مقارنة التفاسير
التوبة · الآية 54
وَمَا أَن إِلَّآ أَنَّهُمۡ وَلَا إِلَّا وَلَا إِلَّا ﴿٥٤﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
التوبة · الآية 54
وَمَا أَن إِلَّآ أَنَّهُمۡ وَلَا إِلَّا وَلَا إِلَّا ﴿٥٤﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
وسبب عدم قَبول نفقاتهم أنهم أضمروا الكفر بالله عز وجل وتكذيب رسوله محمد ﷺ، ولا يأتون الصلاة إلا وهم متثاقلون، ولا ينفقون الأموال إلا وهم كارهون، فهم لا يرجون ثواب هذه الفرائض، ولا يخشون على تركها عقابًا؛ بسبب كفرهم.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
ثم بين صفة فسقهم وأعمالهم، فقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ والأعمال كلها شرط قبولها الإيمان، فهؤلاء لا إيمان لهم ولا عمل صالح، حتى إن الصلاة التي هي أفضل أعمال البدن، إذا قاموا إليها قاموا كسالى، قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ أي: متثاقلون، لا يكادون يفعلونها من ثقلها عليهم. ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ من غير انشراح صدر وثبات نفس، ففي هذا غاية الذم لمن فعل مثل فعلهم، وأنه ينبغي للعبد أن لا يأتي الصلاة إلا وهو نشيط البدن والقلب إليها، ولا ينفق إلا وهو منشرح الصدر ثابت القلب، يرجو ذخرها وثوابها من اللّه وحده، ولا يتشبه بالمنافقين.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 52 إلى 54 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 52.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ ؟ أَيْ: تَنْتَظِرُونَ بِنَا ﴿إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ شهادَة أَوْ ظَفَرٌ بِكُمْ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ أَيْ: نَنْتَظِرُ بِكُمْ هَذَا أَوْ هَذَا، إِمَّا أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا، بِسَبْيٍ أَوْ بِقَتْلٍ، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَيْ: مَهْمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ طَائِعِينَ أَوْ مُكْرَهِينَ ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُمْ، ﴿إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أَيْ: [قَدْ كَفَرُوا] [زيادة من أ.] وَالْأَعْمَالُ إِنَّمَا تَصِحُّ بِالْإِيمَانِ، ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ صَحِيحٌ، وَلَا هِمَّةٌ فِي الْعَمَلِ، ﴿وَلا يُنْفِقُونَ﴾ نَفَقَةً ﴿إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾
وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَأَنَّهُ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا؛ فَلِهَذَا لَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ نَفَقَةً وَلَا عَمَلًا لأنه إنما يتقبل من المتقين.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما منع هؤلاء المنافقين، يا محمد، أن تقبل منهم نفقاتهم التي ينفقونها في سفرهم معك، وفي غير ذلك من السبل، إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله، فـ "أن" الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع، [يعني بالثانية "أن" المشددة في "أنهم"، وأما الأولى فهي "أن" الخفيفة.] لان معنى الكلام: ما منع قبول نفقاتهم إلا كفرهم بالله = ﴿ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى﴾ ، يقول: لا يأتونها إلا متثاقلين بها. [انظر تفسير "كسالى" فيما سلف ٩: ٣٣٠، ٣٣١.] لأنهم لا يرجون بأدائها ثوابًا، ولا يخافون بتركها عقابًا، وإنما يقيمونها مخافةً على أنفسهم بتركها من المؤمنين، فإذا أمنوهم لم يقيموها = ﴿ولا ينفقون﴾ ، يقول: ولا ينفقون من أموالهم شيئًا = ﴿إلا وهم كارهون﴾ ، أن ينفقونه في الوجه الذي ينفقونه فيه، مما فيه تقوية للإسلام وأهله. [انظر تفسير "الكره" فيما سلف ص: ٢٩٣. تعليق: ١ والمراجع هناك.]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى-[قَوْلُهُ تَعَالَى [من ك وج.] ]: (وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ) "أَنْ" الْأُولَى فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَالثَّانِيَةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. وَالْمَعْنَى: وَمَا مَنَعَهُمْ مِنْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا كُفْرُهُمْ وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ "أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ" بِالْيَاءِ، لِأَنَّ النَّفَقَاتِ وَالْإِنْفَاقَ وَاحِدٌ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ صَلَّى وَإِنِ انْفَرَدَ لَمْ يُصَلِّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَرْجُو عَلَى الصَّلَاةِ ثَوَابًا وَلَا يَخْشَى فِي تَرْكِهَا عِقَابًا. فَالنِّفَاقُ يُورِثُ الْكَسَلَ فِي الْعِبَادَةِ لَا مَحَالَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي [النِّسَاءِ [راجع ج ٥ ص ٤٢٢.] ] الْقَوْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ حَدِيثَ الْعَلَاءِ [لعل صوابه: حديث الاعرابي.] مُوعَبًا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ يَعُدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعَهَا مَغْنَمًا وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَهِيَ غَيْرُ مُتَقَبَّلَةٍ وَلَا مُثَابٍ عَلَيْهَا حَسْبَ مَا تَقَدَّمَ.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 47 إلى 54 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 47.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلَى [ذِي جَدَّةَ [في "أ": (ذي حلوة) . و"ذو جدة" الطريق الواضح المسلوك.] ] أَسْفَلَ مِنْ ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَخَلَّفُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ [أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤) .] ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ﴿فِيكُمْ﴾ أَيْ مَعَكُمْ، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أَيْ: فَسَادًا وَشَرًّا. وَمَعْنَى الْفَسَادِ: إِيقَاعُ الْجُبْنِ وَالْفَشَلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَهْوِيلِ الْأَمْرِ، ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أَسْرَعُوا، ﴿خِلَالَكُمْ﴾ وَسَطَكُمْ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ. وَقِيلَ: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا يُخِلُّ بِكُمْ.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أَيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: لَقَدْ جُمِعَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّكُمْ مَهْزُومُونَ وَسَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ عَدْوُكُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يَعْنِي: الْعَيْبَ وَالشَّرَّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفِتْنَةُ الشِّرْكُ، وَيُقَالُ: بَغَيْتُهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ أَبْغِيهِ بُغَاءً إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ، يَعْنِي: بَغَيْتُ لَهُ.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُحِبُّونَ لَهُمْ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ، وَهُمُ الْجَوَاسِيسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُطِيعُونَ لَهُمْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُونَهُمْ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ .
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: طَلَبُوا صَدَّ أَصْحَابِكَ عَنِ الدِّينِ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَخْذِيلَ النَّاسِ عَنْكَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، كَفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ بِأَصْحَابِهِ.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ وَأَجَالُوا فِيكَ وَفِي إِبْطَالِ دِينِكَ الرَّأْيَ، بالتخذيل عنك ١٥٩/أوَتَشْتِيتِ أَمْرِكَ، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ دِينُ اللَّهِ، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ: يَا أَبَا وَهْبٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ يَعْنِي الرُّومَ، تَتَّخِذُ مِنْهُمْ سِرَارِيَ وَوُصَفَاءَ، فَقَالَ جَدٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ بَنَاتَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ، ائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ وَلَا تَفْتِنِي بِهِنَّ وَأُعِينُكَ بِمَالِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَلَّ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَّةٌ إِلَّا النِّفَاقُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٢٨٧-٢٨٨، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤-٢٨٥) .] : ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ فِي التَّخَلُّفِ ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا تُؤْثِمْنِي: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أَيْ: فِي الشِّرْكِ وَالْإِثْمِ وَقَعُوا بِنِفَاقِهِمْ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [مُطْبِقَةٌ بِهِمْ] [في "ب": (مطيفة بهم) .] وَجَامِعَةٌ لَهُمْ فِيهَا.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نُصْرَةٌ وَغَنِيمَةٌ، ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهُمْ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ حَذَرَنَا، أَيْ: أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ، ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ وَيُدْبِرُوا ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ بِمَا نَالَكَ مِنَ الْمُصِيبَةِ.
﴿قُلْ﴾ لِهَمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنَا أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ، ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ إِمَّا النَّصْرَ وَالْغَنِيمَةَ أَوِ الشَّهَادَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" [أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي ﷺ: "أحلت لكم الغنائم": ٦ / ٢٢٠، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (١٨٧٦) : ٣ / ١٤٩٦.] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السوءتين إِمَّا: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ أَيْ: بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: فَتَرَبَّصُوا مَوَاعِيدَ الشَّيْطَانِ إِنَّا مُتَرَبِّصُونَ مَوَاعِيدَ اللَّهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِئْصَالِ مَنْ خَالَفَهُ.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَمْرٌ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَيْ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ، قَالَ أُعِينُكُمْ بِمَالِي، يَقُولُ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ﴾ أَيْ: لِأَنَّكُمْ، ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ .
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " يُقْبَلَ " بِالْيَاءِ لِتُقَدِّمِ الْفِعْلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى جَمْعٍ مُؤَنَّثٍ وَهُوَ النَّفَقَاتُ، فَأَنَّثَ الْفِعْلَ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْفَاعِلَ مُؤَنَّثٌ، ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ صَدَقَاتُهُمْ، ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أَيِ: الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ نَفَقَاتِهِمْ كُفْرُهُمْ، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مُتَثَاقِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَلَى أَدَائِهَا ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُونَ عَلَى تَرْكِهَا عِقَابًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ [ذَمَّ] [في "أ": ذكر.] الْكَسَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ لَهُمْ أَصْلًا؟ قِيلَ: الذَّمُّ وَاقِعٌ عَلَى الْكَفْرِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْكَسَلِ، فَإِنَّ الْكُفْرَ مُكَسِّلٌ، وَالْإِيمَانَ مُنَشِّطٌ، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ يُعِدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعَهَا مَغْنَمًا.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم بين - سبحانه - على التفصيل لمظاهر فسقهم - أن هناك ثلاثة أسباب أدت إلى عدم قبول نفقاتهم .أما السبب الأول فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ . . ) .أى : وما منعهم قبول نفقاتهم شئ من الأشياء إلا كفرهم بالله - تعالى - ورسوله - ﷺ - .فالاستثناء من أهم الأشياء . والضمير فى " منعهم " هو المفعول الأول للفعل ، وقوله : ( أَن تُقْبَلَ ) هو المفعول الثانى ، لأن الفعل " منع " يتعدى لمفعولين تارة بنفسه كما هنا ، وتارة يتعدى إلى المفعول الثانى بحرف الجر وهو حرف " من " أو " عن " .والفاعل ما فى حيز الاستثناء وهو قوله : ( إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ . . ) .وأما السبب الثانى فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : ( وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى ) .ولفظ " كسالى " . جمع كسلان ، مأخوذ من الكسل بمعنى التثاقل عن الشئ ، والفتور عن أدائه . وفعله بزنة فرح .أى : ولا يأتون الصلاة التى كتبها الله عليهم فى حال من الأحوال ، إلا فى حال كونهم قوم خلت قلوبهم من الإِيمان ، فصاروا لا يرجون من وراء أدائها ثواباً ولا يخشون من وراء تركها عقاباً ، وإنما يؤدونها رياء أو تقية للمسلمين .وشبيه بهذه الجملة الكريمة قوله - تعالى - فى سورة النساء : ( إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قاموا إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى يُرَآءُونَ الناس وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً ) وأما ، السبب الثالث فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : ( وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ) .أى . ولا ينفقون نفقة فى سبيل الله إلا وهم كارهون لها لأنهم يعدونها مغرماً ، ويعتبرون تركها مغنما ، وما حملهم على الإِنفاق إلا الرياء أو المخادعة أو الخوف من انكشاف أمرهم ، وافتضاح حالهم .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الكراهية خلاف الطواعية ، وقد جعلهم الله - تعالى - طائعين فى قوله " طوعاً " ثم وصفهم هنا بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون فكيف ذلك .قلت : المراد بطوعهم أنهم يبذلون نفقتهم من غير إلزام من رسول الله - ﷺ - أو من رؤسائهم ، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار ، لا عن رغبة واختيار .أى : أن نفقتهم فى جميع الأحوال لا يقصد بها الاستجابة لشرع الله ، وإنما يقصد بها الرياء أو المخادعة ، أو خدمة مصالحهم الخاصة .