مقارنة التفاسير
التوبة · الآية 73
عَلَيۡهِمۡۚ ﴿٧٣﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
التوبة · الآية 73
عَلَيۡهِمۡۚ ﴿٧٣﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يا أيها النبي جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان والحجة، واشدد على كِلا الفريقين، ومقرُّهم جهنم، وبئس المصير مصيرهم.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يقول تعالى لنبيه ـ ﷺ ـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أي: بالغ في جهادهم والغلظة عليهم حيث اقتضت الحال الغلظة عليهم. وهذا الجهاد يدخل فيه الجهاد باليد، والجهاد بالحجة واللسان، فمن بارز منهم بالمحاربة فيجاهد باليد، واللسان والسيف والبيان. ومن كان مذعنا للإسلام بذمة أو عهد، فإنه يجاهد بالحجة والبرهان ويبين له محاسن الإسلام، ومساوئ الشرك والكفر، فهذا ما لهم في الدنيا. ﴿و﴾ أما في الآخرة، فـ ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: مقرهم الذي لا يخرجون منها ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 73 إلى 74 معاً في نص واحد.
أَمَرَ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَخْفِضَ جَنَاحَهُ لِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَصِيرَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ إِلَى النَّارِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعَةِ أَسْيَافٍ، سَيْفٍ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التَّوْبَةِ:٥] وَسَيْفٍ لِلْكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَةِ:٢٩] وَسَيْفٍ لِلْمُنَافِقِينَ: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التَّوْبَةِ:٧٣، التَّحْرِيمِ:٩] وَسَيْفٍ لِلْبُغَاةِ: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الْحُجُرَاتِ:٩]
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يُجَاهَدُونَ بِالسُّيُوفِ [في أ: "بالسيف".] إِذَا أَظْهَرُوا النِّفَاقَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قَالَ: بِيَدِهِ، [فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ] [زيادة من ت، ك، أ، والطبري.] فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَكْفَهِرَّ فِي وَجْهِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِجِهَادِ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ، وَالْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ، وَأَذْهَبَ الرِّفْقَ عَنْهُمْ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ، وَاغْلُظْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ بِالْكَلَامِ، وَهُوَ مُجَاهَدَتُهُمْ. وَعَنْ مُقَاتِلٍ، وَالرَّبِيعِ مِثْلُهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: مُجَاهَدَتُهُمْ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّهُ تَارَةً يُؤَاخِذُهُمْ بِهَذَا، وَتَارَةً بِهَذَا بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ اقْتَتَلَ رَجُلَانِ: جُهَني وَأَنْصَارِيٌّ، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد اللَّهِ لِلْأَنْصَارِ: أَلَا تَنْصُرُوا أَخَاكُمْ؟ وَاللَّهِ [في ت: "فوالله".] مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ مُحَمَّدٍ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: "سمِّن كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ"، وَقَالَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ﴾ [الْمُنَافِقُونَ:٨] فَسَعَى بِهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَالَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ [رواه الطبري في تفسيره (١٤/٣٦٤) .]
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بالحرَّة مِنْ قَوْمِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ" -وَشَكَّ ابْنُ الْفَضْلِ فِي أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ -قَالَ ابْنُ الْفَضْلِ: فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ". وَذَاكَ حِينَ سَمِعَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ -: لَئِنْ كَانَ هَذَا صَادِقًا فَنَحْنُ [في ك: "لنحن".] شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: فَهُوَ وَاللَّهِ صَادِقٌ، وَلَأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْحِمَارِ. ثُمَّ رُفع ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَجَحَدَهُ الْقَائِلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ تَصْدِيقًا لِزَيْدٍ -يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الْآيَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ. إِلَى قَوْلِهِ: "هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ" [صحيح البخاري برقم (٤٩٠٦) .] وَلَعَلَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيح، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِإِسْنَادِهِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ. فَذَكَرَ مَا بَعْدَهُ عَنْ مُوسَى، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
وَالْمَشْهُورُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ وَهَم فِي ذِكْرِ الْآيَةِ، وَأَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ غَيْرَهَا فَذَكَرَهَا، واللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَاشِيَةٌ] [زيادة من ك.]
قَالَ "الْأُمَوِيُّ" فِي مَغَازِيهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَخَذَنِي قَوْمِي فَقَالُوا: إِنَّكَ امْرُؤٌ شَاعِرٌ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْتَذِرَ إلى رسول الله ﷺ بِبَعْضِ الْعِلَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَنْبًا تَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ مِنْهُمْ، مِمَّنْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: الجُلاس بْنُ سُوَيد بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ عَلَى أُمِّ عُمَير بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ عُمَيْرٌ فِي حِجْرِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِمَا ذَكَرَ مِمَّا أَنْزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ، قَالَ الْجُلَاسُ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ صَادِقًا فِيمَا يَقُولُ لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ [قَالَ] [زيادة من ك.] فَسَمِعَهَا عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ فَقَالَ: والله -يا جلاس -إنك لأحب النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي بَلَاءً، وَأَعَزُّهُمْ عَلَيَّ أَنْ يَصِلَهُ [في ك: "يصله إليه".] شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلَقَدْ قُلْتَ مَقَالَةً لَئِنْ ذَكَرْتُهَا لَتَفْضَحَنَّكَ وَلَئِنْ كَتَمْتُهَا لَتُهْلِكَنِّي، وَلَإِحْدَاهُمَا أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الْأُخْرَى. فَمَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ الْجُلَاسُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْجُلَاسَ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَ مَا قَالَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، وَلَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِيهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَوَقَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا. فَزَعَمُوا أَنَّ الْجُلَاسَ تَابَ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، وَنَزَعَ فَأَحْسَنَ النُّزُوعَ [انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٥١٩) .] هَكَذَا جَاءَ هَذَا "مُدْرَجًا" فِي الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا بِهِ، وَكَأَنَّهُ واللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ نَفْسِهِ، لَا مِنْ كَلَامِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ، أَقْبَلَ هُوَ وَابْنُ امْرَأَتِهِ مُصعب مِنْ قُبَاء، فَقَالَ الْجُلَاسُ: إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ أَشَرُّ مِنْ حُمُرنا هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا. فَقَالَ مُصْعَبٌ: أَمَا وَاللَّهِ -يَا عَدُوَّ اللَّهِ -لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قُلْتَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَخِفْتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ الْقُرْآنُ [في ك: "قرآنا".] أَوْ تُصِيبَنِي قَارِعَةٌ، أَوْ أَنْ أُخْلَطَ [في أ: "أختلط".] بِخَطِيئَتِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْبَلْتُ أَنَا وَالْجُلَاسُ مِنْ قُبَاءَ، فَقَالَ كَذَا وَكَذَا، وَلَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ أُخْلَطَ [في ت، أ: "أختلط".] بِخَطِيئَةٍ أَوْ تُصِيبَنِي قَارِعَةٌ مَا أَخْبَرْتُكَ. قَالَ: فَدَعَا الْجُلَاسَ فَقَالَ: "يَا جُلَاسُ، أَقُلْتَ الَّذِي قَالَهُ مُصْعَبٌ؟ " فَحَلَفَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ الَّذِي قَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ -فِيمَا بَلَغَنِي -الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ، فَرَفَعَهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ فِي حِجْرِهِ، يُقَالُ لَهُ: عُمَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ، فَأَنْكَرَهَا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَهَا: فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ تَابَ وَنَزَعَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، فِيمَا بَلَغَنِي.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقَالَ: "إِنَّهُ سيأتيكم إنسان فينظر إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيِ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا جَاءَ فَلَا تُكَلِّمُوهُ". فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَلَعَ رَجُلٌ أَزْرَقُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال: "عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ؟ " فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ مَا قَالُوا، حَتَّى تَجَاوُزَ عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ [في ت، ك: "وأنزل".] اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الْآيَةَ [تفسير الطبري (١٤/٣٦٣) .]
وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِيمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرة، عَنْ [أَبِي] [زيادة من ت، أ، والدلائل.] الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقُودُ بِهِ، وَعَمَّارٌ يَسُوقُ النَّاقَةَ -أَوْ أَنَا: أَسُوقُهُ، وَعَمَّارٌ يَقُودُهُ -حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَقَبَةِ فَإِذَا أَنَا بِاثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا قَدِ اعْتَرَضُوهُ فِيهَا، قَالَ: فَأَنْبَهْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [بِهِمْ] [زيادة من ت، أ، والدلائل.] فَصَرَخَ بِهِمْ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ عَرَفْتُمُ الْقَوْمَ؟ قُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كَانُوا مُتَلَثِّمِينَ، وَلَكُنَّا قَدْ عَرَفْنَا الرِّكَّابَ. قَالَ: "هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ [في أ: "ترون".] مَا أَرَادُوا؟ " قُلْنَا: لَا. قَالَ: "أَرَادُوا أَنْ يَزْحَمُوا [في ك: "يزاحموا".] رَسُولَ اللَّهِ فِي الْعَقَبَةِ، فَيُلْقُوهُ مِنْهَا". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ لَا تَبْعَثُ إِلَى عَشَائِرِهِمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْكَ كُلُّ قَوْمٍ بِرَأْسِ صَاحِبِهِمْ؟ قَالَ: "لَا أَكْرَهُ أَنْ تَتَحَدَّثَ الْعَرَبُ بَيْنَهَا أَنَّ مُحَمَّدًا قَاتَلَ بِقَوْمٍ حَتَّى [إِذَا] [زيادة من ت، ك، أ، والدلائل.] أَظْهَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُهُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الدُّبَيْلَةُ؟ قَالَ: "شِهَابٌ مِنْ نَارٍ يَقَعُ عَلَى نِيَاطِ قَلْبِ أَحَدِهِمْ فَيَهْلِكُ" [دلائل النبوة (٥/٢٦٠) .]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْعَقَبَةَ فَلَا يَأْخُذْهَا أَحَدٌ. فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ وَيَسُوقُهُ عَمَّارٌ، إِذْ أَقْبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلَى الرَّوَاحِلِ فَغَشَوْا عَمَّارًا وَهُوَ يَسُوقُ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَأَقْبَلَ عَمَّارٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَضْرِبُ وُجُوهَ الرَّوَاحِلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ [في ت، ك: "النبي".] ﷺ لِحُذَيْفَةَ: "قَدْ، قَدْ" حَتَّى هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، [فَلَمَّا هَبَطَ] [زيادة من ت، ك، أ، والمسند.] نَزَلَ وَرَجَعَ عَمَّارٌ، فَقَالَ: "يَا عَمَّارُ، هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ؟ " فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ عَامَّةَ الرَّوَاحِلِ، وَالْقَوْمُ مُتَلَثِّمُونَ. قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَرَادُوا أَنْ يُنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَطْرَحُوهُ". قَالَ: فَسَارَّ عَمَّارٌ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: نَشَدْتُكَ [في أ: "أنشدك".] بِاللَّهِ كَمْ تَعْلَمُ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟ قَالَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ. قَالَ: فَعَذَرَ [في أ: "فعد".] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ ثَلَاثَةً قَالُوا: وَاللَّهِ مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَا عَلِمْنَا مَا أَرَادَ الْقَوْمُ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَشْهَدُ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْبَاقِينَ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [المسند (٥/٤٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (٦/١٩٥) : "رجاله رجال الصحيح".]
وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَ هَذَا، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يَمْشِيَ النَّاسُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَصَعَدَ هُوَ وَحُذَيْفَةُ وَعَمَّارٌ الْعَقَبَةَ، فَتَبِعَهُمْ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الْأَرْذَلُونَ، وَهُمْ مُتَلَثِّمُونَ، فَأَرَادُوا سُلُوكَ الْعَقَبَةِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَلَى مُرَادِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ [في ت، ك، أ: "رسوله".] ﷺ، فَأَمَرَ حذيفة فرجع إِلَيْهِمْ، فَضَرَبَ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ، فَفَزِعُوا وَرَجَعُوا مَقْبُوحِينَ، وَأَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ وَعَمَّارًا بِأَسْمَائِهِمْ، وَمَا كَانُوا هَمُّوا بِهِ مِنَ الْفَتْكِ [في ت: "القتل".] بِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَكْتُمَا عَلَيْهِمْ [رواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/٢٥٦) .]
وَكَذَلِكَ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَير، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، إِلَّا أَنَّهُ سَمّى جَمَاعَةً مِنْهُمْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [دلائل النبوة للبيهقي (٥/٢٥٧) .]
وَكَذَا قَدْ حُكِيَ [في ت، أ: "وقع".] فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ، قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَيَشْهَدُ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ بِالصِّحَّةِ، مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ:
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيع، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: كَانَ [بَيْنَ] [زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.] رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ [وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ] [زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.] قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: أَخْبِرْهُ إِذْ سَأَلَكَ. قَالَ: كُنَّا نُخْبِرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ [في ك: "فقد كانوا".] خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ. وَقَدْ كَانَ فِي حَرَّةٍ فَمَشَى، فَقَالَ: "إِنَّ الْمَاءَ قَلِيلٌ، فَلَا يَسْبِقْنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ"، فَوَجَدَ قَوْمًا قَدْ سَبَقُوهُ، فَلَعَنَهُمْ [في أ: "فلعنوه".] يَوْمَئِذٍ [صحيح مسلم برقم (٢٧٧٩) .]
وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرة، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُذَيْفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ [الْجَمَلُ] [زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.] فِي سَمِّ الْخِيَاطِ: ثَمَانِيَةٌ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلة: سِرَاجٌ مِنْ نَارٍ يَظْهَرُ بَيْنَ أكتافه حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ" [صحيح مسلم برقم (٢٧٧٩) .]
وَلِهَذَا كَانَ حُذَيْفَةُ يُقَالُ لَهُ: "صَاحِبُ السِّرِّ، الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ" أَيْ: مِنْ تَعْيِينِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ هَؤُلَاءِ، قَدْ أَطْلَعَهُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ، واللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَرْجَمَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ حُذَيْفَةَ تَسْمِيَةَ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ رَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: هُمْ مُعَتِّب بْنُ قُشَيْرٍ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَجَدُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَل بْنِ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ الطَّائِيُّ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِي، والحارث بن سُوَيْد، وَسَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ [في ك: "وابرة".] وَقَيْسُ بْنُ فَهْدٍ، وَسُوَيْدٌ وَدَاعِسٌ مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ، وَقَيْسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، وَزَيْدُ بْنُ اللَّصِيتِ، وَسُلَالَةُ بْنُ الْحِمَامِ، وَهُمَا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَظْهَرَا الْإِسْلَامَ [المعجم الكبير (٣/١٦٥ - ١٦٧) .]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَيْ: وَمَا لِلرَّسُولِ عِنْدَهُمْ ذَنْبٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَغْنَاهُمْ بِبَرَكَتِهِ وَيُمْنِ سِفَارَتِهِ، وَلَوْ تَمَّتْ عَلَيْهِمُ السَّعَادَةُ لَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [في أ: "ﷺ".] لِلْأَنْصَارِ: "أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلالا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ.
وَهَذِهِ الصِّيغَةُ تُقَالُ حَيْثُ لَا ذَنْبَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ:٨] وَكَمَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [في أ: "ﷺ".] مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ".
ثُمَّ دَعَاهُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى التَّوْبَةِ فَقَالَ: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: وَإِنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى طَرِيقِهِمْ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ أَيْ: بِالْقَتْلِ وَالْهَمِّ وَالْغَمِّ، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أَيْ: بِالْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْهَوَانِ وَالصَّغَارِ، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أَيْ: وَلَيْسَ لَهُمْ أَحَدٌ يُسْعِدُهُمْ وَلَا يُنْجِدُهُمْ، وَلَا يُحَصِّلُ لَهُمْ خَيْرًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ شَرًّا.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار﴾ ، بالسيف والسلاح = ﴿والمنافقين﴾ .
* *
واختلف أهل التأويل في صفة "الجهاد" الذي أمر الله نبيه به في المنافقين. [انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف ص: ٢٥٧، تعليق: ١، والمراجع هناك. = وتفسير " المنافق " فيما سلف ص: ٣٣٩؛ تعليق: ٣، والمراجع هناك.] فقال بعضهم: أمره بجهادهم باليد واللسان، وبكل ما أطاق جهادَهم به.
ذكر من قال ذلك:
١٦٩٦١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، ويحيى بن آدم، عن حسن بن صالح، عن علي بن الأقمر، عن عمرو بن جندب، عن ابن مسعود في قوله: ﴿جاهد الكفار والمنافقين﴾ ، قال: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فليكفهرَّ في وجهه. [الأثر: ١٦٩٦١ - " حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا. و" يحيى بن آدم "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا. و"حسن بن صالح بن صالح بن حي الثوري"، ثقة، مضى مرارًا. و" علي بن الأقمر الوادعي الهمداني "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا. و" عمرو بن أبي جندب " أو " عمرو بن جندب "، هو " أبو عطية الوادعي "، مختلف في اسمه. ترجم له في التهذيب، في الأسماء، وفي الكنى، وقال: " قال البخاري في تاريخه: روى عنه أبو إسحاق، وعلي بن الأقمر "، ثم قال: " والصواب أنه وإن كان يكنى أبا عطية، فإنه غير الوادعي ". وهو ثقة، من أصحاب عبد الله بن مسعود. ترجم له ابن أبي حاتم ٣ \ ١ \ ٢٢٤ باسم " عمرو بن جندب "، وكان في المطبوعة " عمرو بن جندب "، ولكني أثبت ما في المخطوطة، وهما صواب كما ترى. وهذا الخبر، خرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٤٨، ونسبه إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان. وقوله: " فليكفهر في وجهه ": أي فليلقه بوجه منقبض عابس لإطلاقه فيه ولا بشر ولا انبساط.]
* *
وقال آخرون: بل أمره بجهادهم باللسان.
ذكر من قال ذلك:
١٦٩٦٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ ، فأمره الله بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهبَ الرفق عنهم.
١٦٩٦٣- حدثنا القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿جاهد الكفار والمنافقين﴾ ، قال: "الكفار"، بالقتال، و"المنافقين"، أن يغلُظ عليهم بالكلام.
١٦٩٦٤- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ ، يقول: جاهد الكفار بالسيف، وأغلظ على المنافقين بالكلام، وهو مجاهدتهم.
* *
وقال آخرون: بل أمره بإقامة الحدود عليهم.
ذكر من قال ذلك:
١٦٩٦٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿جاهد الكفار والمنافقين﴾ ، قال: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالحدود، أقم عليهم حدودَ الله.
١٦٩٦٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ ، قال: أمر الله نبيّه ﷺ أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين في الحدود.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب، ما قال ابن مسعود: من أنّ الله أمر نبيَه ﷺ من جهاد المنافقين، بنحو الذي أمرَه به من جهاد المشركين.
فإن قال قائل: فكيف تركهم ﷺ مقيمين بين أظُهرِ أصحابه، مع علمه بهم؟ قيل: إن الله تعالى ذكره إنما أمر بقتال من أظهرَ منهم كلمةَ الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك. وأمّا مَنْ إذا اطُّلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر وأُخِذ بها، أنكرها ورجع عنها وقال: "إني مسلم"، فإن حكم الله في كلّ من أظهر الإسلام بلسانه، أن يحقِنَ بذلك له دمه وماله، وإن كان معتقدًا غير ذلك، وتوكَّل هو جلّ ثناؤه بسرائرهم، ولم يجعل للخلق البحثَ عن السرائر. فلذلك كان النبيّ ﷺ، مع علمه بهم وإطْلاع الله إياه على ضمائرهم واعتقاد صُدورهم، كان يُقِرّهم بين أظهر الصحابة، ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبَه الحرب على الشرك بالله، لأن أحدهم كان إذا اطُّلِع عليه أنه قد قال قولا كفر فيه بالله، ثم أخذ به أنكره وأظهر الإسلام بلسانه. فلم يكن ﷺ يأخذه إلا بما أظهر له من قوله، عند حضوره إياه وعزمه على إمضاء الحكم فيه، دون ما سلف من قولٍ كان نطقَ به قبل ذلك، ودون اعتقاد ضميرِه الذي لم يبح الله لأحَدٍ الأخذ به في الحكم، وتولَّى الأخذَ به هو دون خلقه.
* *
وقوله: ﴿واغلظ عليهم﴾ ، [انظر تفسير " الغلظة " فيما سلف ٧: ٣٤١.] يقول تعالى ذكره: واشدد عليهم بالجهاد والقتال والإرْهاب. [في المطبوعة: " والإرعاب " بالعين، خالف ما هو الصواب في العربية، وفي المخطوطة إنما يقال: " رعبه يرعبه رعبًا، فهو مرعوب ورعيب و " رعبه " ترعيبًا "، ونصوا فقالوا: " ولا تقل: أرعبه ".]
* *
وقوله: ﴿ومأواهم جهنم﴾ ، يقول: ومساكنهم جهنم، وهي مثواهم ومأواهم [انظر تفسير " المأوى " فيما سلف ص: ٧٧، تعليق: والمراجع هناك.] = ﴿وبئس المصير﴾ ، يقول: وبئس المكان الذي يُصَار إليه جهنَّمُ. [انظر تفسير " المصير " فيما سلف ١٣: ٤٤١ تعليق: ٤، والمراجع هناك.]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَتَدْخُلُ فِيهِ أُمَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ. قِيلَ: الْمُرَادُ جَاهِدْ بِالْمُؤْمِنِينَ الْكُفَّارَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُمِرَ بِالْجِهَادِ مَعَ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ، وَمَعَ الْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ وَشِدَّةِ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاهِدِ الْمُنَافِقِينَ بِيَدِكَ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِكَ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاكْفَهِرَّ [اكفهر الرجل: إذا عبس.] فِي وُجُوهِهِمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: جَاهِدِ الْمُنَافِقِينَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ وَبِاللِّسَانِ- وَاخْتَارَهُ قَتَادَةُ- وَكَانُوا أَكْثَرَ مَنْ يُصِيبُ الْحُدُودَ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا إِقَامَةُ الْحُجَّةِ بِاللِّسَانِ فَكَانَتْ دَائِمَةً وَأَمَّا بِالْحُدُودِ لِأَنَّ أَكْثَرَ إِصَابَةِ الْحُدُودِ كَانَتْ عِنْدَهُمْ فَدَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ الْعَاصِي بِمُنَافِقٍ إِنَّمَا الْمُنَافِقُ بِمَا يَكُونُ فِي قَلْبِهِ مِنَ النِّفَاقِ كَامِنًا لَا بِمَا تَتَلَبَّسُ بِهِ الْجَوَارِحُ ظَاهِرًا وَأَخْبَارُ الْمَحْدُودِينَ يَشْهَدُ سِيَاقُهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الْغِلَظُ: نَقِيضُ الرَّأْفَةِ، وَهِيَ شِدَّةُ الْقَلْبِ عَلَى إِحْلَالِ الْأَمْرِ بِصَاحِبِهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي اللِّسَانِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:" إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ [أي لا يوبخها ولا يقرعها بالزنى بعد الضرب. وقيل: أراد لا يقنع في عقوبتها بالتثريب بل يضربها الحد فإن زنى الإماء لم يكن عند العرب مكروها ولا منكرا فأمرهم بحد الإماء كما أمرهم بحد الحرائر. (نهاية ابن الأثير).] عَلَيْهَا (. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] [راجع ج ٤ ص ٢٤٨.] . وَمِنْهُ قَوْلُ النِّسْوَةِ لِعُمَرَ: أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [روى البخاري ومسلم هذا الحديث في "باب مناقب عمر رضى الله عنه" قالا: استأذن عمر بن الخطاب عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعنده نسوة من قريش بكلمته يستكثرنه عالية أصواتهم على صوته فلما استأذن عمر قمن فبادرن الحجاب فأذن لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك فقال عمر: أضحك الله سنك يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" فقال عمر: أنت أحق أن يهبن يا رسول الله. ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهم أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ! فقلن: نعم! أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك".] وَمَعْنَى الْغِلَظِ خُشُونَةُ الْجَانِبِ. فَهِيَ ضِدُّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [راجع ج ١٣ ص ١٣٤.] [الشعراء: ٢١٥]. ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ [راجع ج ١٠ ص ٢٣٦.] [الاسراء: ٢٤]. وهذه الآية نسخت كل شي من العفو والصلح والصفح.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 73 إلى 74 معاً في نص واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بِالسَّيْفِ وَالْقَتْلِ، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ جِهَادِ الْمُنَافِقِينَ، قال ابن ١٦١/ب مَسْعُودٍ: بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَقَالَ لَا تَلَقَ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ [أخرجه الطبري عن ابن مسعود: ١٤ / ٣٥٨. ومعنى: بوجه مكفهر: عابس منقبض، لا طلاقة فيه ولا بشر ولا انبساط.] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِاللِّسَانِ وَتَرْكِ الرِّفْقِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِتَغْلِيظِ الْكَلَامِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ.
﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ﴾ فِي الْآخِرَةِ،.
﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي ظِلِّ حُجْرَةٍ فَقَالَ: "إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ إِنْسَانٌ فَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيْ شَيْطَانٍ، فَإِذَا جَاءَ فَلَا تُكَلِّمُوهُ"، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَلَعَ رَجُلٌ أَزْرَقُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ"؟ فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ، مَا قَالُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ [أخرجه الطبري: ١٤ / ٣٦٣، وصحح الشيخ شاكر إسناده. وزاد السيوطي نسبته للطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه. الدر المنثور: ٤ / ٢٤١.] .
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْجُلَاسِ بْنِ سُوِيدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ بِتَبُوكَ، فَذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ وَسَمَّاهُمْ رِجْسًا وَعَابَهُمْ، فَقَالَ جُلَاسٌ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. فَسَمِعَهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: أَجَلْ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ وَأَنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الْجُلَاسُ، فَقَالَ الْجُلَاسُ: كَذَبَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِفَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَقَامَ الْجُلَاسُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا قَالَهُ، وَلَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ عَامِرٌ، ثُمَّ قَامَ عَامِرٌ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ قَالَهُ وَمَا كَذَبْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَى نَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الصَّادِقِ مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ: آمِينَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا بِهَذِهِ الْآيَةِ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فَقَامَ الْجُلَاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْمَعُ [اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ] [ساقط من "ب".] قَدْ عَرَضَ عَلَيَّ التَّوْبَةَ، صَدَقَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فِيمَا قَالَهُ، لَقَدْ قُلْتُهُ وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ مِنْهُ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ أَيْ: أَظْهَرُوا الْكَفْرَ بَعْدَ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: هِيَ سَبُّ النَّبِيِّ ﷺ. وَقِيلَ: كَلِمَةُ الْكُفْرِ قَوْلُ الْجُلَاسِ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. وَقِيلَ: كَلِمَةُ الْكُفْرِ قَوْلُهُمْ "لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ"، [المنافقين: ٨] وَسَتَأْتِي تِلْكَ الْقِصَّةُ [فِي مَوْضِعِهَا فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ] [زيادة من المطبوع.] ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: هَمَّ الْمُنَافِقُونَ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ الَّذِي سَمِعَ قَوْلَهُمْ: لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، لِكَيْ لَا يُفْشِيَهُ.
وَقِيلَ: هُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَقَفُوا عَلَى الْعَقَبَةِ فِي طَرِيقِ تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلَهُمْ، فَأَرْسَلَ حُذَيْفَةَ لِذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالُوا إِذَا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ عَقَدْنَا عَلَى رَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ تَاجًا، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ.
﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ وَمَا كَرِهُوا وَمَا أَنْكَرُوا مِنْهُمْ، ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ مَوْلَى الْجُلَاسِ قُتِلَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاسْتَغْنَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ضَنْكٍ مِنَ الْعَيْشِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَغْنَوْا بِالْغَنَائِمِ.
﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ مِنْ نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ يُعْرِضُوا عَنِ الْإِيمَانِ، ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بِالْخِزْيِ، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أَيْ: وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - ﷺ - بمجاهدة الكفار والمنافقين بكل وسيلة ، لأنهم جميعا لا يريدون الانتهاء عن المكر السئ بالدعوة الإِسلامية فقال - تعالى - : ( ياأيها النبي . . . ) .)قوله - سبحانه - ( جَاهِدِ ) من المجاهدة ، بمعنى بذل الجهد فى دفع ما لا يرضى ، سواء أكان ذلك بالقتال أم بغيره .وقوله : ( واغلظ عَلَيْهِمْ ) من الغلظة التى هى نقيض الرقة والرأفة . يقال أغلظ فلان فى الأمر إذا اشتد فيه ولم يترفق .ونحن عندما نقرأ السيرة النبوية . نجد أنه - ﷺ - بعد هجرته إلى المدينة ، ظل فترة طويلة يلاين المنافقين ، ويغض الطرف عن رذائلهم ، ويصفح عن مسيئهم . . إلا أن هذه المعاملة الحسنة لهم زادتهم رجسا إلى رجسهم . . لذا جاءت هذه السورة - وهى من أواخر ما نزل من القرآن لتقول للنبى - ﷺ - لقد آن الأوان لإِحلال الشدة والحزم ، محل اللين والرفق ، فإن للشدة مواضعها وللين مواضعه . .والمعنى : عليك - أيها النبى الكريم - أن تجاهد الكفار بالسيف إذا كان لا يصلحهم سواه ، وأن تجاهد المنافقين - الذين يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر - بما تراه مناسبا لردهم وزجرهم وإرهابهم ، سواء أكان ذلك باليد أم باللسان أم بغيرهما ، حتى تأمن شرهم .قال الإِمام ابن كثير ، أمر الله رسوله - ﷺ - بجهاد الكفار والمنافقين ، كما أمره أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين . . - وقد تقدم عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب أنه قال : بعث رسول الله - ﷺ - بأربعة أسياف . سيف للمشركين ( فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ . . . ) وسيف للكفار أهل الكتاب ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب . . ) وسيف للمنافقين ( جَاهِدِ الكفار والمنافقين ) وسيف للبغاة ( فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله ) وهذا يقتضى أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق ، وهو اختيار ابن جرير .وقال ابن مسعود فى قوله : ( جَاهِدِ الكفار والمنافقين ) قال بيده ، فإن لم يستطع فليكشر فى وجهه - أى فليلق المنافق بوجه عابس لا طلاقة فيه ولا انبساط .وقال ابن عباس : أمره الله - تعالى - بجهاد المنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم .وقد يقال أنه لا منافاة بين هذه الأقوال ، لأنه تارة يؤاخذهم بهذا ، وتارة بهذا على حسب الأحوال . .والضمير المجرور فى قوله : ( واغلظ عَلَيْهِمْ ) يعود على الفريقين : الكفار والمنافقين أى : جاهدهم بكل ما تستطيع مجاهدتهم به ، مما يقتضيه الحال ، واشدد عليهم فى هذه المجاهدة بحيث لا تدع مجالا معهم للترفق واللين ، فإنهم ليسوا أهلا لذلك ، بعد أن عموا وصموا عن النصحية ، وبعد أن لجوا فى طغيانهم .وقوله : ( وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير ) تذييل قصد به بيان سوء مصيرهم فى الآخرة بعد بيان ما يجب على المؤمنين نحوهم فى الدنيا .أى : عليك - أيها النبى - أن تجاهدهم وأن تغلظ عليهم فى الدنيا ، أما فى الآخرة فإن جهنم هى دارهم وقرارهم .والمخصوص بالذم محذوف والتقدير : وبئس المصير مصيرهم ، فانه لا مصير أسوأ من الخلود فى جهنم .ومن هذه الآية الكريمة نرى أن على المؤمنين - فى كل زمان ومكان - أن يجاهدوا أعداءهم من الكفار والمنافقين بالسلاح الذى يرونه كفيلا بأن يجعل كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا السفلى .