مقارنة التفاسير
الأنفال · الآية 64
ٱللَّهُ مِنَ ﴿٦٤﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الأنفال · الآية 64
ٱللَّهُ مِنَ ﴿٦٤﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يا أيها النبي إن الله كافيك، وكافي الذين معك من المؤمنين شرَّ أعدائكم.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وكافي أتباعك من المؤمنين،.وهذا وعد من اللّه لعباده المؤمنين المتبعين لرسوله، بالكفاية والنصرة على الأعداء. فإذا أتوا بالسبب الذي هو الإيمان والاتباع، فلابد أن يكفيهم ما أهمهم من أمور الدين والدنيا، وإنما تتخلف الكفاية بتخلف شرطها.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 64 إلى 66 معاً في نص واحد.
يُحَرِّضُ تَعَالَى نَبِيَّهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ وَمُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ وَمُبَارَزَةِ الْأَقْرَانِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ حَسْبُهُمْ، أَيْ: كَافِيهِمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَإِنْ كَثُرَتْ أَعْدَادُهُمْ وَتَرَادَفَتْ أَمْدَادُهُمْ، وَلَوْ قَلَّ عَدَدُ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ شَوْذَبٍ [في هـ، ك: "عن ابن شوذب" والمثبت من م، أ، والطبري.] عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ: حَسْبُكَ اللَّهُ، وَحَسْبُ مَنْ شَهِدَ مَعَكَ.
قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ [بْنِ أَسْلَمَ] [زيادة من أ.] مِثْلَهُ.
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ أَيْ: حُثَّهُمْ وَذَمِّرْ [في أ: "وذمرهم".] عَلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ عِنْدَ صَفِّهِمْ وَمُوَاجَهَةِ الْعَدُوِّ، كَمَا قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، حِينَ أَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي عَدَدهم وعُدَدهم: "قُومُوا إلى جنة عرضها السموات والأرض". فقال عمير بن الحُمام: عرضها السموات وَالْأَرْضِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ" فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقَالَ: "مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟ " قَالَ [في ك: "فقال".] رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا! قَالَ: "فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا" فَتَقَدَّمَ الرَّجُلُ فَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، وَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ أَلْقَى بَقِيَّتَهُنَّ مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَهُنَّ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ! ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حتى قتل، رضي الله عنه [رواه مسلم في صحيحه برقم (١٩٠١) من حديث أنس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.] وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَمُلَ بِهِ الْأَرْبَعُونَ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَإِسْلَامُ عُمَرَ كَانَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَقَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُبَشِّرًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَآمِرًا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كُلُّ وَاحِدٍ بِعَشَرَةٍ [فِي ك: "لعشرة".] ثُمَّ نُسِخَ هَذَا الْأَمْرُ وَبَقِيَتِ الْبِشَارَةُ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الخِرِّيت [في هـ: "الزبير بن الحارث" والمثبت من د، ك، م الطبري.] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ جَاءَ التَّخْفِيفُ، فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قَالَ: خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعُدَّةِ، وَنَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ عَنْهُمْ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، نَحْوَهُ [صحيح البخاري برقم (٤٦٥٣) .]
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فَلَا يَنْبَغِي لِمِائَةٍ أَنْ يَفِرُّوا مِنْ مِائَتَيْنِ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ، بِهِ وَنَحْوَهُ [صحيح البخاري برقم (٤٦٥٢) .]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ثَقُلَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْظَمُوا أَنْ يُقَاتِلَ عِشْرُونَ مِائَتَيْنِ، وَمِائَةٌ أَلْفًا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَنَسَخَهَا بِالْآيَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الْآيَةَ، فَكَانُوا إِذَا كَانُوا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ عَدُوٍّ لَهُمْ [في د، ك: "عدوهم".] لَمْ يَنْبَغِ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَإِذَا كَانُوا دُونَ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ قِتَالُهُمْ، وَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَتَحَوَّزُوا عَنْهُمْ.
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَالْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَالضَّحَّاكِ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ الْمُسَيَّبِ بْنِ شَرِيكٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِينَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ رَفْعٌ، ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [المستدرك (٢/٢٣٩) .]
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿يا أيها النبي حسبك الله﴾ ، وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله. يقول لهم جل ثناؤه: ناهضوا عدوكم، فإن الله كافيكم أمرهم، ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم، فإن الله مؤيدكم بنصره. [انظر تفسير " حسب " فيما سلف ص: ٤٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٢٦٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان، عن شوذب أبي معاذ، عن الشعبي في قوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ ، قال: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله. [الأثر: ١٦٢٦٥ - " شوذب، أبو معاذ "، ويقال: " أبو عثمان "، مولى البراء بن عازب. قال سفيان، عن شوذب: " كنت تياسًا، فنهاني البراء بن عازب عن عسب الفحل " روى عنه سفيان الثوري، وشعبة. مترجم في الكبير ٢ \ ٢ \ ٢٦١، وابن أبي حاتم ٢ \ ١ \ ٣٧٧، وكان في المطبوعة: "شوذب بن معاذ" وهو خطأ، صوابه في المخطوطة. وسيأتي في الإسنادين التاليين.]
١٦٢٦٦- حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا سفيان، عن شوذب، عن الشعبي في قوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ ، قال: حسبك الله، وحسب من معك.
١٦٢٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن سفيان، عن شوذب، عن عامر، بنحوه =إلا أنه قال: حسبك الله، وحسب من شهد معك.
١٦٢٦٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد في قوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ ، قال: يا أيها النبي حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين، إنّ حسبك أنت وهم، الله.
* *
فـ "منْ" قوله: ﴿ومن اتبعك من المؤمنين﴾ ، على هذا التأويل الذي ذكرناه عن الشعبي، نصب، عطفا على معنى "الكاف" في قوله: ﴿حسبك الله﴾ لا على لفظه، لأنها في محل خفض في الظاهر، وفي محل نصب في المعنى، لأن معنى الكلام: يكفيك الله، ويكفي من اتبعك من المؤمنين.
* *
وقد قال بعض أهل العربية في "من"، أنها في موضع رفع على العطف على اسم "الله"، كأنه قال: حسبك الله ومتبعوك إلى جهاد العدو من المؤمنين، دون القاعدين عنك منهم. واستشهد على صحة قوله ذلك بقوله: ﴿حرض المؤمنين على القتال﴾ . [هو الفراء في معاني القرآن ١: ٤١٧.]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
لَيْسَ هَذَا تَكْرِيرًا فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا سَبَقَ: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) وَهَذِهِ كِفَايَةٌ خَاصَّةٌ. وَفِي قَوْلِهِ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ) أَرَادَ التَّعْمِيمَ، أَيْ حَسْبُكَ اللَّهُ فِي كُلِّ حَالٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي إِسْلَامِ عُمَرَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَسْلَمَ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا وَسِتُّ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمَ عُمَرُ وَصَارُوا أَرْبَعِينَ. وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ، كُتِبَتْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سُورَةٍ مَدَنِيَّةٍ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ.
قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ إِسْلَامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَدْ وَقَعَ فِي السِّيرَةِ خِلَافُهُ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (مَا كُنَّا نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نُصَلِّيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَاتَلَ قُرَيْشًا حَتَّى صَلَّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ. وَكَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ بَعْدَ خُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَبَشَةَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَهَاجَرَ إِلَيْهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، سِوَى أَبْنَائِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِهِمْ صِغَارًا أَوْ وُلِدُوا بِهَا، ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، إِنْ كَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْهُمْ. وَهُوَ يَشُكُّ فِيهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتِ الْآيَةُ بِالْبَيْدَاءِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ الْقِتَالِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: الْمَعْنَى حَسْبُكَ اللَّهُ، وَحَسْبُكَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى كَافِيكَ اللَّهُ، وَكَافِي مَنْ تَبِعَكَ، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ زَيْدٍ. وَالْأَوَّلُ عَنِ الْحَسَنِ. وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ وَغَيْرُهُ. فَ"- مَنِ" عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. عَلَى مَعْنَى: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ وَأَتْبَاعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَعَلَى الثَّانِي عَلَى إِضْمَارٍ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ: (يَكْفِينِيهِ اللَّهُ وَأَبْنَاءُ قَيْلَةَ) [يريد الأوس والخزرج، قبيلتي الأنصار. وقيلة اسم أم لهم قديمة، وهي قيلة بنت كاهل.] . وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ [الْمَعْنَى [من ج وك وهـ.] ] "وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" حَسْبُهُمُ اللَّهُ، فَيُضْمَرُ الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "مَنِ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلَى مَعْنَى: يَكْفِيكَ اللَّهُ وَيَكْفِي مَنِ اتبعك [اضطربت عبارة الأصول هنا. والذي في إعراب القرآن للنحاس: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ). ابتداء وخبر، أي كافيك الله. ويقال: أحسبه إذا كفاه. (وَمَنِ اتَّبَعَكَ) في موضع نصب معطوف على الكاف في التأويل، أي يكفيك الله عز وجل ويكفى من اتبعك كما قال: إِذَا كَانَتِ الْهَيْجَاءُ وَانْشَقَّتِ الْعَصَا ... فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ سيف مهند ويجوز أن (مَنِ اتَّبَعَكَ) في موضع رفع، وللنحويين فيه ثلاثة أقوال: قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: يكون عطفا على اسم الله عز وجل، أي حسبك الله ومن اتبعك. قال: ومثله قول النبي عليه السلام: (يكفينيه الله عز وجل وأبناء قيلة). والقول الثاني- أن يكون التقدير: ومن اتبعك من المؤمنين كذلك، على الابتداء والخبر، كما قال الْفَرَزْدَقُ: وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ ... مِنَ المال إلا مسحتا أو مجلف والقول الثالث أحسنها- أنه يكون على إضمار، بمعنى وحسبك من اتبعك. وهكذا الحديث على إضمار. وتركنا القول الأول لأنه قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نهى أن يقال: ما شاء الله وشيت. والثاني- فالشاعر مضطر، إذ كانت القصيدة مرفوعة. وإن كان فيه غير هذا.] .
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 61 إلى 64 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 61.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ أَيْ: مَالُوا إِلَى الصُّلْحِ، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أَيْ: مِلْ إِلَيْهَا وَصَالِحْهُمْ. رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ [أخرجه الطبري في التفسير: ١٠ / ٣٤ (طبع الحلبي) ثم قال عنه إنه "قول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا - التفسير - وغيره، وعلى أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا، وقول الله في براءة "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" غير ناف حكمه حكم قوله: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" لأن قوله: "وإن جنحوا للسلم" إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودا أهل كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب، ومتاركتهم الحرب، على أخذ الجزية منهم. وأما قوله: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" فإنما عني به مشركي العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى. بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه".] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ "بَرَاءَةٌ -٥" ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ! ثُمَّ بِاللَّهِ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يَغْدِرُوا وَيَمْكُرُوا بِكَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ.
﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كَافِيكَ اللَّهُ، ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: بِالْأَنْصَارِ.
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَانَتْ بَيْنَهُمْ إِحَنٌ وَثَارَاتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَصَيَّرَهُمُ اللَّهُ إِخْوَانًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَعْدَاءً، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا وَسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَتَمَّ بِهِ الْأَرْبَعُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٢٧٣) .] .
وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ "مَنِ" فَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مَحَلُّهُ خَفْضٌ، عَطْفًا عَلَى الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: "حَسْبُكَ اللَّهُ" وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَفْعٌ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ مَعْنَاهُ: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمُتَّبِعُوكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم مضت السورة الكريمة فى تثبيت الطمأنينة فى قلب النبى - ﷺ - وفى قلوب أصحابه فبينت لهم أن الله كافيهم وناصرهم ، وأن القلة منهم تغلب الكثرة من أعداء الله وأعدائهم فقال - تعالى - : ( ياأيها النبي . . . مَعَ الصابرين ) .قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء ، وعده بالنصر والظفر فى هذه الآية مطلقاً على جميع التقديرات ، وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار؛ لأن المعنى فى الآية الأولى؛ إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم .والمعنى فى هذه الآية عام فى كل ما يحتاج إليه فى الدين والدنيا .وهذه الآية نزلت بالبيداء فى غزوة بدر قبل القتال . .وقوله : ( حَسْبُكَ ) صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل ، والكاف فى محل جر .والواو فى قوله ( وَمَنِ اتبعك ) بمعنى مع ، و ( مَنِ ) فى محل نصب عطفاً على الموضع ، فإن قوله ( حَسْبُكَ ) بمعنى كافيك فى جميع أمورك .والمعنى : يأيها النبى كافيك الله وكافى متبعيك من المؤمنين فهو - سبحانه - ناصركم ومؤيدكم على أعدائكم وإن كثر عددهم وقل عددكم ، وما دام الأمر كذلك ، فاعتمدوا عليه وحده ، وأطيعوه فى السر والعلن؛ لكى يديم عليكم عونه وتأييده ونصره .قال بعض العلماء : قال ابن القيم عند تفسيره لهذه الآية : أى : الله وحده كافيك وكافى أتباعك فلا يحتاجون معه إلى أحد . ثم قال : وههنا تقديران :أحدهما : أن تكون الواو عاطفة للفظ " من " على الكاف المجرورة . .والثانى : أن تكون الواو بمعنى " مع " وتكون " من " فى محل نصب عطفاً على الموضع . فإن " حسبك " فى معنى كافيك أى : الله يكفيك ويكفى من اتبعك ، كما يقول العرب : حسبك وزيدا درهم ، قال الشاعر :وإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهندوهذا أصح التقديرين . وفيها تقدير ثالث : أن تكون " من " فى موضع رفع بالابتداء : أى ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله .وفيها تقدير رابع وهو خطأ من جهة المعنى ، وهو أن يكون " من " فى موضع رفع عطفا على اسم الله . ويكون المعنى : حسبك الله وأتباعك .هذا وإن قال به بعض الناس فهو خطأ محض ، لا يجوز حمل الآية عليه ، فإن الحسب والكفاية لله وحده ، كالتوكل والتقوى والعبادة . .