مقارنة التفاسير
التوبة · الآية 95
إِذَا إِنَّهُمۡ بِمَا ﴿٩٥﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
التوبة · الآية 95
إِذَا إِنَّهُمۡ بِمَا ﴿٩٥﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
سيحلف لكم المنافقون بالله -كاذبين معتذرين- إذا رجعتم إليهم من الغزو؛ لتتركوهم دون مساءلة، فاجتنبوهم وأعرضوا عنهم احتقارًا لهم، إنهم خبثاء البواطن، ومكانهم الذي يأوون إليه في الآخرة نار جهنم؛ جزاء بما كانوا يكسبون من الآثام والخطايا.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
واعلم أن المسيء المذنب له ثلاث حالات: إما أن يقبل قوله وعذره، ظاهرا وباطنا، ويعفى عنه بحيث يبقى كأنه لم يذنب. فهذه الحالة هي المذكورة هنا في حق المنافقين، أن عذرهم غير مقبول، وأنه قد تقررت أحوالهم الخبيثة وأعمالهم السيئة، وإما أن يعاقبوا بالعقوبة والتعزير الفعلي على ذنبهم، وإما أن يعرض عنهم، ولا يقابلوا بما فعلوا بالعقوبة الفعلية، وهذه الحال الثالثة هي التي أمر الله بها في حق المنافقين، ولهذا قال﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أي: لا توبخوهم، ولا تجلدوهم أو تقتلوهم. ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أي: إنهم قذر خبثاء، ليسوا بأهل لأن يبالى بهم، وليس التوبيخ والعقوبة مفيدا فيهم، ﴿و﴾ تكفيهم عقوبة جهنم جزاء بما كانوا يكسبون.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 94 إلى 96 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 94.
أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِمْ، ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أَيْ: لَنْ نُصَدِّقَكُمْ، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أَيْ: قَدْ أَعْلَمَنَا اللَّهُ أَحْوَالَكُمْ، ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أَيْ: سَيُظْهِرُ أَعْمَالَكُمْ لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [في أ: "ستردون" وهو خطأ.] أَيْ: فَيُخْبِرُكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، وَيُجْزِيكُمْ عَلَيْهَا.
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ سَيَحْلِفُونَ مُعْتَذِرِينَ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَلَا تُؤَنِّبُوهم، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ احْتِقَارًا لَهُمْ، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أَيْ: خُبثاء نَجِسٌ بَوَاطِنُهُمْ وَاعْتِقَادَاتُهُمْ، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ فِي آخِرَتِهِمْ ﴿جَهَنَّمُ﴾﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الْآثَامِ وَالْخَطَايَا.
وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ وَإِنْ رَضُوا عَنْهُمْ بِحَلِفِهِمْ [في أ: "بحلفانهم".] لَهُمْ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أَيِ: الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، فَإِنَّ الْفِسْقَ هُوَ الْخُرُوجُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْفَأْرَةُ "فُوَيسقة" لِخُرُوجِهَا مِنْ جُحرها لِلْإِفْسَادِ، وَيُقَالُ: "فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ": إِذَا خَرَجَتْ مِنْ أَكْمَامِهَا [في ت: "كمامها".]
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: سيحلف، أيها المؤمنون بالله، لكم هؤلاء المنافقون الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله = ﴿إذا انقلبتم إليهم﴾ ، يعني: إذا انصرفتم إليهم من غزوكم [انظر تفسير " الانقلاب " فيما سلف ١٣: ٣٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.] = ﴿لتعرضوا عنهم﴾ ، فلا تؤنبوهم = ﴿فأعرضوا عنهم﴾ ، يقول جل ثناؤه للمؤمنين: فدعوا تأنيبهم، وخلوهم وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق [انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ص: ٣٦٩، تعليق: ٦، والمراجع هناك.] ﴿إنهم رجس ومأواهم جهنم﴾ ، يقول: إنهم نجس [انظر تفسير " الرجس " فيما سلف ١٢: ١٩٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.] = ﴿ومأواهم جهنم﴾ ، يقول: ومصيرهم إلى جهنم، وهي مسكنهم الذي يأوُونه في الآخرة [انظر تفسير " المأوى " فيما سلف ص: ٣٦٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.] = ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ ، [في المطبوعة والمخطوطة " جزاء بما كانوا يعملون "، سهو من الناسخ فيما أرجح.] يقول: ثوابًا بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من معاصي الله. [انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف من فهارس اللغة (جزى) . = وتفسير "الكسب" فيما سلف من فهارس اللغة (كسب) .]
* *
وذكر أن هذه الآية نزلت في رجلين من المنافقين، قالا ما:-
١٧٠٩٠- حدثنا به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا﴾ ، إلى: ﴿بما كانوا يكسبون﴾ ، وذلك أن رسول الله ﷺ قيل له: ألا تغزو بني الأصفر، ["بنو الأصفر"، هم الروم.] لعلك أن تصيب بنت عظيم الرُّوم، فإنهنّ حِسان! [في المطبوعة والمخطوطة " فإنهم حسان " والصواب ما أثبت.] فقال رجلان: قد علمت، يا رسول الله، أن النساء فتنة، فلا تفتنَّا بهنَّ! فأذن لنا! فأذن لهما. فلما انطلقا، قال أحدهما: إن هو إلا شَحْمةٌ لأوّل آكلٍ! [" الشحمة "، عنى بها قطعة من " شحم سنام البعير "، وشحمة السنام من أطايب البعير، يسرع إليها الآكل، قال زفر بن الحارث الكلابي: وكُنَّا حَسِبْنا كُلَّ بَيْضَاءَ شَحْمَةً ... لَيالِيَ قارَعْنا جُذَامَ وحمِيرَا فَلَمَّا قَرَعْنا النَّبْعَ بالنَّبْعِ، بَعضَهُ ... بِبَعضٍ، أَبَتْ عِيدانُهُ أَنْ تكَسَّرا وفي المثل: "ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة".] فسار رسول الله ﷺ، ولم ينزل عليه في ذلك شيء، فلما كان ببعض الطريق، نزل عليه وهو على بعض المياه: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [سورة التوبة: ٤٢] ، ونزل عليه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٤٣] ، ونزل عليه: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة التوبة: ٤٤] ، ونزل عليه: ﴿إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾ . فسمع ذلك رجل ممن غزا مع النبي ﷺ، فأتاهم وهم خلفهم، فقال: تعلمون أنْ قَد نزل على رسول الله ﷺ بعدَكم قرآن؟ قالوا: ما الذي سمعت؟ قال: ما أدري، غير أني سمعت أنه يقول: "إنهم رجس"! فقال رجل يدعى "مخشيًّا"، [في المخطوطة: " مخشي "، والصواب ما في المطبوعة وهو " مخشي بن حمير الأشجعي "، انظر ترجمته في الإصابة.] والله لوددت أني أجلد مئة جلدة، وأني لست معكم! فأتى رسول الله ﷺ، فقال: ما جاء بك؟ فقال: وجْهُ رسول الله ﷺ تسفَعه الريح، وأنا في الكِنّ!! ["سفعته النار، والشمس، والسموم، تسفعه سفعًا "، لفحته لفحًا يسيرًا فغيرت لون بشرته وسودته. و "الكن" (بكسر الكاف) : ما يرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن، وكل ما ستر من الشمس والسموم فهو كن.] فأنزل الله عليه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [سورة التوبة: ٤٩] ، ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [سورة التوبة: ٨١] ، ونزل عليه في الرجل الذي قال: "لوددت أني أجْلد مئة جلدة" قولُ الله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة التوبة: ٦٤] ، فقال رجل مع رسول الله: لئن كان هؤلاء كما يقولون، ما فينا خير! فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فقال له: أنت صاحب الكلمة التي سمعتُ؟ " فقال: لا والذي أنزل عليك الكتاب! فأنزل الله فيه: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [سورة التوبة: ٧٤] ، وأنزل فيه: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ، [سورة التوبة: ٤٧] .
١٧٠٩١- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعبَ بن مالك يقول: لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك، جلس للناس. فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيَتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وصَدَقته حديثي. فقال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قطُّ، بعد أن هداني للإسلام، أعظمَ في نفسي من صدْق رسول الله ﷺ، أن لا أكون كذبتُه فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي، [في المطبوعة والمخطوطة: " حين أنزل الوحي ما قال لأحد "، بإسقاط " شر "، وهو لا يستقيم، وأثبته من نص روايته في صحيح مسلم.] شرَّ ما قال لأحد: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾ ، إلى قوله: ﴿فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ . [الأثر: ١٧٠٩١ - هذا مختصر من الخبر الطويل في توبة كعب بن مالك، رواه مسلم في صحيحه ١٧: ٨٧ - ١٠٠، من هذه الطريق، وقد مضى جزء آخر منه برقم: ١٦١٤٧.]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أَيْ مِنْ تَبُوكَ. وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أَيْ يَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ مَا قَدَرُوا عَلَى الْخُرُوجِ.
(لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) أَيْ لتصفحوا عن لومهم. وقال ابن عباس: أي لا تكلموا هم. وَفِي الْخَبَرِ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَدِمَ مِنْ تَبُوكَ: (وَلَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ).
(إِنَّهُمْ رِجْسٌ) أَيْ عَمَلُهُمْ رِجْسٌ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّهُمْ ذَوُو رِجْسٍ، أَيْ عَمَلُهُمْ قَبِيحٌ.
(وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) أَيْ مَنْزِلُهُمْ وَمَكَانُهُمْ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمَأْوَى كُلُّ مكان يأوي إليه شي لَيْلًا أَوْ نَهَارًا. وَقَدْ أَوَى فُلَانٌ إِلَى مَنْزِلِهِ يَأْوِي أَوِيًّا، عَلَى فَعُولٍ، وَإِوَاءً. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ﴾ [راجع ج ٩ ص ٣٩.] [هود: ٤٣]. وَآوَيْتُهُ أَنَا إِيوَاءً. وَأَوَيْتُهُ إِذَا أَنْزَلْتُهُ بِكَ، فَعَلْتُ وَأَفْعَلْتُ، بِمَعْنًى، عَنْ أَبَى زَيْدٍ. وَمَأْوِيِ الْإِبِلِ "بِكَسْرِ الْوَاوِ" لُغَةٌ فِي مَأْوَى الْإِبِلِ خاصة، وهو شاذ.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 93 إلى 96 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 93.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ بِالْعُقُوبَةِ، ﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ فِي التَّخَلُّفِ ﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ يُرْوَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ نَفَرًا، فَلَمَّا رَجَعَ رسول الله ﷺ جاؤوا يَعْتَذِرُونَ بِالْبَاطِلِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لَنْ نُصَدِّقَكُمْ، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ فِيمَا سَلَفَ، ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ فِي الْمُسْتَأْنَفِ أَتَتُوبُونَ مِنْ نِفَاقِكُمْ أَمْ تُقِيمُونَ عَلَيْهِ؟ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ إِذَا انْصَرَفْتُمْ إِلَيْهِمْ مِنْ غَزْوِكُمْ، ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لِتَصْفَحُوا عَنْهُمْ وَلَا تُؤَنِّبُوهُمْ، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فَدَعَوْهُمْ وَمَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفَاقِ، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ نَجِسٌ أَيْ: إِنَّ عَمَلَهُمْ قَبِيحٌ، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ فِي الْآخِرَةِ، ﴿جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ وَمُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ وَأَصْحَابِهِمَا وَكَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ: "لَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ" [انظر الرواية عن ابن عباس مطولة في: الطبري: ١٤ / ٤٢٦-٤٢٧. وقوله ﷺ: "لا تجالسوهم ... " عزاه السيوطي لابن أبي حاتم وأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٦٦.] .
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حَلَفَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بَعْدَهَا، وَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ، وَنَزَلَ: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [انظر: البحر المحيط: ٤ / ٨٩-٩٠.] .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم أخبر - سبحانه - رسول الله - ﷺ بأن هؤلاء المنافقين ، سيؤكدون أعذارهم الكاذبة بالأيمان الفاجرة فقال : ( سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ . . . ) .أى : أنهم سيحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون - إذا ما رجعتم إليهم من تبوك وذلك لكى تعرضوا عنهم فلا توبخوهم على قعودهم ، ولا تعنفوهم على تخلفهم .وقوله ( فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ) تعليل لوجوب الإِعراض عنهم ، لا على سبيل الصفح والعفو ، بل على سبيل الإِهمال والترك والاحتقار .أى : فأعرضوا - أيها المؤمنون - عن هؤلاء المنافقين المتخلفين ، لأنهم " رجس " .أى : قذر ونجس لسوء نواياهم ، وخبث طواياهم .وقد جعلهم - سبحانه - نفس الرجس . مبالغة فى نجاسة أعمالهم ، وقبح بواطنهم .وقوله : ( وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة .أى : أنهم فى الدنيا محل الاحتقار والازدراء لنجاسة بواطنهم ، أما فى الآخرة فمستقرهم وموطنهم جهنم بسبب ما اكتسبوه من أعمال قبيحة ، وما اجترحوه من أفعال سيئة .وقوله : ( وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) بدل مما قبله .