مقارنة التفاسير
الأنفال · الآية 14
﴿١٤﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الأنفال · الآية 14
﴿١٤﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ذلكم العذاب الذي عجَّلته لكم -أيها الكافرون المخالفون لأوامر الله ورسوله في الدنيا- فذوقوه في الحياة الدنيا، ولكم في الآخرة عذاب النار.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
ذَلِكُمْ} العذاب المذكور ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أيها المشاققون للّه ورسوله عذابا معجلا. ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾. وفي هذه القصة من آيات اللّه العظيمة ما يدل على أن ما جاء به محمد ـ ﷺ ـ رسول اللّه حقًا. منها: أن اللّه وعدهم وعدا، فأنجزهموه. ومنها: ما قال اللّه تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ الآية. ومنها: إجابة دعوة اللّه للمؤمنين لما استغاثوه بما ذكره من الأسباب، وفيها الاعتناء العظيم بحال عباده المؤمنين، وتقييض الأسباب التي بها ثبت إيمانهم، وثبتت أقدامهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية. ومنها: أن من لطف اللّه بعبده أن يسهل عليه طاعته، وييسرها بأسباب داخلية وخارجية.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 11 إلى 14 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 11.
يُذَكِّرُهُمُ اللَّهُ [في ك، م: "تعالى".] بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ إِلْقَائِهِ النُّعَاسَ عَلَيْهِمْ، أَمَانًا مِنْ خَوْفِهِمُ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهم وَقِلَّةِ عَدَدهم، وَكَذَلِكَ فَعَلَ تَعَالَى بِهِمْ يَوْمَ أُحُد، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٥٤] .
قَالَ أَبُو طَلْحَةَ [في أ: "قال على بن أبي طلحة".] كُنْتُ مِمَّنْ أَصَابَهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَقَدْ سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِي مِرَارًا يَسْقُطُ وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ، وَلَقَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ يَمِيدُونَ وَهُمْ تَحْتَ الحَجَف.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا زُهَيْر، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّب، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ الْمِقْدَادِ، وَلَقَدْ رأيتُنا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يُصَلِّي تَحْتَ شَجَرَةٍ وَيَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ [مسند أبي يعلى (١/٢٤٢) ورواه أحمد في مسنده (١/١٢٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدي بهذا الإسناد.]
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: النُّعَاسُ فِي الْقِتَالِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ، وَفِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: النُّعَاسُ فِي الرَّأْسِ، وَالنَّوْمُ فِي الْقَلْبِ.
قُلْتُ: أَمَّا النُّعَاسُ فَقَدْ أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَمْرُ ذَلِكَ مَشْهُورٌ جِدًّا، وَأَمَّا يَوْمُ بَدْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ [في ك، م: "الكريمة".] إِنَّمَا هِيَ فِي سِيَاقِ قِصَّةِ بَدْرٍ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ أَيْضًا وَكَأَنَّ ذلك كان سجية لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ شِدَّةِ الْبَأْسِ لِتَكُونَ قُلُوبُهُمْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً بِنَصْرِ اللَّهِ. وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرْحِ: ٥، ٦] ؛ وَلِهَذَا [جَاءَ] [زيادة من م.] فِي الصَّحِيحِ [في أ: "الصحيحين".] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لما كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي الْعَرِيشِ مَعَ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُمَا يَدْعُوَانِ، أَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ سِنَةٌ مِنَ النَّوْمِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ مُتَبَسِّمًا فَقَالَ: "أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ" ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الْعَرِيشِ، وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُنزلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ -يَعْنِي: حِينَ سَارَ إِلَى بَدْرٍ -وَالْمُسْلِمُونَ [في ك، م، أ: "المشركون".] بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ رَمْلَةٌ دِعْصَةٌ [في أ: "وعصمة".] وَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ شَدِيدٌ، وَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِهِمِ الْغَيْظَ، يُوَسْوِسُ بَيْنَهُمْ: تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، وَقَدْ غَلَبَكُمُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ، وَأَنْتُمْ تُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ! فَأَمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا شَدِيدًا، فَشَرِبَ الْمُسْلِمُونَ وَتَطَهَّرُوا، وَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ، وَانْشَفَّ [في ك: "وانكشف".] الرَّمْلُ حِينَ أَصَابَهُ الْمَطَرُ وَمَشَى النَّاسُ عَلَيْهِ وَالدَّوَابُّ، فَسَارُوا إِلَى الْقَوْمِ وَأَمَدَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَكَانَ جِبْرِيلُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مُجَنِّبَة، وَمِيكَائِيلُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مُجَنِّبة.
وَكَذَا قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ لَمَّا خَرَجُوا لِيَنْصُرُوا الْعِيرَ وَلِيُقَاتِلُوا [في ك، م: "ويقاتلوا".] عَنْهَا، نَزَلُوا عَلَى الْمَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَغَلَبُوا الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ. فَأَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ الظَّمَأُ، فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ، حَتَّى تَعَاظَمُوا ذَلِكَ فِي صُدُورِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً حَتَّى سَالَ الْوَادِي، فَشَرِبَ الْمُؤْمِنُونَ، وَمَلَئُوا الْأَسْقِيَةَ، وَسَقَوُا الرِّكَابَ [في م: "الركائبط.] وَاغْتَسَلُوا مِنَ الْجَنَابَةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ طَهُورًا، وَثَبَّتَ الْأَقْدَامَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقَوْمِ رَمْلَةٌ، فَبَعَثَ اللَّهُ الْمَطَرَ عَلَيْهَا، فَضَرَبَهَا حَتَّى اشْتَدَّتْ، وَثَبَتَتْ عَلَيْهَا الْأَقْدَامُ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ رُوِي عَنْ قَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ.
وَقَدْ رُوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: إِنَّهُ طَشٌّ [في ك، م: "طس".] أَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَالْمَعْرُوفُ أن رسول الله ﷺ لَمَّا سَارَ إِلَى بَدْرٍ، نَزَلَ عَلَى أَدْنَى مَاءٍ هُنَاكَ أَيْ: أَوَّلِ مَاءٍ وَجَدَهُ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْمَنْزِلُ الَّذِي نَزَلْتَهُ مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُجَاوِزَهُ، أَوْ مَنْزِلٌ نَزَلْتَهُ لِلْحَرْبِ وَالْمَكِيدَةِ؟ فَقَالَ: " بَلْ مَنْزِلٌ نَزَلْتُهُ لِلْحَرْبِ وَالْمَكِيدَةِ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ، وَلَكِنْ سِرْ بِنَا حَتَّى نَنْزِلَ عَلَى أَدْنَى مَاءٍ يَلِي الْقَوْمَ وَنُغَوِّرُ ما وراءه من القلب، وَنَسْتَقِي الْحِيَاضَ فَيَكُونُ لَنَا مَاءٌ وَلَيْسَ لَهُمْ مَاءٌ. فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفَعَلَ كَذَلِكَ [في م: "ذلك".]
وَفِي مَغَازِي " الْأُمَوِيِّ" أَنَّ الْحُبَابَ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ وَجِبْرِيلُ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ ذَلِكَ الْمَلَكُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنَّ الرَّأْيَ مَا أَشَارَ بِهِ "الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ" [ورواه الواقدي في المغازي (١/٥٤) إلى هذا الموضع. فقال: "حدثني ابن أبي حبيبة، عن رواد بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: نزل جبريل. . فذكره".] فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ [ﷺ] [زيادة من ك، م، أ.] إِلَى جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ [في ك: "عليهما".] السَّلَامُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَا؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا كَلُّ الْمَلَائِكَةِ أَعْرِفُهُمْ، وَإِنَّهُ مَلَكٌ وَلَيْسَ بِشَيْطَانٍ.
وَأَحْسَنُ مَا فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ صَاحِبُ "الْمُغَازِي"، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنِي يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ السَّمَاءَ -وَكَانَ الْوَادِي دَهْسًا -فَأَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مَا لَبَّدَ لَهُمُ الْأَرْضَ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنَ الْمَسِيرِ، وَأَصَابَ قُرَيْشًا مَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَرْتَحِلُوا مَعَهُ [السيرة النبوية لابن هشام (١/٦٢٠) .]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ قَبْلَ النُّعَاسِ، فَأَطْفَأَ بِالْمَطَرِ الْغُبَارَ، وَتَلَبَّدَتْ بِهِ الْأَرْضُ، وَطَابَتْ نُفُوسُهُمْ [في ك، م: "طابت به أنفسهم".] وَثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عن جارية، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَصَابَنَا مِنَ اللَّيْلِ طَشٌّ [في ك، م: "طس".] مِنَ الْمَطَرِ -يَعْنِي اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي صَبِيحَتِهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ -فَانْطَلَقْنَا تَحْتَ الشَّجَرِ والحَجَف نَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا مِنَ الْمَطَرِ. وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو رَبَّهُ: "اللَّهُمَّ إِنَّ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ"! فَلَمَّا أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ، نَادَى: "الصَّلَاةَ، عِبَادَ اللَّهِ"، فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ تَحْتِ الشَّجَرِ والْحَجَفِ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَحَرَّضَ عَلَى الْقِتَالِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أَيْ: مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، وَهُوَ تَطْهِيرُ [في م: "طهارة".] الظَّاهِرِ ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أَيْ: مِنْ وَسْوَسَةٍ أَوْ [في م: "و".] خَاطِرٍ سَيِّئٍ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الْبَاطِنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فَهَذَا زِينَةُ الظَّاهِرِ ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٢١] أَيْ: مُطَهِّرًا لِمَا كَانَ مِنْ غِلٍّ أَوْ حَسَدٍ أَوْ تَبَاغُضٍ، وَهُوَ زِينَةُ الْبَاطِنِ وَطَهَارَتُهُ.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: بِالصَّبْرِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى مُجَالَدَةِ الْأَعْدَاءِ، وَهُوَ شَجَاعَةُ الْبَاطِنِ، ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ﴾ وَهُوَ شَجَاعَةُ الظَّاهِرِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَهَذِهِ نِعْمَةٌ خَفِيَّةٌ أَظْهَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ، لِيَشْكُرُوهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ [في ك: "وهي".] أَنَّهُ -تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَبَارَكَ وَتَمَجَّدَ -أَوْحَى إِلَى الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ أَنْزَلَهُمْ لِنَصْرِ نَبِيِّهِ وَدِينِهِ وَحِزْبِهِ الْمُؤْمِنَيْنِ، يُوحِي إِلَيْهِمْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَنْ يُثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَازَرُوهُمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَاتَلُوا مَعَهُمْ. وَقِيلَ: كَثَّرُوا سَوَادَهُمْ. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَلَكَ كَانَ يَأْتِي الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: سَمِعْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ -يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ -يَقُولُونَ: "وَاللَّهِ لَئِنْ حَمَلُوا عَلَيْنَا لَنَنْكَشِفَنَّ"، فَيُحَدِّثُ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِذَلِكَ، فَتَقْوَى أَنْفُسُهُمْ [في م: "أنفسهم بذلك".] حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أَيْ: ثَبِّتُوا أَنْتُمُ الْمُسْلِمِينَ [في ك، م، أ: "المؤمنين".] وَقَوُّوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، عَنْ أَمْرِي لَكُمْ بِذَلِكَ، سَأُلْقِي الرُّعْبَ وَالْمَذَلَّةَ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَكَذَّبَ رَسُولِي [في أ: "رسلي".] ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ أَيِ: اضْرِبُوا الْهَامَ فَفَلِّقُوهَا، وَاحْتَزُّوا الرِّقَابَ فَقَطِّعُوهَا، وَقَطِّعُوا الْأَطْرَافَ مِنْهُمْ، وَهِيَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى: ﴿فَوْقَ الأعْنَاقِ﴾ فَقِيلَ: مَعْنَاهُ اضربوا الرؤوس. قَالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: ﴿فَوْقَ الأعْنَاقِ﴾ أَيْ: عَلَى الْأَعْنَاقِ، وَهِيَ الرِّقَابُ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ.
وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْشَدَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٤] .
وَقَالَ وَكِيعٌ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لِأُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ، إِنَّمَا بُعِثْتُ بِضَرْبِ الرِّقَابِ وَشَدِّ الْوَثَاقِ" [رواه الطبري في تفسيره (١٣/٤٢٩) وابن أبي شيبة في المصنف (١٢/٣٩٠) من طريق وكيع بهذا الإسناد.]
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهَا قَدْ تَدُلُّ عَلَى ضَرْبِ الرِّقَابِ وَفَلْقِ الْهَامِ.
قُلْتُ: وَفِي مَغَازِي "الْأُمَوِيِّ" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ يَمُرُّ بَيْنَ الْقَتْلَى يَوْمَ بَدْرٍ فَيَقُولُ:
"نُفَلِّق هَامًا. . . ".
فَيَقُولُ أبو بكر: من رجال أعزة عليناوهم كانوا أعق وأظلما [البيت للحصين بن الهمام المري، وهو في "الشعر" والشعراء" لابن قتيبة (٢/٦٤٨) .] فَيَبْتَدِئُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَوَّلِ الْبَيْتِ، وَيَسْتَطْعِمُ أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِنْشَادَ آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُحْسِنُ إِنْشَادَ الشِّعْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] .
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ النَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ قَتَلُوا هُمْ بِضَرْبٍ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ، وَعَلَى الْبَنَانِ مِثْلَ سِمَةِ النَّارِ قَدِ أُحْرِقَ بِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهُ: وَاضْرِبُوهُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ عَدُوِّكُمْ كُلَّ طَرَفٍ ومَفْصِل مِنْ أَطْرَافِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ. و "الْبَنَانُ": جَمْعُ بَنَانَةٍ، كَمَا قال الشاعر [هو العباس بم مرداس السلمى، والبيت في تفسير الطبري (١٣/٤٣١) ولسان العرب مادة (بنن) .] أَلا لَيْتَنِي قَطَّعْتُ مِنْهُ بَنَانَةًوَلاقَيْتُهُ فِي الْبَيْتِ يَقْظَانَ حَاذِرَا
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يَعْنِي بِالْبَنَانِ: الْأَطْرَافَ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ جُرَيْجٍ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْبَنَانُ: الْأَطْرَافُ، وَيُقَالُ: كُلُّ مَفْصِل.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَالضَّحَّاكُ -فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى-: كُلُّ مِفْصَلٍ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قَالَ: اضْرِبْ مِنْهُ الْوَجْهَ وَالْعَيْنَ، وَارْمِهِ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ، فَإِذَا أَخَذْتَهُ حَرُمَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَيْكَ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فَذَكَرَ قِصَّةَ بَدْرٍ إِلَى أَنْ قَالَ-: فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَا تَقْتُلُوهُمْ قَتْلًا وَلَكِنْ خُذُوهُمْ أَخْذًا، حَتَّى تُعَرِّفُوهُمُ الَّذِي صَنَعُوا مِنْ طَعْنِهِمْ فِي دِينِكُمْ، وَرَغْبَتِهِمْ عَنِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ فَقُتِلَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، فِي تِسْعَةٍ وَسِتِّينَ رَجُلًا وَأُسِرَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْط فَقُتِلَ صَبْرًا، فَوَفَّى ذَلِكَ سَبْعِينَ -يَعْنِي: قَتِيلًا.
وَلِذَلِكَ قَالَ [اللَّهُ] [زيادة من ك، م، أ.] تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: خَالَفُوهُمَا فَسَارُوا فِي شَقٍّ، وَتَرَكُوا الشَّرْعَ وَالْإِيمَانَ بِهِ وَاتِّبَاعَهُ فِي شَقٍّ -وَهُوَ مَأْخُوذٌ أَيْضًا مِنْ شَقِّ الْعَصَا، وَهُوَ جَعْلُهَا فِرْقَتَيْنِ - ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيْ: هُوَ الطَّالِبُ الْغَالِبُ لِمَنْ خَالَفَهُ وَنَاوَأَهُ، لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وَلَا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ.
﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ هَذَا خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ أَيْ: ذُوقُوا هَذَا الْعَذَابَ وَالنَّكَالَ فِي الدُّنْيَا، وَاعْلَمُوا أَيْضًا أَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 13 إلى 14 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 13.
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذلك بأنهم﴾ ، هذا الفعل من ضرب هؤلاء الكفرة فوق الأعناق وضرب كل بنان منهم، جزاءٌ لهم بشقاقهم الله ورسوله، وعقاب لهم عليه.
* *
ومعنى قوله: ﴿شاقوا الله ورسوله﴾ ، فارقوا أمرَ الله ورسوله وعصوهما، وأطاعوا أمرَ الشيطان. [انظر تفسير " الشقاق " فيما سلف ٣: ١١٥، ١١٦، ٣٣٦ \ ٨: ٣١٩ \ ٩: ٢٠٤.]
* *
ومعنى قوله: ﴿ومن يشاقق الله ورسوله﴾ ، ومن يخالف أمرَ الله وأمر رسوله ففارق طاعتهما [في المخطوطة والمطبوعة: " وفارق "، والسياق يقتضي ما أثبت.] = ﴿فإن الله شديد العقاب﴾ ، له. وشدة عقابه له: في الدنيا، إحلالُه به ما كان يحلّ بأعدائه من النقم، وفي الآخرة، الخلودُ في نار جهنم= وحذف "له" من الكلام، لدلالة الكلام عليها.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هذا العقابُ الذي عجلته لكم، أيها الكافرون المشاقون لله ورسوله، في الدنيا، من الضرب فوق الأعناق منكم، وضرب كل بنان، بأيدي أوليائي المؤمنين، فذوقوه عاجلا واعلموا أن لكم في الآجل والمعاد عذابَ النار. [انظر تفسير " الذوق " فيما سلف ١٢: ٤٢٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]
* *
ولفتح "أن" من قوله: ﴿وأن للكافرين﴾ ، من الإعراب وجهان:
أحدهما الرفع، والآخر: النصبُ.
فأما الرفع، فبمعنى: ذلكم فذوقوه، ذلكم وأن للكافرين عذاب النار= بنية تكرير "ذلكم"، كأنه قيل: ذلكم الأمر، وهذا.
وأما النصب: فمن وجهين: أحدهما: ذلكم فذوقوه، واعلموا، أو: وأيقنوا أن للكافرين= فيكون نصبه بنية فعل مضمر، قال الشاعر:
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا [مضى البيت مرارًا وتخريجه، انظر آخرها ما سلف ١١: ٥٧٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]
بمعنى: وحاملا رمحًا.
والآخر: بمعنى: ذلكم فذوقوه، وبأن للكافرين عذاب النار= ثم حذفت "الباء"، فنصبت. [انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٥، ٤٠٦.]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 13 إلى 14 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 13.
"لِكَ
"فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ الأمر، أو الأمر ذلك."اقُّوا اللَّهَ
" أَيْ أَوْلِيَاءَهُ. وَالشِّقَاقُ: أَنْ يَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي شِقٍّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [راجع ج ٢ ص ١٤٣.] .
(ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ) قَالَ الزَّجَّاجُ: "ذلِكُمْ" رُفِعَ بِإِضْمَارِ الْأَمْرِ أَوِ الْقِصَّةِ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "ذُوقُوا ١٠" كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فَاضْرِبْهُ. وَمَعْنَى الكلام التوبيخ للكافرين. "وَأَنَّ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفٌ عَلَى ذَلِكُمْ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنَى وَبِأَنَّ لِلْكَافِرِينَ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُضْمِرَ وَاعْلَمُوا أَنَّ. الزَّجَّاجُ: لَوْ جَازَ إِضْمَارُ وَاعْلَمُوا لجاز زيد منطلق وَعَمْرًا جَالِسًا، بَلْ كَانَ يَجُوزُ فِي الِابْتِدَاءِ زَيْدًا مُنْطَلِقًا، لِأَنَّ الْمُخْبِرَ مُعْلِمٌ، وَهَذَا لَا يقوله أحد من النحويين.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 13 إلى 16 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 13.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ﴾ خَالَفُوا اللَّهَ، ﴿وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
﴿ذَلِكُمْ﴾ أَيْ: هَذَا الْعَذَابُ وَالضَّرْبُ الَّذِي عَجَّلْتُهُ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَفَّارُ بِبَدْرٍ، ﴿فَذُوقُوهُ﴾ عَاجِلًا ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: وَاعْلَمُوا وَأَيْقِنُوا أَنَّ لِلْكَافِرِينَ أَجَلًا فِي الْمَعَادِ، ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾
رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَرَغَ مِنْ بَدْرٍ: عَلَيْكَ بِالْعِيرِ لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ، فَنَادَاهُ الْعَبَّاسُ وَهُوَ أَسِيرٌ فِي وَثَاقِهِ: لَا يَصْلُحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِمَهْ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَكَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَقَدْ أَعْطَاكَ مَا وَعَدَكَ [أخرجه الترمذي في تفسير سورة الأنفال: ٨ / ٤٧١ - ٤٧٢ وقال: هذا حديث حسن، والإمام أحمد في المسند: ١ / ٣١٤. وعزاه السيوطي: للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ وابن مردويه. (الدر المنثور: ٤ / ٢٨) .] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أَيْ مُجْتَمِعِينَ مُتَزَاحِمِينِ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَالتَّزَاحُفُ: التَّدَانِي فِي الْقِتَالِ: وَالزَّحْفُ مُصْدَرٌ؛ لِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ، كَقَوْلِهِمْ: قَوْمٌ عَدْلٌ وَرِضَا. قَالَ: اللَّيْثُ: الزَّحْفُ جَمَاعَةٌ يزحفون إلى عدولهم بِمَرَّةٍ، فَهُمُ الزَّحْفُ وَالْجَمْعُ: الزُّحُوفُ.
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ يَقُولُ: فَلَا تُوَلُّوهُمْ ظُهُورَكُمْ، أَيْ تَنْهَزِمُوا فَإِنَّ الْمُنْهَزِمَ يُوَلِّي دُبُرَهُ.
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ ظَهْرَهُ، ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ أَيْ مُنْعَطِفًا يَرَى مِنْ نَفْسِهِ الِانْهِزَامَ، وَقَصْدُهُ طَلَبُ الْغِرَّةِ وَهُوَ يُرِيدُ الْكَرَّةَ، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أَيْ: مُنْضَمًّا صَائِرًا إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [يُرِيدُ] [في "أ": (يريدون) .] الْعَوْدَ إِلَى الْقِتَالِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ النَّهْيُ عَنِ الِانْهِزَامِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالتَّوَلِّي عَنْهُمْ، إِلَّا عَلَى نِيَّةِ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ وَالِانْضِمَامِ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ وَيَعُودُونَ إِلَى الْقِتَالِ، فَمَنْ وَلَّى ظَهْرَهُ لَا عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ لَحِقَهُ الْوَعِيدُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: هَذَا فِي أَهْلِ بَدْرٍ خَاصَّةً، مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُمُ الِانْهِزَامُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ يَتَحَيَّزُونَ إِلَيْهَا دُونَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَوِ انْحَازُوا لَانْحَازُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ فِئَةٌ لِبَعْضٍ [أخرجه الطبري في التفسير: ١٣ / ٤٣٧، ورواه مختصرا أبو داود في الجهاد، باب التولي يوم الزحف: ٣ / ٤٣٩، والحاكم: ٢ / ٣٢٧، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وعزاه السيوطي: لعبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في الناسخ والمنسوخ، وأبي الشيخ وابن مردويه، (الدر المنثور: ٤ / ٣٦) .] فَيَكُونُ الْفَارُّ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَلَا يَكُونُ فِرَارُهُ كَبِيرَةً، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ.
قَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ [أخرجه الطبري: ١٣ / ٤٣٨.] أَوْجَبَ اللَّهُ النَّارَ لِمَنْ فَرَّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: "إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ" [آل عمران: ١٥٥] ، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ بَعْدَهُ فَقَالَ: "ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ" (التَّوْبَةِ ٠ ٢٥) "ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ" [التوبة: ٢٧] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: كُنَّا فِي جَيْشٍ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً فَانْهَزَمْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ [الْفَرَّارُونَ] [في "أ" (الفارُّون) .] قَالَ: "بَلْ أَنْتُمُ الْكَرَّارُونَ، أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ" [أخرجه الترمذي في الجهاد، باب ما جاء في الفرار من الزحف: ٥ / ٣٧٨ وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد، وأبو داود في الجهاد، باب التولي يوم الزحف: ٣ / ٤٣٨، وسعيد بن منصور في السنن: ٢ / ٢٠٩ - ٢١٠، والشافعي في المسند: ٢ / ١١٦، والحميدي في المسند: ٢ / ٣٠٢، ومعنى حاصوا حيصة أي: جالوا جولة يغلبون الفرار.] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: لَمَّا قُتِلَ أَبُو عُبَيْدَةَ جَاءَ الْخَبَرُ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: لَوِ انْحَازَ إِلَيَّ كُنْتُ لَهُ فِئَةً فَأَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ [أخرجه الطبري في التفسير: ١٣ / ٤٣٩، ٤٤٠، وفيه: أن عمر لما بلغه قتل أبي عبيد قال:. . .] .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حُكْمُ الْآيَةِ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ وَلَّى مُنْهَزِمًا. جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مِنَ الْكَبَائِرِ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ" [عزاه السيوطي لابن أبي شيبة (الدر المنثور: ٤ / ٣٨) ، وقد ورد في أحاديث كثيرة عدّ الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر.] .
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ" [الأنفال: ٦٦] فَلَيْسَ لِقَوْمٍ أَنْ يَفِرُّوا مِنْ [مِثْلِهِمْ] [في "ب": مثليهم.] فَنُسِخَتْ تِلْكَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ [أخرجه الطبري: ١٣ / ٤٣٩.] وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانُوا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ عَدُوِّهِمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا أَوْ يُوَلُّوا ظُهُورَهُمْ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقَتَّالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ، وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا ظُهُورَهُمْ وَيَنْحَازُوا عَنْهُمْ [انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ٢ / ٨٤٣ - ٨٤٤، أحكام القرآن للجصاص: ٤ / ٢٢٦ - ٢٢٨، شرح السير الكبير للسرخسي: ١ / ١٢٣ - ١٢٥، وراجع: منهج الإسلام في الحرب والسلام، تأليف عثمان جمعة ص (١٥٠ - ١٥٤) .] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَ، وَمِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ" [أخرجه الطبري: ١٣ / ٤٤٠، والشافعي: ٢ / ١١٦، وسعيد بن منصور في السنن: ٢ / ٢٠٩، وقال الهيثمي: رواه الطبراني مرفوعا ورجاله ثقات. (مجمع الزوائد: ٥ / ٣٢٨) . وننقل هنا ترجيح الطبري رحمه الله في أن الآية محكمة غير منسوخة حيث قال في التفسير: ١٣ / ٤٤٠ - ٤٤١: "وأولى التأولين في هذه الآية بالصواب عندي، قول من قال: حكمها محكم، وأنها نزلت في أهل بدر، وحكمها ثابت في جميع المؤمنين، وأن الله حرم على المؤمنين إذا لقوا العدو، أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرف لقتال، أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتال منهزما بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية بهما، فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه. وإنما قلنا: هي محكمة غير منسوخة، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره-: أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ، وله في غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر يقطع العذر، أو حجة عقل. ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قول الله عز وجل: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة) .] .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم يوجه - سبحانه - خطابه على سبيل الالتفات لأولئك الذين شاقوا الله ورسوله ، متوعدا إياهم بسوء المصير فيقول : ( ذلكم فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النار ) فاسم الإِشارة ( ذلكم ) يعود إلى ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين ، وخذلان الكافرين وإنزال العقوبة بهم .أى ذلكم الذى نزل بكم - أيها الكافرون - من القتل والأسر فى بدر ، هو العقاب المناسب لطغيانكم وشرككم وعنادكم ، فذوقوا آلامه ، وتجرعوا غصصه ، وعيشوا فى مذلته .هذا فى الدنيا ، أما فى الآخرة فلكم عذاب النار الذى هو أشد وأبقى من عذاب الدنيا . فاتركوا الكفر ، وادخلوا فى الإِيمان لتنجوا من العذاب وتنالوا الثواب .قال الجمل ما ملخصه وقوله : ( ذلكم فَذُوقُوهُ . . . ) يجوز فيه وجوه من الأعراب أحدها أن يرفع بالابتداء والخبر محذوف أى ذلكم العقاب . الثانى : أن يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى : العقاب ذلكم أو الأمر ذلكم وعلى هذين الوجهين يكون قوله ( فَذُوقُوهُ ) لا تعلق له بما قبله من جهة الاعراب فهو مستأنف ، والوقف يتم على قوله : ( ذلكم ) الثالث : أن يرتفع بالابتداء . والخبر قوله ( فَذُوقُوهُ ) وهذا على رأى الأخفش .وقوله ( وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النار ) معطوف على قوله ( ذلكم ) أو منصوب على أنه مفعول معه ، والمعنى : ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم فى الآخرة ، ووضع الظاهر فيه موضع المضمر - بأن قال ( فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ ) ولم يقل فذوقوه وأن لكم - للدلالة على أن الكفر سبب للعذاب الآجل أو للجمع بينهما .ومن هذا نرى أن تلك الآيات الكريمة قد ذكّرت المؤمنين الذين اشتركوا فى غزوة بدر بألوان من نعم الله عليهم ، وبأنواع من البشارات التى كانت تدل على أن النصر سيكون لهم .1- ذكّرتهم بوعد الله لهم بأن إحدى الطائفتين : العير أو النفير ستكون لهم ، وقد وفى لهم - سبحانه - بوعده ، حيث جعل النصر لهم ، ومن أوفى بعهده من الله؟2- وذكرتهم بإجابة الله لدعائهم ، حيث أمدهم بألف من الملائكة مردفين .3- وذكرتهم بالنعاس الذى ألقاه - سبحانه - عليهم قبل المعركة ، ليكون أماناً لهم ، وراحة لأبدانهم .4- وذكرتهم بنزول المطر عليهم من السماء ليكون طهارة ظاهرية وباطنية لهم ، وليكون طمأنينة لقلوبهم ، وتثبيتاً لأقدامهم .5- وذكرتهم بأمر الله لملائكته أن يثبتوهم ، بأن يغرسوا فى قلوبهم الثقة فى نصر الله لهم ، والاستهانة بقوة أعدائهم .6- وذكرتهم بما ألقاه - سبحانه - فى قلوب الكافرين من رعب وفزع وجزع ، جعلهم ينهزمون أمامهم .7- وذكرتهم بأن ما أصاب أعداء الله وأعداءهم من قتل وأسر وخسران كان سببه كفرهم وعنادهم وإيثارهم سبيل الغى على سبيل الرشد ، وأنهم - إذا استمروا فى كفرهم - فسيلقون فى الآخرة عذاباً أشد وأبقى مما نزل فى الدنيا .ولا شك أن هذا التذكير من مقصاد الأساسية حض المؤمنين على الاستجابة لله ولرسوله : وعلى مداومة الشكر لخالقهم ، فهو - سبحانه - الذى منحهم هذه النعم الجزيلة التى تمكنوا معها من رقاب أعدائهم ، وهو الذى جعلهم يغنمون كل هذه الغنائم بعد أن خرجوا من ديارهم بلا مال ولا ظهر ولا عتاد .هذا ، ومن الخير قبل أن ننتقل من هذه الآيات إلى غيرها ، أن نتكلم بشئ من التفصيل عن مسألة كثر الحديث عنها .وهذه المسألة هى : ماذا كانت وظيفة الملائكة فى بدر؟ أكانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فحسب أم أنهم بجانب هذا التثبيت قاتلوا فعلا؟ إننا بمطالعتنا لما كتبه الكاتبون عن هذه المسألة نراهم فى كتاباتهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :( أ ) أما القسم الأول منهم ، فيرى أن الملائكة فى غزوة بدر لم تكن وظيفتهم التثبيت فحسب ، وإنما هم قاتلوا مع المؤمنين فعلا ، ويستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها :1- ما جاء عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه بينما رجل من المسلمين يشتد فى إثر رجل من المشركين أمامه .إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلا يقول : أقدم حيزوم ، فخر المشرك مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه . فجاء فحدث رسول الله - ﷺ - فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة .2- وجاء عنه أنه قال - أيضاً - : كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء ، ويوم أحد عمائم خضراء ، ولم تقاتل الملائكة فى يوم سوى بدر وكانوا فيما سواه عددا ومددا .3- وعن أبى داود المزنى قال : تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر . فوقع رأسه بين يديى قبل أن يصل إليه سيفى .4- وروى عن عبد الله بن مسعود أن أبا جهل سأله يوم بدر : من أين كان ذلك الصوت الذى كنا نسمعه ولا نرى شخصاً؟ فقال : من الملائكة ، فقال له أبو جهل : هم إذن غلبونا لا أنتم .5- وقال القرطبى : وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت . ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان شهد بدرا : لو كانت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة . لا أشك ولا أمارى . وعن سهل بن حنيف قال : لقد رأيتنا يوم بدر إن أحدنا يشير بسيفه إلى راس المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه .هذه أهم الروايات التى استند إليها العلماء الذين يرون أن الملائكة قد قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر ، وعلى رأس هؤلاء العلماء القرطبى ، فهو يرى أن هذا هو الصحيح وأنه رأى الجمهور .( ب ) أما القسم الثانى من العلماء فيرى أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر ، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فى المعركة ، وتقوية أرواحهم وقلوبهم ، واستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها :1- أنه ليس فى الآيات القرآنية التى تحدثت عن غزوة بدر آية واحدة صريحة فى أن الملائكة قد قاتلت بالفعل ، وإنما هى صريحة فى أن الله تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة ، وجعل هذا الإِمداد بشارة لهم .قال الآلوسى عند تفسيره لقوله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى ) وفى الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالا ، وهو مذهب لبعضهم . ويشعر ظاهرها بأن النبى - ﷺ - أخبرهم بذلك الإِمداد ، وفى الأخبار ما يؤيد ذلك .بل جاء فى غير ما خبر أن الصحابة رأوا الملائكة - عليهم السلام - .2- أن بعض الآيات القرآنية التى تحدثت عن غزوة بدر قد وضحت وظيفة الملائكة توضيحاً تاماً ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب فاضربوا فَوْقَ الأعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ) .قال ابن جرير فى معنى ( فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ ) قووا عزمهم ، وصححوا نياتهم فى قتال أعدائهم من المشركين . .وقال فى معنى قوله - تعالى - ( فاضربوا فَوْقَ الأعناق . . . ) : والصواب من القول فى ذلك أن يقال إن الله أمر المؤمنين معلما إياهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف ، أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدى والأرجل . .وقال الفخر الرازى : قوله ( فاضربوا فَوْقَ الأعناق ) فيه وجهان : الأول : أنه أمر للملائكة متصل بقوله - تعالى - ( فَثَبِّتُواْ ) . وقيل : بل أمر للمؤمنين ، وهذا هو الأصح لما بينا أنه - تعالى - ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة . .3- أن الروايات التى استند إليها من قال بأن الملائكة قاتلت مع المؤمنين فى بدر لم ترد فى كتب السنة المعتمدة ، بل لم يذكر معظمها الإِمام ابن جرير مع علمنا باهتمامه بالمرويات فى تفسيره . وفضلا عن ذلك فإن أكثر هذه الروايات لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلت . فمثلا رواية أبى داود المازنى لم تصرح بأن المشرك الذى أارد هو أن يقتله قد قتله ملك . وكذلك الحال بالنسبة لروايتى أبى أسيد وسهيل بن حنيف وأما قول أبى جهل لابن مسعود : " هم إذن غلبونا - يعنى الملائكة - لا أنتم ، فنرجح أنه من باب التبرير والمغالطة . فهو يريد أن ينفى - حقداً منه وعناداً - قوة المؤمنين الذين صرعوا أمثاله من الطغاة . . " .والخلاصة أن معظم الروايات - مع ضعفها - لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر .4- استبعد كثير من العلماء اشتراك الملائكة فى القتال ، ومن هؤلاء العلماء الإِمام أبو بكر الأصم فقد قال :" إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط . فإذا حضر هو يوم بدر - وجميع الروايات تذكر أنه كان على رأس الملائكة - فأى حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟ بل أى حاجة حينئذ إلى إرسال سائر الملائكة؟ وأيضاً فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين ، وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم .وأيضاً لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أوْلا . . وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ، ولم يقل أحد بذلك . . وعلى الثانى كان يلزم جز الرءوس ، وتمزيق البطون ، وغسقاط الكفارمن غير مشاهدة فاعل ، ومثل هذا من أعظم المعجزات ، فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين المسلم والكافر والموافق والمخالف . . .وقال صاحب المنار : مقتضى السياق أن وحى الله للملائكة ( وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى ) إلخ .وقوله - تعالى - ( سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب . . ) إلخ بدء كلام خوطب به النبى - ﷺ - والمؤمنون تتمة للبشرى . فيكون الأمر بالضرب موجهاً إلى المؤمنين قطعاً ، وعليه المحققون الذين جزموا بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر تبعاً لما قبله من الآيات .ثم قال : وفى كتب السير وصف للمعركة علم منه القاتلون والآسرون لأشد المشركين بأسا ، فهل تعارضه ذه البينات النقلية بروايات لم يرها شيخ المفسرين ابن جرير حرية بأن تنقل .كفانا الله شر هذه الروايات الباطلة التى شوهت التفسير وقلبت الحقائق ، حتى إنها خالفت نص القرآن نفسه فالله - تعالى - يقول فى إمداد الملائكة ( وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ . . . ) وهذه الروايات تقول بل جعله مقاتلة . وإن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم الله بما ذكر من أسباب النصر المتعددة .ألا إن فى هذا من تعظيم شأن المشركين ، وتكبير شجاعتهم وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول وأشجعهم مالا يصدر عن عاقل ، إلا وقد سلب عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند ، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الآلوسى وغيره بغير سند . وابن عباس لم يحضر غزوة بدر لأنه كان صغيرا ، فرواياته عنها حتى فى الصحيح مرسله . .هذه أهم الأدلة التى استند إليها القائلون بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر ، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين ، وتقوية عزائمهم . وتصحيح نياتهم .( ج ) أما القسم الثالث من العلماء الذين كتبوا فى هذه المسألة ، فمنهم الذى اكتفى بسرد الآراء دون أن يرجح بينها ، ومن هؤلاء صاحب الكشاف ، فقد قال :فإن قلت : هل قاتلت الملائكة يوم بدر؟ قلت : اختلف فيه . فقيل : نزل جبريل فى يوم بدر فى خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر ، وميكائيل فى خمسمائة على الميسرة وفيها على بن أبى طالب فى صورة الرجال . فقاتلت . وقيل : قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب . . وقيل : لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ، ويثبتون المؤمنين ، وإلا فملك واحد كاف فى إهلاك أهل الدنيا كلهم . .ومنهم الذى يرى أن البحث فى تفاصيل أمثال هذه المسائل ليس من الجد الذى هو طابع هذه العقيدة ، ومن هؤلاء صاحب " فى ظلال القرآن " فقد قال ما ملخصه :" تروى روايات كثيرة مفصلة عن الملائكة فى يوم بدر : عددهم وطريقة مشاركتهم فى المعركة . وما كانوا يقولونه للمؤمنين مثبتين ، وما كانوا يقولونه للمشركين مخذلين . ونحن - على طريقتنا فى الظلال - نكتفى فى مثل هذا الشأن من عوالم الغيب بما يرد فى النصوص المتيقنة من قرآن أو سنة ، والنصوص القرآنية هنا فيها الكفاية : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة .. ) فهذا عددهم ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ . . ) فهذا عملهم . ولا حاجة إلى التفصيل وراء هذا فإن فيه الكفاية . وبحسبنا أن تعلم أن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها فى ذلك اليوم ، وهى قلة والاعداء كثرة ، وأن أمر هذه العصبة وأمر هذا الدين قد شارك فيه الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو الذى يصفه الله سبحانه فى كلماته . . إننا نؤمن بوجود خلق أسماهم الملائكة ، ولكنا لا ندرك من طبيعتهم إلا ما أخبرنا به خالقهم عنهم ، فلا نملك من إدراك الكيفية التى اشتركوا بها فى نصرة المسلمين يوم بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآنى . وقد أوحى إليهم ربهم : أنى معكم . وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا ففعلوا .- لأنهم يفعلون ما يؤمرون - ولكننا لا ندرى كيف فعلوا .إن البحث التفصيلى فى كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذى هو طابع هذه العقيدة . وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة ولكن هذه المباحث صارت من مباحث الفرق الإِسلامية ومباحث علم الكلام فى العصور المتأخرة ، عندما فرغ الناس من الاهتمامات الإِيجابية فى هذا الدين ، وتسلط الترف العقلى على النفوس والعقول . وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية الله - سبحانه - للملائكة فى المعركة ، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة لهى أنفع واجدى . .وبعد فهذه أهم الأقوال التى قالها العلماء فى مسألة وظيفة الملائكة فى بدر ، بسطناها بشئ من التفصيل لتتضح آراؤهم فيها .والذى نراه بعد كل ذلك : أن أقرب الأقوال إلى الصواب ، هو القول الذى ذهب أصحابه إلى أن الملائكة فى بدر لم تقاتل ، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت وتقوية عزائم المؤمنين . . . وذلك لما سبق أن بيناه من أدلة وحجج - والله أعلم بالصواب .وبعد أن بين - سبحانه - بعض البشارات والنعم التى ساقها للمؤمنين الذين اشتركوا فى بدر .