيادة من أ.] لَمَّا اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ وَجَعْلَهُمْ فَرِيقَيْنِ: أَصْحَابُ الْيَمِينِ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ، قَالَ: "هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي".
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَمَسْأَلَةُ الْقَدَرِ كَبِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ يَعْنِي: لَيْسَ يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْجَوَارِحِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ [سَبَبًا لِلْهِدَايَةِ] [زيادة من د، ك، م، أ.] كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ]﴾ [زيادة من أ. وفي هـ: "الآية".] [الْأَحْقَافِ:٢٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ:١٨] هَذَا فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ، وَقَالَ فِي حَقِّ الْكَافِرِينَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ:١٧١] وَلَمْ يَكُونُوا صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا إِلَّا عَنِ الْهُدَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] ، وَقَالَ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الْحَجِّ:٤٦] ، وَقَالَ ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ:٣٦، ٣٧] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَسْمَعُونَ الْحَقَّ وَلَا يَعُونَهُ وَلَا يُبْصِرُونَ الْهُدَى، كَالْأَنْعَامِ السَّارِحَةِ الَّتِي لَا تَنْتَفِعُ [في ك، م: "لا ينتفع".] بِهَذِهِ الْحَوَاسِّ مِنْهَا إِلَّا فِي الَّذِي يَعِيشُهَا مِنْ ظَاهِرِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ]﴾ [زيادة من أ.] [الْبَقَرَةِ:١٧١] أَيْ: وَمَثَلُهُمْ -فِي حَالِ دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ -كَمَثَلِ الْأَنْعَامِ إِذَا دَعَاهَا رَاعِيهَا لَا تَسْمَعُ إِلَّا صَوْتَهُ، وَلَا تَفْقَهُ [في أ: "لا تفهم".] مَا يَقُولُ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي هَؤُلَاءِ: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أَيْ: مِنَ الدَّوَابِّ؛ لِأَنَّ الدَّوَابَّ قَدْ تَسْتَجِيبُ مَعَ ذَلِكَ لِرَاعِيهَا إِذَا أَبَسَّ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَفْقَهْ كَلَامَهُ، بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ؛ وَلِأَنَّ الدَّوَابَّ تَفْقَهُ [في أ: "تفعل".] مَا خُلِقَتْ لَهُ إِمَّا بِطَبْعِهَا وَإِمَّا بِتَسْخِيرِهَا، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا خُلِقَ لِيَعْبُدَ اللَّهَ وَيُوَحِّدَهُ، فَكَفَرَ بِاللَّهِ وَأَشْرَكَ بِهِ؛ وَلِهَذَا مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ مِنَ الْبَشَرِ كَانَ أَشْرَفَ مَنْ مِثْلِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي مَعَادِهِ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ [في أ: "بالله".] مِنَ الْبَشَرِ، كَانَتِ الدَّوَابُّ أَتَمَّ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا لجهنّم كثيرًا من الجن والإنس.
* *
يقال منه: ذرأ الله خلقه يذرؤهم ذَرْءًا. [انظر تفسير ((ذرأ)) فيما سلف ١٢: ١٣٠، ١٣١، وهناك زيادة في مصادره.]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤٤٣ - حدثني علي بن الحسين الأزدي قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، في قوله: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس﴾ قال: مما خلقنا. [(١) الأثر: ١٥٤٤٣ - ((على بن الحسن الأزدي)) ، وفي المطبوعة والمخطوطة: ((على بن الحسين)) ، وتبعت ما مضى برقم ١٠٢٥٨، لموافقته لما في تاريخ الطبري. وقد ذكرت هناك أنى لم أجد له ترجمة، وبينت مواضع روايته عنه في التاريخ. ووقع هناك خطأ، فإن الذي في الإسناد ((على بن الحسن)) ، وكتبت أنا في الهامش والتعليق: ((على بن الحسين)) ، وكذلك فعلت في الفهارس، فليصحح ذلك. ووقع خطأ آخر في الفهارس، كتبت رقم: (١٠٢٨٥) ، وصوابه (١٠٢٥٨) .]
١٥٤٤٤ -.... حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن مبارك، عن الحسن، في قوله: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم﴾ قال: خلقنا.
١٥٤٤٥ -.... قال: حدثنا زكريا، عن عتاب بن بشير، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير قال: أولاد الزنا ممّا ذرأ الله لجهنم.
١٥٤٤٦ - قال: حدثنا زكريا بن عدي، وعثمان الأحول، عن مروان بن معاوية، عن الحسن بن عمرو، عن معاوية بن إسحاق، عن جليس له بالطائف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "إن الله لما ذرأ لجهنم ما ذرأ، كان ولدُ الزنا ممن ذرأ لجهنم". [الأثر: ١٥٤٤٦ - ((زكريا بن عدى بن زريق التيمى)) ، شيخ أبي كريب، وهو راوى الخبر، ثقة جليل، مضى برقم: ١٥٦٦. ((عثمان الأحول)) ، شيخ أبي كريب، هو ((عثمان بن سعيد القرشي)) ، الزيات الأحول الطيب الصائغ. مضى برقم: ١٣٧، ١١٥٤٧. و ((مروان بن معاوية الفزارى)) ، الحافظ الثقة، مضى برقم: ١٢٢٢، ٣٣٢٢، ٣٨٤٢، ٧٦٨٥. و ((الحسن بن عمرو الفقيمى التميمى)) ، ثقة أخرج له البخاري في صحيحه، مضى برقم: ٣٧٦٥. و ((معاوية بن إسحق بن طلحة التيمى)) ، تابعى ثقة، مضى برقم: ٣٢٢٦. وهذا إسناد ضعيف، لجهالة من روى عنه ((معاوية بن إسحق)) ، وهو ((جليس له بالطائف)) . وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٤٧، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ وابن مردويه.]
١٥٤٤٧ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم﴾ ، يقول: خلقنا.
١٥٤٤٨ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم﴾ قال: لقد خلقنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس.
١٥٤٤٩ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم﴾ ، خلقنا.
* *
قال أبو جعفر: وقال جل ثناؤه: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس﴾ ، لنفاذ علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربِّهم.
* *
وأما قوله: ﴿لهم قلوبٌ لا يفقهون بها﴾ ، فإن معناه: لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه قلوب لا يتفكرون بها في آيات الله، ولا يتدبرون بها أدلته على وحدانيته، ولا يعتبرون بها حُجَجه لرسله، [انظر تفسير ((الفقه)) فيما سلف ١١: ٥٧٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.] فيعلموا توحيد ربِّهم، ويعرفوا حقيقة نبوّة أنبيائهم. فوصفهم ربُّنا جل ثناؤه بأنهم: "لا يفقهون بها"، لإعراضهم عن الحق وتركهم تدبُّر صحة [نبوّة] الرسل، [في المطبوعة والمخطوطة: ((صحة الرشد)) ، ولا معنى لها، واستظهرت الصواب من سياق تفسيره، وزدت] نبوة [بين القوسين، لتطلب الكلام لها.]] وبُطُول الكفر. وكذلك قوله: ﴿ولهم أعين لا يبصرون بها﴾ ، معناه: ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، فيتأملوها ويتفكروا فيها، فيعلموا بها صحة ما تدعوهم إليه رسلهم، وفسادِ ما هم عليه مقيمون، من الشرك بالله، وتكذيب رسله؛ فوصفهم الله بتركهم إعمالها في الحقّ، بأنهم لا يبصرون بها. [[في المطبوعة: ((بأنهم لا يبصرون)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] وكذلك قوله: ﴿ولهم آذان لا يسمعون بها﴾ ، آيات كتاب الله، فيعتبروها ويتفكروا فيها، ولكنهم يعرضون عنها، ويقولون: (لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) ، [سورة فصلت: ٢٦] . وذلك نظير وصف الله إياهم في موضع آخر بقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ، [سورة البقرة: ١٧١] .والعرب تقول ذلك للتارك استعمالَ بعض جوارحه فيما يصلح له، ومنه قول مسكين الدارمي: أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ [[أمالي المرتضى ١: ٤٣: ٤٤ ثم ٤٧٤، من قصيدة رواها وشرحها، وخزانة الأدب ١: ٤٦٨، وصواب رواية البيت الأول: ((جارتى الخدر)) ، لأن قبله: ما ضر جارى إذ أجاوره ... أن لا يكون لبيته ستر ورواية الشطر الثاني: ((سمعى، وما بى غيره وقر)) ، بغير إقواء.]] وَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا ... سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرِ فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم. ومنه قول الآخر: [[هو عبد الله بن مرة العجلي.]] وَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا ... وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ [[حماسة البحترى: ١٧٢، وأنسيت أين قراتها في غير الحماسة. والذي في حماسة البحترى: ((وعوراء الكلام)) ، وكانت في المخطوطة: و ((عوراء اللام)) ، وكأن الصواب ما في الحماسة. و ((العوراء)) ، الكلمة القبيحة، أو التي تهوى جهلا في غير عقل ولا رشد. ومن أجود ما قيل في ذلك، قول حاتم الطائي، أو الأعور الشني:وعَوْرَاءُ جَاءَتْ مِنْ أخٍ فَرَدَدْتُها ... بسَالِمَةِ العَيْنين طَالِبة عُذْرَا ولو أنَّنى إذ قَالها قلتُ مثلَها ... ولم أعْفُ عنها، أوْرَثتْ بيْنَنَا غَمْرَا فأعْرَضْتُ عَنْهُ وانتظرتُ به غَدا ... لعلَّ غدًا يُبْدِي لمنتظرٍ أمْرَا وقلتُ له: عد بالأخوة بينَنا! ... ولم أتَّخِذ ما كان من جَهْلِه قمرَا لأنزع ضبًّا كامنًا في فؤادِه ... وأُقَلِّمُ أظفارًا أطَالَ بها الحفرَا]] وَبَادِرَةٍ وَزَعْتُ النَّفْسَ عَنْهَا ... وَقَدْ تَثِقَتْ مِنَ الْغَضَبِ الضُّلُوعُ [[في المطبوعة: ((ولو بنيت من العصب)) ، وهو كلام فاسد، غير ما في المخطوطة، وكان فيها ((وقد نتقت من العصب)) ، غير منقوطة، فلم يفهمها، فأتى بما لا يعقل. وفي حماسة البحترى: ((إذا تيقت)) ، ووضع كسرة تحت التاء، وفتح القاف. ولا معنى له. و ((البادرة)) ، الخطأ والسقطات التي تسبق من المرء إذا ما غضب واحتد، من فعل أو قول. و (وزع النفس عن الشيء)) ، كفها وحبسها. و ((تئق الرجل)) ، امتلأ غضباً وغيظاً. و ((التأق)) ، شدة الامتلاء حتى لا موضع لمزيد.]] وذلك كثير في كلام العرب وأشعارها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * * ذكر من قال ذلك: ١٥٤٥٠ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ قال: لا يفقهون بها شيئًا من أمر الآخرة = ﴿ولهم أعين لا يبصرون بها﴾ ، الهدى= ﴿ولهم آذان لا يسمعون بها﴾ الحقَّ، ثم جعلهم كالأنعام سواءً، ثم جعلهم شرًّا من الأنعام، [[في المخطوطة: ((ثم جعلهم كالأنعام، ثم جعلهم سواء شراً من الأنعام)) ، فحذف ناشر المطبوعة كلمة ((سواء)) ، ولكنى أثبتها في حاق مكانها.]] فقال: ﴿بل هم أضل﴾ ، ثم أخبر أنهم هم الغافلون. * * القول في تأويل قوله: ﴿أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) ﴾ قال أ [وجعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿أولئك كالأنعام﴾ ، هؤلاء الذين ذرأهم لجهنم، هم كالأنعام، وهي البهائم التي لا تفقه ما يقال لها، [[انظر تفسير ((الأنعام)) فيما سلف ١٢: ١٣٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ولا تفهم ما أبصرته لما يصلح وما لا يَصْلُح، [[في المطبوعة: ((مما يصلح، ومما لا يصلح)) ، أثبت ما في المخطوطة وهو جيد.]] ولا تعقل بقلوبها الخيرَ من الشر، فتميز بينهما. فشبههم الله بها، إذ كانوا لا يتذكَّرون ما يرون بأبصارهم من حُججه، ولا يتفكرون فيما يسمعون من آي كتابه. ثم قال: ﴿بل هم أضل﴾ ، يقول: هؤلاء الكفرة الذين ذَرَأهم لجهنم، أشدُّ ذهابًا عن الحق، وألزم لطريق الباطل من البهائم، [[انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) .]] لأن البهائم لا اختيار لها ولا تمييز، فتختار وتميز، وإنما هي مسَخَّرة، ومع ذلك تهرب من المضارِّ، وتطلب لأنفسها من الغذاء الأصلح. والذين وصفَ الله صفتهم في هذه الآية، مع ما أعطوا من الأفهام والعقول المميِّزة بين المصالح والمضارّ، تترك ما فيه صلاحُ دنياها وآخرتها، وتطلب ما فيه مضارّها، فالبهائم منها أسدُّ، وهي منها أضل، كما وصفها به ربُّنا جل ثناؤه. وقوله: ﴿أولئك هم الغافلون﴾ ، يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم، القومُ الذين غفلوا =يعني: سهوًا [[انظر تفسير ((غفل)) فيما سلف ص: ١١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.] عن آياتي وحُججي، وتركوا تدبُّرها والاعتبارَ بها والاستدلالَ على ما دلّت عليه من توحيد ربّها، لا البهائم التي قد عرّفها ربُّها ما سخَّرها له.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا بِعَدْلِهِ. ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: "لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِها" بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَفْقَهُ، لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَلَا يَعْقِلُونَ ثَوَابًا وَلَا يَخَافُونَ عقابا.
(أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ) بها الهدى.
(وَلَهُمْ آذانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِها) الْمَوَاعِظَ. وَلَيْسَ الْغَرَضُ نَفْيَ الْإِدْرَاكَاتِ عَنْ حَوَاسِّهِمْ جُمْلَةً. كَمَا بَيَّنَاهُ فِي (الْبَقَرَةِ [راجع ج ١ ص ٢١٤.] ).
(أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) لِأَنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى ثَوَابٍ، فَهُمْ كَالْأَنْعَامِ، أَيْ هِمَّتُهُمُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، وَهُمْ أَضَلُّ لِأَنَّ الْأَنْعَامَ تبصر منافعها وَمَضَارَّهَا وَتَتْبَعُ مَالِكَهَا، وَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الْأَنْعَامُ تَعْرِفُ اللَّهَ، وَالْكَافِرُ لَا يَعْرِفُهُ. وَقِيلَ: الْأَنْعَامُ مُطِيعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْكَافِرُ غَيْرُ مُطِيعٍ.
(أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) أَيْ تَرَكُوا التَّدَبُّرَ وأعرضوا عن الجنة والنار.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 179 إلى 180 معاً في نص واحد.
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لِلنَّارِ، وَهُمُ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الْكَلِمَةُ الْأَزَلِيَّةُ بِالشَّقَاوَةِ، وَمَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي الْخَلَاصِ مِنْهَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ الشَّطَوِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: أَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ جِنَازَةَ صَبِيٍّ مِنْ صِبْيَانِ الْأَنْصَارِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: طُوبَى لَهُ عصفور من عاصفير الْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا يُدْرِيكَ؟ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ" [أخرجه مسلم في القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ... برقم (٢٦٦٢) : ٤ / ٢٠٥٠، والمصنف في شرح السنة: ١ / ١٤١.] . وَقِيلَ: اللَّامُ فِي قَوْلِهِ "لِجَهَنَّمَ" لَامُ الْعَاقِبَةِ، أَيْ: ذَرَأْنَاهُمْ، وَعَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ جَهَنَّمُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْتَقَطَهَ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (الْقَصَصِ ٨) ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ أَيْ لَا يَعْلَمُونَ بِهَا الْخَيْرَ وَالْهُدَى.
﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ طَرِيقَ الْحَقِّ وَسَبِيلَ الرَّشَادِ، ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ فَيَتَفَكَّرُونَ فِيهَا وَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فِي الْجَهْلِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أَيْ: كَالْأَنْعَامِ فِي أَنَّ هِمَّتَهُمْ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالتَّمَتُّعِ بِالشَّهَوَاتِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ لِأَنَّ الْأَنْعَامَ تُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَضَارِّ وَالْمَنَافِعِ، فَلَا تُقْدِمُ عَلَى الْمَضَارِّ، وَهَؤُلَاءِ يُقْدِمُونَ عَلَى النَّارِ مُعَانَدَةً، مَعَ الْعِلْمِ بِالْهَلَاكِ، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا دَعَا اللَّهَ فِي صَلَاتِهِ وَدَعَا الرَّحْمَنَ، فَقَالَ بَعْضُ مُشْرِكِي مَكَّةَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَدَّعُونَ [في "ب": (يزعمون) .] أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ رَبًّا وَاحِدًا، فَمَا بَالُ هَذَا يَدْعُو اثْنَيْنِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا". وَالْحُسْنَى تَأْنِيثُ الْأَحْسَنِ كَالْكُبْرَى وَالصُّغْرَى، فَادْعُوهُ بِهَا.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَشْرَانَ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمُرَادِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ" [أخرجه البخاري في الدعوات، باب لله مائة اسم غير واحد:١١ / ٢١٤ وفي الشروط، وفي التوحيد، ومسلم في الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، برقم (٢٦٧٧) :٤ / ٢٠٦٢، والمصنف في شرح السنة: ٥ / ٣٠.] .
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ: "يَلْحَدُونَ" -بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْحَاءِ حَيْثُ كَانَ -وَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ فِي النَّحْلِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَمَعْنَى الْإِلْحَادِ هُوَ: الْمَيْلُ عَنِ [الْمَقْصِدِ] [في "ب": (القصد) .] يُقَالُ: أَلْحَدَ يُلْحِدُ إِلْحَادًا، وَلَحَدَ يَلْحَدُ لُحُودًا: إِذَا مَالَ. قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ السُّكَيْتِ: الْإِلْحَادُ هُوَ الْعُدُولُ عَنِ الْحَقِّ، وَإِدْخَالُ مَا لَيْسَ مِنْهُ فِيهِ، يُقَالُ: أَلْحَدَ فِي الدِّينِ، وَلَحَدَ، وَبِهِ قَرَأَ حَمْزَةُ.
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ هُمُ الْمُشْرِكُونَ عَدَلُوا بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ، فَسَمُّوا بِهَا أَوْثَانَهُمْ فَزَادُوا وَنَقَصُوا، فَاشْتَقُّوا اللَّاتَ مِنَ "اللَّهِ" وَالْعُزَّى مِنَ "الْعُزَيْزِ"، وَمَنَاةَ مِنَ "الْمَنَّانِ"، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ.
وَقِيلَ: هُوَ تَسْمِيَتُهُمُ الْأَصْنَامَ آلِهَةً. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ أَيْ يَكْذِبُونَ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْإِلْحَادُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ: تَسْمِيَتُهُ بِمَا لَمْ يُسَمَّ بِهِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ وَلَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى على التوقيف ١٤١/ب فَإِنَّهُ يُسَمَّى جَوَادًا وَلَا يُسَمَّى سَخِيًّا، وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْجَوَادِ، وَيُسَمَّى رَحِيمًا وَلَا يُسَمَّى رَفِيقًا، وَيُسَمَّى عَالِمًا وَلَا يُسَمَّى عَاقِلًا وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النِّسَاءِ ١٤٢) وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: "وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ" [آل عمران: ٥٤] ، وَلَا يُقَالُ فِي الدُّعَاءِ: يَا مُخَادِعُ، يَا مَكَّارُ، بَلْ يُدْعَى بِأَسْمَائِهِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا التَّوْقِيفُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، فَيُقَالُ: يَا اللَّهُ، يَا رَحْمَنُ، يَا رَحِيمُ، يَا عَزِيزُ، يَا كَرِيمُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فِي الْآخِرَةِ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
وقوله ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن ) كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله ومفصل له .و " الذرء " الخلق . يقال : ذرأ الله خلقه يذرؤهم ذرءًا ، أى : خلقهم . واللام فى ( لِجَهَنَّمَ ) للعاقبة والصيرورة .أى : ولقد خلقنا لدخول جهنم والتعذيب بها كثيراً من الجن والإنس وهم الكفار المعرضون عن الآيات وتدبرها ، الذين علم الله منهم أزلا اختيارهم الكفر فشاءه منهم وخلقه فيهم وجعل مصيرهم النار لذلك .ثم بين - سبحانه - صفاتهم التى أدت بهم إلى هذا المصير السيىء فقال . ( لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ) أى : لا يفقهون بها الآيات الهادية إلى الكمالات مع أن دلائل الإيمان مبثوثة فى ثنايا الكون تدركها القلوب المتفتحة ، والبصائر المستنيرة .وجملة ( لَهُمْ قُلُوبٌ ) فى محل نصب صفة أخرى لقوله ( كَثِيراً ) وجملة ( لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ) فى محل رفع صفة لقلوب .وقوله ( وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ) أى : لهم أعين لا يبصرون بها ما فى هذا الكون من براهين تشهد بوحدانية الله ، مع أنها معروضة للأبصار مكشوفة للأنظار ، فهم كما قال - تعالى - ، ( وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) فهم لهم أعين ترى وتبصر ولكن بدون تأمل أو اعتبار ، فكأن وجودها وعدمه سواء .وقوله ( وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ ) أى : لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ ، أى أنهم لا ينتفعون بشىء من هذه الجوارح التى جعلها الله سببا للهداية .قال صاحب الكشاف : " هم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم : وجعلهم فى أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق ، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار ، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات سماع تدبر كأنهم عدموا فهم القلوب ، وإبصار العيون واستماع الآذان ، وجعلهم - لإعراقهم فى الكفر وشدة شكائمهم فيه ، وأنه لا يأتى منهم إلا أفعال أهل النار - مخلوقين للنار ، دلالة على توغلهم فى الموبقات ، وتوغلهم فيما يؤهلهم لدخول النار " .وقوله ( أولئك كالأنعام ) أى : أولئك الموصفون بتلك الصفات المذكورة كالأنعام السارحة التى لا تنتفع بشىء من هذه الجوارح التى جعلها الله سبباً للهداية .وقوله ( بَلْ هُمْ أَضَلُّ ) تنقيص لهم عن رتبة الأنعام ، أى : بل هم أسوأ حالا من الأنعام ، إذ أن الأنعام ليس لها سوى الاستعدادات الفطرية التى تهديها أما الإنسان فقد زود إلى جانب الفطرة بالقلب الواعى ، والعقل المدرك ، والعين المبصرة ، وزود بالقدرة على اتباع الهدى أو اتباع الضلال ، فإذا لم يفتح بصره وقلبه وسمعه على الحق فإنه يكون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعداداتها الفطرية .وقوله ( أولئك هُمُ الغافلون ) أى أولئك المنعوتون بما ذكرهم الكاملون فى الغفلة عما فيه صلاحهم وخيرهم وسعادتهم ، بسبب استحواذ الهوى والشيطان عليهم ولا يظلم ربك أحدا .